الثاني: ان الأصل الاشتراك بين الذكور والإناث في الأحكام إلا إذا ثبت الخلاف ويشير إليه في هذه المسألة ما تقدم من إنكار علي (ع) على عمر في قضية المجنونة الزانية بما ذكره من إرتفاع القلم عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق.
الثالث: ما عن الشيخ (ره) والعلامة من انهما إستدلا عليه بما روي من ان أم سلمة سألته عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال: إذا رأت ذلك فلتغتسل ولكنه مبني على إستفادة الفورية المقتضية لثبوت التكليف المشروع بالبلوغ وإلا فسببية الإحتلام للغسل بناءاً على حصوله من الصغيرة لا ينافي عدم البلوغ حال وجود السبب كما في المحدث بالحدث الإصغر والأمر سهل بعد قطعية الحكم ونظير ذلك التمسك بالعمومات الدالة على وجوب الغسل بالإحتلام.
الرابع: أطلاق قوله (ع): (لا يتم بعد الإحتلام).
الخامس: قوله تعالى: [وابْتَلُوا الْيَتَامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ] فإن اليتامى يشمل الذكور والأناث. وقد يناقش في الإستدلال بعموم قوله تعالى: [ابتلوا اليتامى] بأنه ليس في محله لان واحد اليتامى يمكن ان يكون هو اليتيم ويمكن ان يكون هو اليتيمة ومعلوم ان العرب يفرقون في واحدة بين المذكر والمؤنث قال ابن الأثير في النهاية: وقد
يتم الصبي بالكسر يتيم والأنثى يتيمة وجمعهما أيتام ويتامى وقد يجمع اليتيم على يتامى كأسير وأسارى وإذا بلغنا زال عنهما أسم اليتيم حقيقة وقد يطلق عليهما مجازاً بعد البلوغ كما كانوا يسمون النبي (ص) وهو كبير يتيم أبي طالب لأنه رباه بعد موت أبيه ومنه الحديث (تستامر اليتيمة في نفسها فان سكتت فهو أذنها) أراد باليتيمة البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتيم فدعيت به وهي بالغة مجازاً- انتهى.
وحيث عرفت الفرق في الواحد نقول ان اليتامى ان كان جمع اليتيم فلا دلالة في الآية على المطلوب وان كان جمعاً لليتيم واليتيمة فيلزم ان يكون جمعاً للكلمتين المذكر والمؤنث على سبيل تغليب المذكر على المؤنث فيدور الأمر بين ان يكون المراد به الذكور فحسب ان يكون المراد به الذكور والإناث جميعاً تغليباً ولا ريب ان أصل الحقيقة يقضي بالأول إذ قد وقع التنصيص في علم البيان ان جميع فنون التغليب من باب المجاز وحينئذ يُسقط الإستدلال بالآية المذكورة على المطلوب من حصول بلوغ الأناث بالإحتلام.
السادس: قوله تعالى: [يا أَيّها الَّذِينَ آمَنُوا ليَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالّذِينَ لَم يَبْلُغُوا الْحُلُمْ مِنْكُمْ ثلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلوةِ الفَجْر وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلوةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ طَوّافُونَ
عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضِ كَذلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمْ الآياتَ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ وإذا بَلَغَ اْلأطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ] فقد قيل فيه ان المراد انه تعالى أمر المؤمنين بان يأمروا مماليكهم وأطفالهم المميزين بين العورة وغيرها بان يستأذنوا في دخولهم عليهم ثلاث مرات كل منها في وقت أحدها قبل صلوة الفجر، والوجه في ذلك حينئذ كون ذلك الوقت وقت القيام من المضجع وتبديل لبس الليل بلبس النهار وهو مظنة إنكشاف العورة، والثانية حين ينزعون ثيابهم من الظهيرة وهي شدة الحر نصف النهار ولا يقال في الشتاء ظهيرة كما صرح به في النهاية ويناسب حينئذ كون من للتعليل أي من جهة شدة الحر والوجه في ذلك كون هذا الوقت وقت القيلولة ومظنة ظهور العورة، الثالثة وقت العشاء والوجه في ذلك كونه وقت تبديل لبس النهار بلبس الليل. وقيل في الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة وجه آخر وهو ما في المجمع عن السدي انه كان أناس من الصحابة يعجبهم ان يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلوة فأمر الله تعالى ان يأمروا المملوكين والغلمان بان يستأذنوا في هذه الساعات، قال في كنز العرفان: وكان أمرهم بالنسبة إلى المملوكين تكليفاً وبالنسبة إلى الأطفال تمريناً ثم انه سبحانه أجمل الثلاثة التي فصلها فقال: [ثلاث
عورات لكم] والعورة كما في النهاية كل خلل في شيء والمراد هنا هو الخلل في الستر أي هذه الأوقات ثلاث أوقات خلل في ستركم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب والجمع هذا على قراءه ثلاث بالرفع وربما قرئت بالنصب فيكون بدلًا عن ثلاث مرات. ثم انه سبحانه تفضل ببيان انه لا جناح في الدخول من دون استئذان بعدهن أي لا إثم بعد الأوقات الثلاثة ويدل على رجوع الضمير إلى الأوقات الثلاثة ما عن الكافي عن الصادق (ع): (ويدخل مملوككم وغلمانكم من بعد هذه الثلاث عورات بغير إذن ان شاءوا). ثم انه سبحانه ذكر ما هو في موضع التعليل لجواز الدخول بغير إستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة وهو قوله تعالى: [طَوّافُونَ عَلَيْكُم] يعني ان المماليك والغلمان يطوفون عليكم الأولون للخدمة والآخرون للألفة فلابد من المخاطبة فيلزم من الإستئذان الحرج حينئذ فهو خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون ولم يكتفِ سبحانه بهذا بل قال: [بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض] أي بعض الفرق الثلاثة طوافون على بعض بمعنى ان المماليك طوافون على مواليهم والأطفال على أكابرهم والأكابر طوافون على الفريقين فيطوفون على المماليك للإستخدام وتفقد أحوالهم إذا غابوا ويطوفون على الأطفال للتلطف والرأفة والتربية فقوله على بعض متعلق بطائف محذوف خبراً عن بعضكم وهذه الجملة اما بدل عن
جملة هم طوافون أو معطوفة عليها بإسقاط العاطف للإستغناء عنه بظهوره ثم انه سبحانه قال: [وإذا بَلَغَ اْلأطْفالُ مِنْكُم] والخطاب للأحرار لان بلوغ الأحرار يوجب رفع الحكم المذكور من تخصيص الإستئذان بالأوقات الثلاثة وأما بلوغ الأرقاء فالحكم معه باق كما ان من جهة بقاء السبب الذي هو المملوكية وقوله (منكم) قيل في موضع نصب على الحالية أي كائنين منكم ويصح جعله صفة بإعتبار كون اللام في الأطفال للجنس غير المعين في ضمن فرد أو صنف مخصص وقوله تعالى: [كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] معناه كما أستأذن الأحرار الذين بلغوا من قبلهم. بقي هنا أمران:
(أحدهما): ان المفسرين اختلفوا في ان المراد بالذين ملكت أيمانكم في صدر الكلام هم العبيد خاصةً أو العبيد والإماء جميعاً وكذا وقع الإختلاف في الأخبار فعن الكافي عن الصادق (ع) هي خاصةً في الرجال دون النساء، قيل فالنساء يستأذنون في هذه الثلاث ساعات قال لا ولكن يدخلن ويخرجن. وفي رواية أخرى هم المملوكون من الرجال والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا. والأول أنسب بلفظ الذين من حيث كونه لجمع المذكر والثاني أنسب بحسب الغرض المسوق له الكلام.
(ثانيهما): انه حكي عن بعض العامة ان الآية منسوخة، وعن بعضهم إنكار ذلك وأصالة عدم النسخ تقتضي الثاني. وإذا عرفت
ذلك كله فاعلم ان الاستدلال بالآية على ما نحن بصدده من كون بلوغ الأنثى يحصل بالإحتلام موقوف على ان المراد بالأطفال هم الذكور والإناث جميعاً دون الذكور خاصةً وقد صرح ابن الأثير بالتعميم في النهاية فقال الطفل الصبي ويقع على الذكر والأنثى والجماعة ويقال طفلة وأطفال- انتهى. ومقتضى إستعمال الجمع المعرف باللام في العموم هو شموله لكل ما يصلح له مفرده فيكون الأطفال شاملًا للذكور والأناث جميعاً وحينئذ يتم المطلوب وهو ان خروج المني من الإناث مما يحصل به بلوغها.
تاسعها: ان خروج المني دليل على تحقق البلوغ لا على سبق البلوغ لإحتمال مقارنة خروجه لحدوث البلوغ وهو الظاهر من الأصحاب. لكنه لا يخفى عليك أنك قد عرفت ان علامة البلوغ هو الإستعداد لخروج المني والإحساس بالشهوة والقدرة على الإنزال بالوطىء وهو لا أشكال في سبقه على خروج المني فيكون خروج المني علامة على سبق البلوغ إلا انه لما كانت أصالة عدم تحقق البلوغ أو أصالة تأخر الحادث إنما تقتضي سبقه آنياً وبزمن مقدار حدوثه لم يكن لسبقه أثر ولذا حكم الأصحاب بعدم الدلالة على سبقه فكأنهم مرادهم عدم سبقه الذي له أثر من قضاء التكليف ونحوه.
عاشرها: خروج المني من الموضع المعتاد فلو خرج من غيره لم يعتبر كما يظهر من المحكي عن جامع المقاصد والشرائع والقواعد
والمسالك، واحتج على ذلك بوجوب حمل كلام الشارع على ما هو المتعارف المعهود. وفيه ان البلوغ كما عرفت انه عبارة عن الاستعداد لخروج المني والإحساس بالشهوة والقدرة على الإنزال وعليه فخروج المني ان دل على ذلك فهو علامة البلوغ سواء خرج من المعتاد أم لا وان لم يدل على ذلك فهو ليس بعلامة وان خرج من المعتاد كما لو خرج من صغير السن.
الحادي عشر: انه قال في التذكرة: الخنثى المشكل إذا خرج المني من أحد فرجيه لم يحكم ببلوغه لجواز ان يكون الذي خرج منه المني خلفة زائدة، وان خرج المني من الفرجين جميعاً حكم ببلوغه وان خرج الدم من فرج النساء والمني من الذكر حكم ببلوغه لأنه ان كان رجلًا فخروج الماء بلوغه وان كان أنثى فخروج دم الحيض بلوغها هذا هو المشهور عند علمائنا- انتهى. وفي محكي جامع المقاصد والمسالك بان الخنثى لو أمنى من فرج الذكر بعد التسع حيث يكون إحتلام الذكر ممكناً وجب الحكم ببلوغه لأنه ان كان امرأة فقد استكمل التسع وان كان رجلًا فقد أمنى والى ذلك ذهب أيضاً المقدس الأردبيلي، وحكي عن مفتاح الكرامة بأنه لو صار ذلك معتاداً قويت الدلالة جداً ثم قال وللجويني قول نفي عنه البأس في التذكرة وكذا المسالك وكأنه مال إليه في التحرير وهو ان ذلك كافٍ في البلوغ لان خروج المني من فرج الذكر يحكم بكونه ذكراً كما يحكم به لو خرج منه البول خاصةً. وكذا القول في الحيض والمني من فرج
الأنثى قال: وكيف ينتظم منا ان نقول انه ذكر أمنى ولا نحكم بأنه قد بلغ؟ ولأن خروج مني الرجل من المرأة والحيض من الرجل مستحيل فكان ذلك دليلًا على التعيين، ومتى ثبت التعيين كان دليلًا على البلوغ ولان خروجهما معاً دليل على البلوغ فخروج أحدهما أولى لان خروجهما يقضي إلى تعارضهما وإسقاط دلالتهما إذ لا يتصور ان يجتمع حيض ومني رجل. وقد يقال لا يبعد خروج الحيض من الفرج لو كان عند الرجل ولا خروج المني من الذكر لو كان عند المرأة وللبول دليل خاص من نص وإجماع. وقد ناقش عمنا الأعلى صاحب أنوار الفقاهه بان دلالة المني أو الحيض على البلوغ لو كان خروجهما من الموضع المعتاد وهو لم تحقق انتهى. ولكن يمكن ان يقال ان خروج المني من أي منهما دليل على البلوغ لان خروجه دليل على كمال الشهوة وبلوغ النكاح فقد تحصل ان الخنثى المشكل لو كان منحصراً في الذكورة والأنوثة وإنما يشتبه حكمه في الإلحاق بأحدهما فمتى حصل له علامة من علامات البلوغ تتحقق فيهما اما لاشتراكها بينهما كالإنبات أو الإلحاق الآخر بطريق أولى كبلوغ خمسة عشرة أو لكونه جامعاً لعلامتين على التقديرين كما لو أمنى من الفرجين أو حاض من فرج الإناث وأمنى من فرج الذكور حكم عليه بالبلوغ.
الثاني عشر: ان الإحتلام من الموضوعات الخارجية فهو يثبت بالطرق التي تثبت بها الموضوعات الخارجية كابينة ولا يثبت بمجرد