الخامس: علم الحاكم بعدم انتفاء شرط الحكم وتنقيح ذلك وتوضيحه بتنقيح مبحث جواز أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط فنقول لاريب في جواز الأمر بالفعل المشروط إذا كان الآمر والمأمور جاهلين كما انه لا خلاف في عدم الجواز إذا كانا عالمين إلا ما نقل عن بعض العامة فإنهم جوزوا ذلك ولا عبرة بهم وإنما النزاع إذا كان الآمر عالماً بإنتفاء الشرط والمأمورجاهلًا به فهل يجوز ان يأمر أم لا؟ ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى العدم والأشاعرة إلى الجواز وتنقيح المطلب يتوقف على رسم مقدمتين:
أحدهما:انه لا إشكال في ان هذه المسألة عقلية لا ربط لها بالألفاظ ولكن هل هي من مباديء الأصول أو من مسائلة؟ وجهان يحتمل كونها من المبادىء بإعتبار ان البحث فيها عن أحوال المكلف فيكون من المسائل الكلامية لان علم الكلام يبحث فيه عن أحوال المكلف وما يصح منه وما يمتنع عليه لأنه يبحث فيه عن أحوال المبدء والمعاد وهذه المسألة قد اشتملت على البحث عما يصح للمكلف فعله فيكون البحث فيها عن أحوال المبدء وعليه فتكون من المباديء التصديقية لعلم الأصول لا من الأصول الموضوعية له حيث انها لم تكن مبينة في علم الكلام ولا بينة بنفسها وكل ما كان كذلك لابد من بيانه إذا كان مقدمة في ذلك العلم لمسائله والحاصل انها على هذا تكون مسألة كلامية للبحث فيها عن أحوال المبدأ ومقدمة تصديقية للمسائل الأصولية لتوقف الإستنباط عليها لان البحث فيها عن
الجواز وعدمه يترتب عليه الحكم الشرعي في بعض المسائل وجوداً وعدماً فإنا ان قلنا بالجواز فالمسافر لو أفطر قبل علمه بالسفر يلزمه الكفارة ويترتب عليه العقاب حقيقة وان قلنا بالعدم فلاشيء عليه سوى التجري والبحث فيه موكول إلى محله. ويحتمل ان تكون مسألة أصولية بوجهين:
الأول: ان البحث فيها عن أحوال العقل والعقل من جملة موضوع علم الأصول لان البحث في انه هل يجوز العقل ان يأمر الآمر به أم لا.
الثاني: انه يبحث فيها عن أحوال الكتاب والسنة بمعنى ان فيها عمومات واطلاقات هل تقيد بغير صورة إنتفاء الشرط فمثل قوله تعالى: [فمنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيصُمْه] هل يقيد بغير المسافر والحائض وغير ذلك من شروط الصوم أم لا؟ وربما يقال ان الأشاعرة لايقولون بالحسن والقبح العقليين فكيف يصح القول منهم بعدم القبح وكيف يتصور النزاع بينهم. قلنا حكمهم بعدم القبح لا من جهة عدم حكم العقل بالقبح لامن جهة حكمه بعدم القبح، وما الاعتذار بأن الاشاعرة لايقولون بعدم حكم العقل بالقبح مطلقاً بل في الاحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب وهذه المسألة ليست منها ففساده واضح لشمول كلامهم لمثل هذه المسألة كما ان الفرق بين هذه المسألة و مسألة التكليف بالمحال ان النزاع في مثل هذه المسألة صغروي وفي مسألة التكليف بالمحال كبروي كأن يقال هذا محال وكل
محال يجوز التكليف به أم لا والنزاع في هذه المسألة في الصغرى بان هذا محال أم ليس بمحال المقدمة.
الثانية: في بيان المراد من الألفاظ التي في محل النزاع وهي لفظ الجواز والأمر والشرط. اما الجواز فله معانِ خمسة:
أحدها: الجواز في مقابل الحرمة فيقال يجوز هذا الشيء يعني لا يحرم.
الثاني: الجواز بمعنى الإمضاء كقولهم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز أي ماضٍ.
الثالث: الجواز بمعنى الصحة مقابل الغلط وذلك كقولهم يجوز إستعمال المشترك في أكثر من معنى بمعنى انه يصح إستعماله في ذلك وليس بغلط.
الرابع: الجواز بمعنى الحسن وهو ما قابل القبح فيقال يجوز هذا العمل يعني انه يحسن فعله ولا يقبح.
الخامس: الجواز بمعنى الإمكان فيقال ان هذا الأمر جائز بمعنى انه ممكن غير ممتنع، والمعاني الثلاثة الأول ليست بصالحة في المقام لأنه لا ملازمة بين الغلطية والتكليف بالمحال لأنه قد يكلف ولا يقال له انه غلط بل يقال انه كلف بما لا يطاق وهكذا الجواز المقابل للحرمة تخص المأمور لا الآمر وهكذا الجواز بمعنى الإمضاء لان محل
الكلام ليس في الإمضاء وإنما هو في أصل الصدور وكيف كان فالمتبع هو الظاهر والظاهر من كلماتهم في هذا المقام إرادة الجواز بغير هذه المعاني الثلاثة وإنما الصالح له هو المعنيان الأخيران لان قولهم: (الأمر بالفعل المشروط جائز مع العلم بإنتفاء الشرط) يصلح ان يريدوا منه انه يحسن من الشارع ولا يقبح منه ويصلح ان يريدوا منه انه ممكن ذلك من الشارع ولكن يمكن في المقام ان نرجع المعنى الخامس إلى الرابع لان معنى كونه ممكن انه غير قبيح منه (تعالى).
وأما الأمر فينقسم إلى أقسام مختلفة بإعتبارات متعددة: نفسي وغيري تبعي وأصلي وغير ذلك ولكن الذي يتعلق بالمقام قسمان:
أحدهما: ما كانت المصلحة في الفعل المأمور به نفسه بأن يكون الداعي إلى الفعل المأمور به هو حسن الفعل ومحبوبيته عند الآمر.
ثانيهما: ما كانت المصلحة في الطلب فقط والفعل لا مصلحة فيه وهذا القسم ينقسم لأقسام ثلاثة لان المصلحة الداعية إلى الطلب قد تكون توطين المكلف على الفعل من أجل الثواب وقد تكون الاختبار لالقاء الحجة عليه أو لعلمية حالة وقد تكون هي الخوف وهو الأمر الذي يصدر من الإمام (ع) للتقية، فان قيل ان أمر التقية ظاهرة الكذب فلا يناسب صدوره من الإمام (ع) قلت الكذب إذا كان لمصلحة وهي خوف الضرر جائز بالأدلة الأربع أو
نقول انه ليس بكذب حقيقة لأنه (ع) يتكلم على سبيل التورية فيكون الأمر في كلامه على حقيقته وذلك كأمره بالوضوء عند خروج المذي فيقول للسائل توضأ بمعنى انه يستحب الوضوء لا واجب وان كان ظاهرة الوجوب ولكن أراد خلاف الظاهر للتقية من الحاضرين والفرق ما بين هذا وما قبله ان ما قبله الطلب مراد واقعاً في نفسه ومحبوب كذلك بخلاف هذا فإنه غير محبوب واقعاً وقد حكي عن شريف العلماء انه قسم الأمر إلى أقسام أربعة:
أحدها: ان يأمر المولى عبده ويريد الفعل حقيقة منه ويعلم انه مطيع وذلك نظير أوامره إلى سائر المطيعين.
ثانيهما: ان يأمره ويريد الفعل حقيقة ولكنه يعلم انه لا يفعل.
ثالثها: ان يأمر ولايريد الفعل وإنما يأمر للتوطين ويعلم انه يوطن نفسه على الفعل.
رابعها: ان يأمر للتوطين ويعلم انه لا يوطن نفسه. ويسمى الأول بالأمر الحقيقي اللبي اما انه حقيقي فظاهر وأما انه لبي فلأن المتكفل بذلك هو العقل ولا مدخل للفظ لان الطاعة موقوفة على العلم بإرادة المولى من أي طريق كان من دون مدخلية للفظ حتى لو استفدنا ذلك من اللفظ لا يكون له مدخلية إلا ان الحاكم في ذلك هو العقل، والثاني يسمى بالإبتلائي الساذج والثالث يسمى بالتوطيني
المشوب، اما كونه مشوباً فلأنه ناظر إلى الواقع من جهة إرادة المولى توطين عبده على الفعل والرابع يسمى بالتوطين الساذج ويرد عليه:
أولًا: انه لا فائدة في تكثير الأقسام لان المسألة انه هل يجوز الأمر بالفعل المشروط مع إنتفاء الشرط أم لا فلا فرق (حينئذ) سواء كانت الأقسام أربعة أم أثنين.
ثانياً: انه ليس يجامع لجميع أقسام الأمر المتصورة في المقام لخروج ما كانت المصلحة فيه الأختبار والخوف كالأمر للتقية فتقسيم الأمر إلى القسمين أولى كما فعلناه والله العالم.
إذا عرفت ذلك فأعلم ان القسم الأول من القسمين وهو ما كانت المصلحة في المأمور به في المحبوبية والحسن عند الآمر واقع في العرف والشرع اما في العرف فظاهر كأوامر الموالي بالنسبة إلى عبيدهم والسلاطين إلى رعيتهم وأما في الشرع فكذلك ضرورة ان الأوامر والنواهي تابعة للمصالح والمفاسد الكائنة في ذوات الأشياء في نفس الأمر والواقع كما هو مذهب العدلية وتلك المصالح والمفاسد قد يكون العقل هو الحاكم بها كما إذا كانت تلك الأشياء من المستقلات العقلية كحسن الإحسان وقبح الظلم والعدوان وقد يكون من غير المستقلات العقلية (وحينئذ) فالأوامر والنواهي تكون كاشفة عن المصالح والمفاسد ولامدخل للعقل فيها وإنما يحكم بحسنها
وقبحها من جهة أمر الشارع للعلم بأنه لا يأمر إلا بالحسن ولا ينهي إلا عن القبيح وأما القسم الثاني أعني ما كانت المصلحة في الطلب نفسه فقد ذكرنا انه أقسام ثلاثة لان الداعي قد يكون لذلك الطلب التوطين نفسه وقد يكون الاختبار وقد يكون التقية ولا يخفى عليك ان الأول من الأقسام الثلاثة وهو التوطين قد وقع فيه الكلام من القوم في جهات ثلاثة:
الأولى: هل إستعمال الأمر في مقام التوطين حقيقة أو مجاز؟ الظاهر انه حقيقة لان حقيقة الأمر هي الطلب البسيط وبعبارة أخرى هو طلب الفعل مع المنع من الترك وهو مستعمل في معناه الحقيقي أعني الطلب مع المنع من الترك فان المتبادر منه هو طلب الفعل مع المنع من الترك فان قيل انه لا يريد الفعل وإلا لكان من القسم الأول قلنا بل يريد الفعل حقيقة وان كان الداعي إليه هو التوطين نفسه يعني لا يريد الفعل من جهة ان المصلحة فيه بل يريده من أجل شيء آخر وهو توطين المكلف على الفعل فإن إختلاف الداعي إلى طلب الفعل لا يوجب المجازية ويظهر من صاحب المعالم (ره) والفاضل القمي (ره) ان في الأمر التوطيني تجوٌز وأنه من باب المجاز لا الحقيقة وان كان مسلكها في ذلك مختلف فالفاضل المتقدم جعل التجوز في الأمر المذكور بإعتبار التجوز في مادته والفاضل الثاني جعل التجوز فيه بإعتبار التجوز في هيئتة ولابد من نقل كلاميهما حتى يظهر الحال وينكشف المراد فنقول: قال الفاضل المتقدم في رد
الدليل الثالث والرابع اللذين قد استدل بهما المستدل على جواز الأمر مع العلم بإنتفاء الشرط فقال في رد الدليل الثالث بالمنع من تكليف إبراهيم (ع) بالذبح الذي هو فري الأوداج بل بمقدماته كالأضطجاع وتناول المدية وما يجري مجرى ذلك إلى آخر ما ذكره في رد هذا الدليل وكذا قال في رد الدليل الرابع انه لو سلم لم يكن الطلب هناك للفعل لما قد علم من إمتناعه بل للعزم على الفعل والإنقياد إليه أو الأمتثال وليس النزاع فيه بل النزاع في الفعل نفسه وأما ما ذكره من المثال فإنما يحسن لمكان التوصيل إلى تحصيل العلم مجال العبد والوكيل وذلك ممتنع في حقه تعالى- انتهى كلامه رفع مقامه. وهو ظاهر في ان التجوز في خصوص المادة وان الذبح أستعمل في مقدماته في قصة إبراهيم (ع) وأما ما ذكره الفاضل الثاني (ره) فهو ان الحاصل ان الأمر حقيقة في طلب الفعل نفسه ومجاز في طلب العزم عليه والتوطين عليه لقصد الإمتحان وغيره وانكشاف عدم الشرط قرينه على ذلك متأخرة عن الخطاب- إنتهى. فإنه قد يفهم من كلامه هذا ان التجوز في الهيئة لأنها موضوعة لطلب الفعل بقصد مطلوبيته وقد استعملت هنا لطلب العزم عليه بقصد الإمتحان.
وكيف كان فلا يخفى ما في كلام الأول منهما فان الوجدان السليم يشهد بان المادة مستعملة في معناها لا في مقدماتها فإنا لو رجعنا لأنفسنا لوجدنا في مقام الأمر التوطين إنا لا نريد من المادة إلا