ثانيها:السيرة المستمرة على ترتيب آثار الكفر عليهم من معاملتهم معاملة آبائهم في الأسر والتملك لهم. وقد ناقش بعضهم في ذلك بان السيرة إنما جرت على تملكهم وأسرهم ولا نسلم بثبوتها في نجاستهم وطهارتهم بحيث ان من بني على نجاسة الكفار وعلى خصوص المشركين منهم يعاملون أبنائهم معاملتهم في التنجيس منهم.
ثالثها:بأنه حيوان متولد عن حيوانين فيثبت له حكمها شان المتولد من حيوانين نجسين كالكلب والخنزير فان المرتكز عند أهل الشرع هو إلحاق المتولد من أبوين بهما في أحكامه وفيه ان المقتضي لثبوت الحكم في المتولد من النجسين هو صدق أسم الحيوان النجس عليه لا لمجرد التولد بحيث لو لم يصدق عليه ذلك لم يحكم بنجاسته.
رابعها: الصحيح الذي رواه الصدوق في الفقيه عن علي بن جعفر بن بشير: (وطريقه إليه في المشيخة صحيح) عن عبد الله بن سنان قال: سئلت الصادق (ع) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث[1]قال: كفار والله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. ولاريب انه لا يراد بكونهم كفاراً إلا تبعيتهم لآبائهم وهو المراد من دخولهم مداخل آبائهم وإلا فالحكم بكونهم كفاراً حقيقة وبدخولهم مداخل آبائهم في النار يخالف مذهب العدلية
[1]() الذنب والأثم.
لقبح تعذيب الإنسان قبل وضع التكليف عليه. وما رواه الصدوق أيضاً عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: أولاد المشركين مع آبائهم في النار وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة. وفيه ان هذا مخالف لقواعد العدلية لقبح تعذيب الطفل خصوصاً غير المميز مع عدم صدور المعصية منه وقبل ثبوت الحجة عليه. ودعوى علم الله تعالى بأنه لو بلغ يعصي لا تصحح عقابه فإنه من قبيل القصاص قبل الجناية، وللزم ان يخلد بالنار من المسلمين من كان لو بقي لعصى الله تعالى عصياناً يوجب ذلك ولو كان هذا يصحح العقاب لكان أولاد المسلمين من يعلم الله انه يعصيه يدخله النار ولايختص بأولاد الكفار فلابد من تأويلها ولو كانت صحيحة. والأخبار الدالة على ان أولاد الكفار يؤجج لهم النار فيؤمرون بدخولها فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً وكان من أهل الجنة ومن إمتنع كان في النار فان تأجيج النار لهم يدل على انهم مستحقون للعذاب كآبائهم فهم تابعون لهم. وأجيب عنها انها لبيان حالهم في الآخرة لا لبيان أحكامهم في الدنيا وأنهم يدخلون النار. مع انها مخالفة لقواعد العدل إذ لا وجه لإدخالهم النار مع عدم تكليفهم بشيء والله عدل حكيم لا يفعل بعباده إلا ما يقتضيه عدله وحكمته.
خامسها:الإستصحاب حال كونهم أجنة في بطون إمهاتهم قبل ولوج الروح فيهم فإنهم كانوا تابعين لأمهاتهم لأنهم في تلك الحال أجزاء من أمهاتهم ويتبعونها في السبي والتملك. وجوابه عدم
بقاء الموضوع بعد الولادة وعدم تسليم كونهم أجزاء من أمهاتهم فلا نسلم ثبوت أحكام أمهاتهم لهم في تلك الحالة حتى تستصحب.
سادسها:قوله تعالى: [ولا يَلِدُوا إّلا فاجِراً كَفّاراً]. ولا يخفى عليك ما فيه فان المراد به هو انهم لا يلدوا إلا من هو يكفر ويفجر عند بلوغه لان المراد بالكفار من يرتكب الكفر والمراد بالفاجر من يرتكب الفجور ولا ريب ان إرتكاب ذلك إنما يكون بعد البلوغ ويرشد إلى إرادة هذا المعنى قوله (ص): (كل مولود يولد على الفطرة حتى يهودانه أبواه أو ينصرانه) فإنه يدل على ان المولود لا يكون فاجراً ولا كافراً بل يدل على عدم التبعية لجعله (ع) اليهودية والنصرانية عارضة عليه بفعل أبواه ودعوتهم لإعتناق ذلك.
سابعها:المرسل المروي في الكافي (فأما أطفال المؤمنين فإنهم يلحقون بآبائهم وأولاد المشركين يلحقون بآبائهم وهو قوله تعالى: [بِايمانِ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ]) وهو ضعيف لإرساله لكن قد يقال يجبر ضعفه بفتوى المشهور على طبقه. ونظيره ما عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله في قوله تعالى: [والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بأيمان ألحقنا بهم ذريتهم] قال (ع): قصرت الأبناء عن عمل الآباء فألحق الله تعالى الأبناء بالآباء لتقر بذلك أعينهم. وهو ان قيل عنه بأنه مجهول بالحضرمي إلا انه ربما يجبر ضعفه بفتوى المشهور على طبقه.
ثامنها:خبر حفص بن غياث سألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك فقال (ع): إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار وولده ومتاعه ورفيقه له فأما الولد الكبار منهم فيء للمسلمين إلا ان يكونوا أسلموا قبل ذلك. ونوقش خبر حفص بأنه مختص بالإسلام ولعل ذلك من جهة شرف الإسلام فلا يتعدى منه للكفر.
تاسعها:ان الكفر هو عدم الإسلام في محل قابل له وأولاد الكفار فيهم القابلية للإسلام مع عدم صدور الإسلام منهم. وفيه ان هذا لا يتم إلا في أولادهم المميزين دون غيرهم كالرضع لأنهم ليس فيهم القابلية مضافاً إلى ما تقدم منا من ان الكفر ليس عدم الإسلام بل هو الجحود والإنكار للشهادتين فإذا لم يظهر من أولادهم ذلك لم يحكم بكفرهم ولا بإسلامهم. هذا ولكن الإنصاف ان الصحيحة المتقدمة في الدليل الرابع وما ذكر من الخبرين في الدليل السابع مع تأييد الإجماع والسيرة يحصل الوثوق بصدور الحكم بالتبعية من الشارع فتقوى دلالة الصحيحة ويوثق بصدور الخبرين.
ينبغي التنبيه في هذا المطلب على أمور:
التنبيه الأول:
انه لا فرق في التبعية بين ولد الحلال وولد الزنا وفاقاً لما هو المحكي عن جدنا كاشف الغطاء (قدس سره) وذلك لان الأدلة المتقدمة للتبعية قد أخذ في موضوعها الولد والطفل وهو كما يصدق حقيقة على الولد من الحلال كذلك يصدق على الولد من الزنا حقيقة وعرفاً لأنه من منيه. ان قلت انه وإن كان كذلك لكنه قد نفاه في الشرع عن الزاني ونفيه شرعاً يقتضي نفي الآثار الشرعية المرتبة على الولد والتبعية من الآثار الشرعية فيقتضي نفيها عنه؟ قلنا ان الأبوة والبنوة والولدية والوالدية من الموضوعات العرفية وليس للشارع إصطلاح فيها فكل حكم ثبت للولد والوالد يشمل ولد الزنا والأب من الزنا، نعم إنما ثبت شرعاً نفي التوارث بينهما وهو لا يقتضي نفي الولديه عنه فإنه لا ملازمة بين نفي التوارث وبين نفي الولديه كما في صورة الإرتداد وصورة قتل الولد والده أو كون الولد كافراً والأب مسلماً، وأما ما روي عنه (ص) من: (ان الولد للفراش وللعاهر الحجر) فهو لبيان أمارية الفراش. على ان الولد المولود يكون ولداً لصاحب الفراش عند الشك في كونه ولداً للزاني أو لصاحب الفراش ولو سلمنا عموم أدلة نفي ولدية ابن الزنا للزاني ولكن
لانسلم شمولها لولد الزنى من الكافر لوجود القرينة العقلية على ذلك لأنه لو كان ولد الزنا من الكافر لإتبع أبويه في أحكام الكفر لكان أشرف من ولد الكافر من الحلال وهذا لا يقبله العقل وأما ولد الزنا من المسلم فعلى تقدير عموم أدلة نفي الولدية له عن المسلم فنلتزم بعمومها ومقتضى ذلك إرتفاع التبعية للمسلمين ان قلت بعض الأخبار تدل على نجاسته مطلقاً حتى أطفال الزنا من المسلمين والكافرين بل عن السيد والصدوق الفتوى بذلك بل عن الحلي نفي الخلاف عن ذلك وذلك يقتضي عدم التبعية؟ قلنا إعراض نوع الأصحاب عنها مما يوجب وهنها وعدم حجيتها وقد حققنا ذلك وأثبته القوم (رحمهم الله) في كتاب الطهارة. ان قلت ان الكفر عدم الإسلام فيكون الأصل هو الكفر ولا يحكم عليهم بالتبعية؟ قلنا الكفر أمر وجودي وتقابله مع الإسلام تقابل التضاد ولو سلمنا انه عدمي فهو عدم الإسلام عما من شأنه ان يكون مسلماً فيكون تقابله تقابل العدم والملكة، وغير المميز ليس من شأنه ان يكون مسلماً والمميز قد ذكرنا ان الملتفت منه لحكم العقل بوجوب الإسلام عليه فمع إظهاره الجحود يحكم بكفره. ان قلت قد ورد ما يدل على ان ديته دية اليهود ثمانمائة درهم وأنه رجس ولا يدخل الجنة وأنه لا خير فيه وهو يقتضي عدم التبعية لأبويه المسلمين؟ قلنا عدم دخول الجنة خلاف ما
يقتضيه العدل الإلهي واللطف الرباني فلابد من تأويل تلك الأخبار والذي يقدح في بالي انها يمكن حملها على أحد أمرين:
الأول:ان هذه الأخبار تكون أشارة إلى أولاد الزنا في ذلك الوقت والعصر ممن بلغوا سن التكليف وولغوا بدماء المسلمين كما يتعارف عندنا اليوم بالحكم على بعض الأصناف بإعتبار ان أكثر الموجود منهم فعلًا يعمل هذا العمل فتكون الأخبار المذكورة من قبيل القضايا الخارجية الوقتية.
الثاني:ان المراد ان طبيعتهم تقتضي ذلك لو بلغوا سن التكليف نظير أخبار الشقاوة والسعادة وعدم نجابة ولد الحائك فلا ينافي ذلك لو وجد ولد الزنا وقد أطاع الرحمن ودخل الجنان، ويدل على ذلك ما في الكافي عن الصادق (ع): (ولد الزنا يستعمل ان عمل خيراً جزي به وان عمل شراً جزي به).
وللمجلسي (ره) وجه ثالث فقد حكي عنه انه قال: يمكن الجمع بين الأخبار على وجه يوافق قانون العدل بان يقال ان ولد الزنا لا يدخل الجنة وان كان لايعاقب بالنار أيضاً ما لم يظهر منه ما يستحقه ويثاب على الطاعة بغير الجنة ولا يلزم على الله تعالى ان يثيب الخلق في الجنة. ويدل عليه خبر المحاسن من ان ولد الزنا يدخل النار ويؤتى برزقه فيها، ولا ينافيه المروي في الكافي من انه يستعمل فيجزي بالخير ان عمل به، إذ ليس فيه تصريح بكون جزائه الجنة فلم
يبق إلا العمومات الدالة على ان الله تعالى يثيب المؤمن بالجنة فيقال بتخصيصها بتلك الأخبار- إنتهى. وأما ما ورد في دية ولد الزنا من انها كدية اليهودي ثمانمائة درهم فالمعروف انه غير معمول به عند الأصحاب مع انه غير دال على عدم التبعية لإمكان ان يكون كالعبد المسلم في نقصان ديته عن دية المسلمين وأما ما ورد من نفي الخير عن ولد الزنا فلعله من جهة ما ذكرناه من خباثة طبعه.
التنبيه الثاني:
ان المعروف بين فقهائنا ان غير البالغين من أولاد الكفار إذا سبوهم المسلمين منفردين عن آبائهم وأمهاتهم تنقطع تبعيتهم لأبائهم في النجاسة والكفر ويتبعون للسابي المسلم في الطهارة والإسلام وإستدلوا على ذلك بقاعدة نفي الحرج وبالبنوي المعروف: (كل مولود يولد على الفطرة) والسيرة على طهارتهم بل معاملتهم معاملة الصبي المسلم وأقوى ما إستدل به على ذلك هو ان الموجب لنجاستهم ومعاملتهم معاملة الكفار هو تبعيتهم وهي قد زالت قطعاً فلا وجه لمعاملتهم معاملة الكفار ولا ترتيب آثار النجاسة عليهم بل هم فعلًا تبعاً للمسلمين فتكون التبعية ثابتة في حقهم بالنسبة للمسلمين لا الكفار وان شئت قلت ان التبعية أمر عرفي والعرف يرون انهم تبع للمسلمين لا الكافرين ولا يخفى ما فيه فان أدلة التبعية لم يؤخذ فيها عنوان التبعية وأدلتها لعلها ظاهرة في تبعية المذكورين