أمر بالشيء وفيه ما لا يخفى فإن ارتفاع الوجوب يوجب ارتفاع مطلق الطلب لأن الوجوب أمر بسيط لا أنه مركب من طلب ندبي وطلب إيجابي بل لايصح استعماله في ذلك وإلا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فلا بد في استفادة مشروعية العبادات الواجبة من الصبي كالصلاة والصوم من غير أدلتها الدالة على وجوبها كالروايات الدالة على أمر الصبيان بالصلاة والصوم.
حجة القول الخامس
احتج للقول الخامس أما على كون العبادات المندوبة شرعية فهو عمومات أدلتها للصبي، وأما على كون العبادات الواجبة تمرينية محضة فللأدلة الدالة على أمر الأولياء بتمرين أطفالهم عليها وقد عرفت ما في ذلك.
معاملات الصبي وتصرفاته
المطلب الثامن:قد عرفت مشروعية عبادات الصبي وإنها تقع منه على نحو الاستحباب. وأما تصرفاته ومعاملاته فقد اختلف فيها الأصحاب فذهب الأكثر إلى عدم صحتها مطلقا وإن البلوغ شرط فيها مطلقا سواء كان الصبي مميزا أم لا وسواء كانت في العقود أو الإيقاعات وسواء كانت في المعاملات لنفسه أو لغيره وسواء كانت في مقام الاختيار والامتحان له أم لا وسواء كان مأذونا من الولي في
تلك المعاملات أو التصرفات أم لا وسواء كان بالغا عشرا في الذكر أو غير بالغ على ما نراه من عدم كونه بلوغا وأما على القول بكون البلوغ هو العشر فيصير النزاع في الموضوع دون الحكم من حيث هو ولا تكون عندهم الإجازة للمعاملة من الولي أو من الصبي نفسه بعد بلوغه مؤثرة في الصحة. وينسب للشيخ (رضى الله عنهم) أنه تصح معاملة البالغ عشرا وينسب للمولى الأردبيلي (رضى الله عنهم) في فوائده القول بصحة جميع معاملات الصبي وتصرفاته إذا كان مميزا وينسب لصاحب الرياض بل لجملة من المتأخرين صحة معاملات الصبي وتصرفاته فيما كان فيه بمنزلة الآلة بالنحو المعتاد في هذا الزمان وفي الأشياء الحقيرة والمعلومة القيمة والمسعرة. وينبغي تحرير الكلام في مقامات ثلاثة:
الأول: في تصرفاته المستقلة من دون أذن وليه.
الثاني: في تصرفاته بأذن وليه أو بالوكالة.
الثالث: في مجرد عبادته وأنها تكون كعبادة الهازل والنائم والطائر بحيث يكون مسلوب العبارة فلا يصح عقده أو إيقاعه وإن لم يشتمل على تصرف في ماله كما إذا توكل عن غيره أو أذن له الولي في مجرد إجراء صيغة البيع أو الشراء أو النكاح أو الطلاق ونحو ذلك بعد أن كانت المعاملة بين البالغين.
والأولى جعل المقامات الثلاثة ترجع لمقامين الأول في تصرفاته وأفعاله والثاني في أقواله وأفعاله في ذلك كله.
والتحقيق أن يقال إن تصرفات الصبي وأفعاله استقالا من دون الوكالة عن غيره ومن دون أذن الولي أما فيما يعود لنفسه كأكله وشربه ولعبه فهي جائزة له ولاإلزام بها لا وجودا ولا عدما لسقوط التكليف بها عنه للأدلة المتقدمة الدالة على اعتبار البلوغ في التكاليف الشرعية الإلزامية، وأما تصرفاته المستقلة بالنسبة لترتيب الأثر من غيره عليها كبيعه وشرائه ونكاحه وطلاقه وهبته وأذنه في الدخول في الدار أو تقديمه الهدية مما كان منها من قبيل الأعمال التي لا تحتاج إلى أجراء عقد أو إيقاع وإنما هي تحتاج إلى أذن من بيده الأذن كدخول الدار أو تقديم القهوة والشاي للقادم والأكل والشرب للضيف فهي إنما يصح لغيره أن يرتب الأثر عليها إذا أتى بها الصبي فيدخل الدار أو يشرب القهوة والشاي أو غير ذلك إذا أحرز رضاء من بيده الأمر من المالك أو الولي لأن المعتبر في صحة الأخذ بذلك هو الرضا ممن بيده الأمر فإذا أحرزه بفعل الصبي صلح له أن يشرب القهوة ويدخل الدار ويشرب الماء لكونهما من أثار الرضا نفسه المستكشف بقول الصبي أو فعله، ولو قلنا بكفاية الظن بالرضاء في المقام فيترتب عليه أيضا آثار الرضا لو حصل الظن من قوله أو فعله وإلا فلا. وعلى هذا لو قلنا بكفاية مطلق المراضاة من المالكين في تحقيق المعاطاة أو قلنا بكفاية المراضاة في المعاطاة بشرط أن
يتعقبها التصرف في تحقيق النقل والانتقال من غير حاجة لإنشاء الملكية فيها في كل من المالكين للأخر فتصح جميع المعاطاة من الصبيان إذا دلت على رضاء المالك أو الولي فللصبي أن يأخذ من البقال بالمعاطاة ما شاء ويشرب في المقهى بالمعاطاة ويدخل الحمام بالمعاطاة فتحصل الملكية والإجارة بها من الصبي إذا حصل إحراز رضاء الطرف الأخر من فعل الصبي أو قوله.
اما تصرفات الصبي المستقلة الواقعة من دون التوكل عن غيره ومن دون أذن الولي التي تحتاج إلى إنشاء عقد أو إيقاع كبيعه وشرائه وعقده ونكاحه وهكذا تصرفاته المستقلة بأذن وليه أو بالتوكيل من غيره كأن وليه يأذن له بأن يتصرف في أمواله كيفما يشاء وأنى يريد من بيع وشراء ومصالحة ونحو ذلك، أو يوكله غيره على أن يتصرف في أمواله كيفما يشاء وأنى يريد ببيع أوشراء أو نحو ذلك. وهكذا أجراءه الصيغة وكالة عن غيره أو باذن وليه فإن جميع ذلك غير صحيح وليس بنافذ فهو مسلوب التصرف في المعاملات من عقد وإيجاب ومسلوب العبارة فيها أيضا والدليل على ذلك أمور:
أحدها: الآية الشريفة وهي قوله تعالى: [وابْتَلُوا الْيَتَامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ] بتقريب: إن الشارع قد منع من تصرفهم في أموالهم من حين ولادتهم إلى زمان البلوغ والرشد ولاريب أنه في حين الولادة ليس له شيء من
التصرفات في ماله لاباستقلال ولا بالتوكيل ولا بالأذن فيثبت هذا المنع للصبي إلى حين بلوغه رشده بحكم وحدة السنخ وهو المنقول عن المرحوم النائيني ولايخفى عليك ما فيه فإن الشارع إنما يصح منه أن يمنع من تصرفات الصبي في ماله في وقت قابليته للتصرف في المال وحين ولادته أو ما قاربها ليست له القابلية وعليه فللخصم أن يقول إن الآية إنما تدل على أن وقت قابليته للتصرف في المال لا يتصرف بالمال أما أنه لايجوز أن يوكله الولي على التصرف فيه بحيث يكون مسلوب العبارة فالآية لاتدل عليه. ولو سلمنا قابليته للتكليف بذلك من حين الولادة لكنه لايؤخذ بمدلول الآية إلا بمقداره في حين الولادة وهو خصوص التصرف وأما الزائد عليه من توكيل والأذن ونحو ذلك فهو أنما أستفيد من أدلة أخرى كالإجماع والضرورة أو حكم العقل ونحوها فتكون هي المتبعة في السعة والضيق لحال التمييز وعدمه لا الآية الشريفة، وقد عرفت أن مدلولها لا يدل على الأكثر في المنع من التصرف استقلالا. وبعضهم أورد على الاستدلال بهذه الآية بأنها إنما تدل على منع تصرف الصبي إلى زمن رشده فلو كان رشيدا صح تصرفه وذلك لأن قوله تعالى: [فان آنستم] راجع إلى (ابتلوا) والمعنى أنه اختبروا اليتامى إلى وقت بلوغهم، وهذا الإختبار إنما يكون إلى هذا الوقت إلى حين إدراككم رشدهم فإذا أدركتم رشدهم في مدة هذا الزمن الواقع بين الإختبار والبلوغ فليس عليكم
بعده اختبارهم وتدفعون لهم أموالهم فتكون (إذا) ظرفية لا شرطية و (حتى) بمعنى إلى والمعنى وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فإذا آنستم في هذا الظرف رشدهم فادفعوا لهم أموالهم، نعم يتم ما ذكره المستدل لو كان قوله فإن آنستم قيدا لبلوغهم النكاح بأن يكون المراد إذا بلغوا النكاح فبعد بلوغه إذا آنستم الرشد فادفعوا لهم أموالهم لا أن المراد إذا آنستم الرشد بعد الابتلاء إلى حين البلوغ. ولا يخفى عليك ما فيه لأنه خلاف الظاهر لأن (إذا) ظاهره في الشرطية وجوابها مجموع الشرط والجزاء في قوله تعالى: [فإن آنستم]. و (حتى) حرف ابتداء بمعنى (من) والمعنى ابتلوا اليتامى من زمن بلوغ النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا لهم أموالهم، مع أنه يلزم على ما ذكره الخصم أنه لو بلغوا اليتامى ولم يأنس منهم الرشد أن يدفع لهم أموالهم! وهو خلاف ما قامت الأدلة عليه، وسيجيء إنشاء الله زيادة كلام في هذه الآية في الأدلة التي استدل بها للقول الثالث.
ثانيها: الإجماع المحصل من الأصحاب الحاصل من النظر في كلماتهم حيث إنهم يشرطون البلوغ في جميع المعاملات من العقود والإيقاعات بل لايوجدخلاف في ذلك عدى ما عن الشيخ وهو لم يثبت تحققه منه بقرينة تصريحه في المحكي عن المبسوط، والخلاف بعدم صحة بيع الصبي وشرائه سواء أذن له الولي أم لم يأذن نعم في المبسوط قال وروى أنه إذا بلغ عشر سنين وكان رشيدا كان جائز
التصرف، والظاهر منه عدم العمل بها فحينئذ يصح نفي الخلاف على الإطلاق. ويؤكد الإجماع هو إرسال الأصحاب كلماتهم في الاشتراط حتى ترك بعضهم الاستدلال عليه اتكالا على معلوميته، وعليه فمخالفة بعض المتأخرين كالاردبيلي (رضى الله عنهم) غير قادحة في الإجماع. وجريان السيرة على معاملة الصبي لا ينافي الإجماع على بطلان عقده لعدم تسليم كونها من المتدينين في جميع الموارد وإنما الذي نسلم قيام السيرة عليه هو المعاطاة في الأشياء الحقيرة التي لا أهمية لها ونحن نقول بصحة المعاطاة فيها كما سيجيء إنشاء الله توضيحه في المستثنيات.
نعم يمكن المناقشة في الإجماع بأن يحتمل أن منشأه تلك الأدلة التي إعتمد عليها المانعون من صحة معاملة الصبي فلا يكون كاشفا قطعيا عن رأي المعصوم. ولكن الأنصاف أن الأدلة ليست بذلك الوضوح حتى تكون معتمدا عند الجميع فالحق أنه كاشف عن رأي المعصوم، نعم يستثني من ذلك الإمام فأن الإجماع بل ضرورة المذهب على صحة جميع تصرفاته ولو كان صبيا، وثانيهامنقول الإجماع حد الاستفاضة كما حكى عن بن حمزة والعلامة في التذكرة مع تأيده بشهرة محققة ومحكية عن الدروس والكفاية، قال المرحوم الهمداني في حاشيته: إن انعقاد الإجماع على مسلوبية عبارة الصبي في الجملة مما لا إشكال فيه. وربما يناقش فيه بأن العلامة في
التذكرة مع نقله الإجماع قال والوجه عندي البطلان ولو كان على هذا إجماع لم يكن لقوله: (والوجه) وجه فإن هذا الكلام يشعر بوجود الخلاف في المسألة؟ ويمكن دفعه بأن كلامه يمكن كونه في قبال رواية ضعيفة أو في قبال فتوى العامة ونحو ذلك فلا يدل على التردد وعدم الإجماع.
وثالثها:إن الأصل في العقود أولا هو الفساد وكذا الإيقاع وما ثبت من الأدلة صحته أنما هو في غير عقد الصبي فإن العمومات لا تشمله. وفيه: أن العمومات غير المشتملة على التكليف كأحل الله البيع ونحوه تشمله كعمومات الضمانات ونحوها.
ورابعها: إن الصبي محجور عليه في التصرفات مسلوب الأهلية لفحوى ما دل على حجر مال السفيه فبالطريق الأولى يدل على وجوب التحجير على مال الصبي لأنه أضعف منه عقلا وأقل تدبيرا ولقوله تعالى [وابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدَاً فادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ] وما في تفسير علي بن ابراهيم من قول الباقر (ع) في خبر أبي الجارود: من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، وخبر عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد الله (ع): متى يدفع إلى الغلام ماله قال (ع): إذا بلغ وأونس منه رشدا ولم يكن سفيها أو ضعيفا. ولا ريب في أن العقد أيضا من جملة ذلك ودعوى إن العقد ليس