الدليل التاسع: إن المتأمل المنصف يجد أن الموجب لمنع الصبي عن العقود هو نقصان عقله نوعا ما وسوء تدبيره غالبا وهذا إنما يقتضي المنع من استقلاله في المعاملات وتفويض أمرها إليه ولايقتضي سلب عبارته ولفظه فيها فإنه ما عند المميز من المسكة تمنعه أن يكون لاغيا في عبارته وصادرة منه بلا قصد وشعور كالمجنون والنائم.
وجوابه:إن هذا مجرد استحسان لا يصح للفقيه الاعتماد عليه بعد ظهور النصوص بأنه مثل المجنون والنائم ولعل اعتبار البلوغ حتى في عبارة العقد مثل اعتبار التلفظ والعربية والماضوية ونحو ذلك من أجل إحكام المعاملة وإبرام المعاقدة لا من جهة نقصان العقل أو كماله.
المستثنيات من عدم صحة معاملات الصبي
قد عرفت أن الحق عدم صحة معاملات الصبي سواء كان مميزا أم لا. ولكن تتميما للفائدة نذكر لك ما هو مستثنى من هذه القاعدة أو قيل باستثنائه وهو أمور:
الأول من المستثنيات (بيع الأشياء المحقرة)
: وينسب هذا القول لصاحب المفاتيح لبيع المقدار المتعارف من الخبز عليه أو اللبن أو
الفواكه ونحوها فإنه يجوز معاملة الصبي فيها برضاء وليه لقيام السيرة القطعية في سائر الأمصار والأعصار من السابق واللاحق على ذلك من غير نكير إلا أنه ينبغي الاقتصار في ذلك على القدر المتيقن وهو ما كان برضاء الولي بالمقدار القليل وبالعين التي لا أهمية لها. ودعوى احتمال كون السيرة حادثة أو أنها صادرة ممن يتساهل بالأحكام الشرعية أو أنها معاوضة مستقلة تفيد المالك وليست من البيع أو أنها تفيد الإباحة لمال الصبي بأذن وليه أو أن الصبي بمنزلة الآلة والمنشأ للبيع هو أوليائهم فاسدة لأن كل من هذه الاحتمالات خلاف الوجدان والعيان ولكن الحق أن يقال إن ذلك إن رجع لبيع المعاطاة صح ذلك لكونها لا يعتبر في حصول التمليك بها الارضاء من له الأهلية من الطرفين بتمليك العوض والمعوض فبيع الصبي إن كان يعلم منه رضاء من له الأهلية ولو بنحو العموم صحت المعاملة بالمعاطاة نظير ما إذا سمع الصبي بدخول الدار فإنه يصح دخولها إذا علم رضاء من له الأهلية بذلك ولا نسلم السيرة فيما عدى ذلك.
الثاني من المستثنيات (ما هو مقرر القيمة ومعين القيمة ومعرف السوق قيمته)
:فإنه يجوز فيه البيع والشراء من الصبي المميز بأذن وليه وأما غير المميز فلايجوز له ذلك لأنه لا يتأتى منه القصد للمعاملة ولا أقل من عدم إحرازه ولا أصل عند العقلاء يقتضي إحراز القصد منه. وأما جواز ذلك من المميز فلأن أدلة المنع من معاملته لا تشمل
المعاملة على المسعرات إذ ليس مما يعمل فيها الرأي والتدبير حتى يشمله مثل قوله لا يجوز أمره أو يقتضيه عدم أهليته فعمومات الخطابات الوضعية في المعاملات غير مخصصة بالنسبة إليه وهكذا الإجماعات الدالة على عدم جواز معاملته إنما يؤخذ بالقدر المتيقن منها مضافاً إلى قوله (ع): (إذا احتلم وعرف الأخذ والعطاء) فإن يعلم منه أن إناطة نفوذ المعاملة بالبلوغ لمعرفة الأخذ والعطاء وعليه فما لا يتفاوت فيه البالغ وغيره من حيث المعرفة خارج عن أدلة المنع. وفيه إن ذلك إنما يصح إذا رجع إلى ما ذكرناه في المستثنى الأول من بيع المعاطاة وإلا فأدلة المنع تشمل المقام فإنها تجعل الصبي بمنزلة المجنون والنائم وتلغي قصده ولا تنفذ أمره حتى في هذا المقدار وأما ما ذكره الخصم أخيرا فقد أجاب عنه المرحوم الشيخ محمد حسين بأنه كما أن كمال العقل بالبلوغ من باب الحكمة لا العلة والا فرب صبي أكمل عقلا من البالغ كذلك معرفة الأخذ والعطاء ونحوها حكمة نوعية إنتهى. ولو سلمنا إنه علة ولكنه إنما جعل علة إذا إقترن بالبلوغ لا مطلقا.
الثالث من المستثنيات (ما كان الصبي فيه بمنزلة الآلة في المعاملة لمن له أهلية المعاملة)
:كأن يكون آلة لحمل المال أو واسطة لإبلاغ المقصود من دون أن يكون له مدخلية لنفسه في ذلك فإنه على هذا التقدير لم تقع المعاملة بين الصبي وغيره بل بين من له الأهلية في المعاملة كما لو
قال الولي إشترِ ذلك الشيء الخاص الفلاني بهذا المقدار من الدراهم فإن الصبي يكون بمنزلة السيد البالغ ليس له من الأمر في هذه المعاملة أي شيء سوى ايصاله الثمن الذي عينّه البالغ وأخذ الثمن الذي عينه البالغ فلم تكن المعاملة صادره منه نعم لو وكله على المعاملة أو أذن له بها وجعل له التصرف برأيه كانت الأدلة تدل على المنع من ذلك لأنه مقتضى صحتها أن يكون قد جاز أمره.
والحاصل إن أدلة المنع من معاملة الصبي لا تشمل صورة ما إذا كان الصبي بمنزلة الآلة فتشمل عمومات المعاملات لمعاملته المذكورة مع قيام السيرة على صحة ذلك. وقد ذهب إلى القول بذلك صاحب الرياض وأستاذه المحقق البهبهاني (قدس سره) وسبقهم إلى ذلك صاحب المفاتيح حيث إنه ذهب إلى صحة عقد الصبي في المحقرات والموارد التي يكون الصبي فيها بمنزلة الآلة مستدلا على ذلك بلزوم الحرج في تركه. ولا يخفى عليك ما في ذلك فإن أدلة المنع كما عرفته تجعله بمنزلة المجنون والنائم وأدلة الحرج قد عرفت ما فيها وأنه لا يلزم من اجتناب معاملة الصبي.
الرابع من المستثنيات (ما حكي عن العلامة):
في التحرير وفاقا لبعض العامة وبعض الخاصة من صحة بيع الصبي في مقام الاختيار وإن ناقش بعضهم في صحة نسبته للعلامة (قدس سره) والمستند في ذلك لهم هو قوله تعالى: [وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ
مِنْهُمْ رُشْداً فادْفَعُوا إليهم أَمْوالَهُمْ] فإن الآية ظاهرة في وجوب الاختيار بالبيع والشراء ونحوهما قبل البلوغ ولازم الأمر بذلك هو صحته. وفيه ما لا يخفى فإن الاختيار لا ينحصر بذلك فأنه يحصل بالمساومة والمماكسة وإرادة بعض الاشياء كما تقدم.
الخامس من المستثنيات (الطلاق):
فعن الشيخين وجماعة من القدماء صحة طلاق الصبي الذي بلغ عشراً والمستند لهم مرسل ابن أبي عمير الذي هو بحكم الصحيح عند الأصحاب عن أبي عبد الله (ع): (يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين) بل عن الشيخ روايته عن ابن بكير وتبعه في المسالك والمحكي عن إبن الجنيد صحة طلاقه مع تمييزه كما أفتى بذلك الحنابلة لموثقة سماعة المضمرة المروية في الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب قال سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته فقال: (إذا طلق للسنّة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس وهو جائز) وموثق ابن بكير عن أبي عبد الله (ع): (يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم) والمشهور بين المتأخرين بل لعل عليه عامتهم إلا من شذ منهم على اعتبار البلوغ. واستدل لذلك بعض الفقهاء بوجوه:
الأول: اطلاق الاجماعات المنقولة على عدم جواز طلاق الصبي.
الثاني: إطلاق الأخبار ففي خبر السكوني عن أبي عبد الله (ع): كل طلاق جائز إلا طلاق المعتق والصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره) وصحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع) أيضا: (ليس طلاق الصبي بشيء) وخبر أبي بصير المروي في الكافي عن أبي عبد الله (ع) أيضا: (ليس طلاق الصبي بشيء) وخبر أبي بصير عنه أيضا: (لا يجوز طلاق الصبي والسكران) وخبر حسين بن علوان المروي عن قرب الإسناد عن جعفر بن محمد (ع) عن أبيه (ع) عن علي (ع): (لا يجوز طلاق الصبي حنى يحتلم) وخبر زكريا بن آدم قال سألت الرضا (ع) عن طلاق السكران والصبي والمعتوه والمغلوب على عقله ومن لم يتزوج بعد فقال (ع): (لا يجوز) المؤيدة تلك الأخبار بالشهرة العظيمة.
الثالث: نصوص رفع القلم الشامل للوضعي والتكليفي.
الرابع: الأصول المقررة كاستصحاب جريان أحكام الزوجية عليها وأصالة عدم كون طلاقه سببا لزوال علقه الزوجية ونحوها وقد يجاب عن ذلك بأنها مخصصة بالرواية المتقدمة القاضية بجواز طلاق الصبي إذا بلغ عشراً فإنها أخص منها لأن الدالة على المنع تمنع من طلاقه
مطلقا سواء بلغ عشرا أم لا، وهذه تدل على صحة طلاقه إذا بلغ عشرا فهو أخص منها. وعليه فلا بد حينئذ من الحكم بالجواز إذا بلغ عشرا كما هو مقتضى الجمع بين النصوص بعد حمل مطلقها على مقيدها وعامها على خاصها ولو سلمنا التعارض فالترجيح لما دل على الجواز لمخالفتها لأكثر العامة. وقد يورد عليه تارة بأنه فرع المكافئة وأخرى بأنه لا يبعد أن يريد الإمام (ع) من ذلك بيان إمكان صحة طلاق الصبي إذا بلغ عشرا عاقلا ولو لبعض الأمزجة في بعض البلدان التي ينبت فيها الشعر أو يحصل فيها الإحتلام بالبلوغ عشراً.
وثالثاً: بما صرح به غير واحد من الفقهاء بأنها ضعيفة.
ورابعاً: بأن التعارض بين هذه الرواية ورواية قرب الإسناد المتقدمة عموم من وجه إذ قد يحصل البلوغ لسبب الاحتلام أو الإنبات وهو ابن عشر سنين فيرجع في المقام إلى المرجّح وهو في جانب الرواية القاضية بالعدم. وأجيب عن الأول بوجهينأحدهمابأن المقيد مقدم على المطلق حتى مع كون المطلق أقوى منه لأنه يكشف عن عدم كون الفرد المقيد مرادا من المطلق من أول الأمر نظير القرائن المتصلة والمنفصلة القاضية بذلك ولذا صرحّوا بجواز تخصيص مناطيق العمومات بالمفاهيم المعتبرة مع أن المفهوم أضعف من المنطوق من حيث الدلالة، وبجواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد
مع أنه أضعف من الكتاب من حيث السند إلا أن يقال بأن المطلق والمقيد من قبيل الدليلين المتعارضين فيرجع فيهما إلى المرجّح وهو في المقام في جانب الإطلاقات المزبورة فلا يجوز حينئذ تقييدها بذلك. نعم لو كان المقيد متصلا بالمطلق أو ناظرا إلى مدلوله أمكن الحكم بالتقييد على سبيل الإطلاق.
وثانيهاإن المقيد المزبور أقوى منها من حيث الدلالة وهذه الإطلالات وإن كانت أقوى منه من حيث المرجحات الخارجية إلا أن المرجح الداخلي أقوى منها ولذا استقرت طريقة العقلاء على التخصيص والتقييد في نظائر المقام.
ويورد عليه بأن المناط في تعارض الخبرين على تقديم ما هو أقرب إلى الواقع وأوثقهما في نفسك ولا ريب في أن هذه الاطلاقات أقوى من ذلك. وعن الثاني بأن ما ذكر مخالف لما ينساق من الرواية المزبورة عرفا. وعن الثالث بأن ذلك معارض مع تصريح جماعة منهم باعتباره واعتمادهم عليه، مضافا إلى أن مرسل ابن أبي عمير معتبر عند الأصحاب. وعن الرابع بأن حمل المرسل المزبور على خصوص صورة حصول البلوغ في ذلك من قبيل حمل المطلق على الفرد النادر وهو لو جاز ففيه من البعد ما لا يخفى. فثبت جواز طلاقه إذا بلغ عشراً للروايات الدالة على ذلك، وكان مميزا للروايات الدالة على ذلك، فإن كلًا منها يقيد تلك المطلقات المانع من طلاقه. إن قلت إن ما رواه في الفقيه من طلاق الصبي من رواية الحسن بن