مِنْهُمْ رُشْداً فادْفَعُوا إليهم أَمْوالَهُمْ] فإن الآية ظاهرة في وجوب الاختيار بالبيع والشراء ونحوهما قبل البلوغ ولازم الأمر بذلك هو صحته. وفيه ما لا يخفى فإن الاختيار لا ينحصر بذلك فأنه يحصل بالمساومة والمماكسة وإرادة بعض الاشياء كما تقدم.
الخامس من المستثنيات (الطلاق):
فعن الشيخين وجماعة من القدماء صحة طلاق الصبي الذي بلغ عشراً والمستند لهم مرسل ابن أبي عمير الذي هو بحكم الصحيح عند الأصحاب عن أبي عبد الله (ع): (يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين) بل عن الشيخ روايته عن ابن بكير وتبعه في المسالك والمحكي عن إبن الجنيد صحة طلاقه مع تمييزه كما أفتى بذلك الحنابلة لموثقة سماعة المضمرة المروية في الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب قال سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته فقال: (إذا طلق للسنّة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس وهو جائز) وموثق ابن بكير عن أبي عبد الله (ع): (يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم) والمشهور بين المتأخرين بل لعل عليه عامتهم إلا من شذ منهم على اعتبار البلوغ. واستدل لذلك بعض الفقهاء بوجوه:
الأول: اطلاق الاجماعات المنقولة على عدم جواز طلاق الصبي.
الثاني: إطلاق الأخبار ففي خبر السكوني عن أبي عبد الله (ع): كل طلاق جائز إلا طلاق المعتق والصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره) وصحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع) أيضا: (ليس طلاق الصبي بشيء) وخبر أبي بصير المروي في الكافي عن أبي عبد الله (ع) أيضا: (ليس طلاق الصبي بشيء) وخبر أبي بصير عنه أيضا: (لا يجوز طلاق الصبي والسكران) وخبر حسين بن علوان المروي عن قرب الإسناد عن جعفر بن محمد (ع) عن أبيه (ع) عن علي (ع): (لا يجوز طلاق الصبي حنى يحتلم) وخبر زكريا بن آدم قال سألت الرضا (ع) عن طلاق السكران والصبي والمعتوه والمغلوب على عقله ومن لم يتزوج بعد فقال (ع): (لا يجوز) المؤيدة تلك الأخبار بالشهرة العظيمة.
الثالث: نصوص رفع القلم الشامل للوضعي والتكليفي.
الرابع: الأصول المقررة كاستصحاب جريان أحكام الزوجية عليها وأصالة عدم كون طلاقه سببا لزوال علقه الزوجية ونحوها وقد يجاب عن ذلك بأنها مخصصة بالرواية المتقدمة القاضية بجواز طلاق الصبي إذا بلغ عشراً فإنها أخص منها لأن الدالة على المنع تمنع من طلاقه
مطلقا سواء بلغ عشرا أم لا، وهذه تدل على صحة طلاقه إذا بلغ عشرا فهو أخص منها. وعليه فلا بد حينئذ من الحكم بالجواز إذا بلغ عشرا كما هو مقتضى الجمع بين النصوص بعد حمل مطلقها على مقيدها وعامها على خاصها ولو سلمنا التعارض فالترجيح لما دل على الجواز لمخالفتها لأكثر العامة. وقد يورد عليه تارة بأنه فرع المكافئة وأخرى بأنه لا يبعد أن يريد الإمام (ع) من ذلك بيان إمكان صحة طلاق الصبي إذا بلغ عشرا عاقلا ولو لبعض الأمزجة في بعض البلدان التي ينبت فيها الشعر أو يحصل فيها الإحتلام بالبلوغ عشراً.
وثالثاً: بما صرح به غير واحد من الفقهاء بأنها ضعيفة.
ورابعاً: بأن التعارض بين هذه الرواية ورواية قرب الإسناد المتقدمة عموم من وجه إذ قد يحصل البلوغ لسبب الاحتلام أو الإنبات وهو ابن عشر سنين فيرجع في المقام إلى المرجّح وهو في جانب الرواية القاضية بالعدم. وأجيب عن الأول بوجهينأحدهمابأن المقيد مقدم على المطلق حتى مع كون المطلق أقوى منه لأنه يكشف عن عدم كون الفرد المقيد مرادا من المطلق من أول الأمر نظير القرائن المتصلة والمنفصلة القاضية بذلك ولذا صرحّوا بجواز تخصيص مناطيق العمومات بالمفاهيم المعتبرة مع أن المفهوم أضعف من المنطوق من حيث الدلالة، وبجواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد
مع أنه أضعف من الكتاب من حيث السند إلا أن يقال بأن المطلق والمقيد من قبيل الدليلين المتعارضين فيرجع فيهما إلى المرجّح وهو في المقام في جانب الإطلاقات المزبورة فلا يجوز حينئذ تقييدها بذلك. نعم لو كان المقيد متصلا بالمطلق أو ناظرا إلى مدلوله أمكن الحكم بالتقييد على سبيل الإطلاق.
وثانيهاإن المقيد المزبور أقوى منها من حيث الدلالة وهذه الإطلالات وإن كانت أقوى منه من حيث المرجحات الخارجية إلا أن المرجح الداخلي أقوى منها ولذا استقرت طريقة العقلاء على التخصيص والتقييد في نظائر المقام.
ويورد عليه بأن المناط في تعارض الخبرين على تقديم ما هو أقرب إلى الواقع وأوثقهما في نفسك ولا ريب في أن هذه الاطلاقات أقوى من ذلك. وعن الثاني بأن ما ذكر مخالف لما ينساق من الرواية المزبورة عرفا. وعن الثالث بأن ذلك معارض مع تصريح جماعة منهم باعتباره واعتمادهم عليه، مضافا إلى أن مرسل ابن أبي عمير معتبر عند الأصحاب. وعن الرابع بأن حمل المرسل المزبور على خصوص صورة حصول البلوغ في ذلك من قبيل حمل المطلق على الفرد النادر وهو لو جاز ففيه من البعد ما لا يخفى. فثبت جواز طلاقه إذا بلغ عشراً للروايات الدالة على ذلك، وكان مميزا للروايات الدالة على ذلك، فإن كلًا منها يقيد تلك المطلقات المانع من طلاقه. إن قلت إن ما رواه في الفقيه من طلاق الصبي من رواية الحسن بن
محبوب عن ابن رئاب عن ابن مسكان عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله (ع) الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: (أما التزويج فصحيح وأما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حنى يدرك فيعلم أنه كان قد طلق فإن أقر بذلك وأمضاه فهي واحدة بائنة وهو خاطب من الخطاب وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته) فإنها تدل على المنع من طلاق ابن عشر سنين؟ قلنا مضافا إلى ما قيل من ضعفها بالحسن بن محبوب قد أعرض عنها الأصحاب ولم يفتِ بمضمونها لأنهم بين قائلين بالصحة وقائلين بالفساد. إن قلت إن ما رواه في التهذيب في باب أولياء الصبيان من رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر (ع) في حديث تزويج الأب ابنته أو ابنه قال: قلت له جعلت فداك فإن طلقها في تلك الحال ولم يكن أدرك يجوز طلاقه؟ قال: إن كان مسها في الفرج فإن طلاقه جائز عليها وعليه وإن لم يمسها في الفرج ولم يلد منها ولم تلد منه فإنها تعزل عنه وتصير إلى أهلها فلا يراها ولا تقربه حتى يدرك النساء فيسأل ويقال إنك كنت طلقت امرأتك فلانه فإن هو أقر بذلك وأجاز الطلاق كانت مطلقة بائنة وكان خاطبا من الخطاب. فإنه يدل على عدم جواز طلاقه؟ قلنا مضافا لما قيل من ضعفها بالكناسي إن الأصحاب قد أعرض عنها إذ لم يفتِ أحد بمضمونها على ما نعهد.
السادس من المستثنيات:
(العتق والصدقة): فقد نص جماعة من
الأصحاب كالشيخ بأن الصبي إذا بلغ عشرا يصح عتقه وصدقته. وظاهر الأصحاب عدم جواز شيء منهما قبل البلوغ وإن كان مميزا، ونسبه في كشف اللثام إلى الأكثر. ولعل مستند الأول اصالة الصحة في الإيقاعات وعموم (الناس مسلطون على أموالهم) وإطلاق (كل من الصدقة والعتق) وما رواه الشيخ عن موسى بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (إذا أتى الغلام عشر سنين فأنه يجوز له من ماله ما أعتق وتصدق على الوجه المعروف فهو جائز) وبأسناده عن صفوان بن يحيى عن موسى ابن بكير مثله إلا أنه قال: (على حّد معروف فهو جائز) بل رواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد بن عيسى جميعا عن صفوان بن يحيى. وعن النافع أنه أسنده إلى رواية حسنة. وفي مفتاح الكرامة أنه روى الصدوق في الصحيح أنه: (يجوز له في ماله ما اعتق وتصدق وأوصى على حد كل معروف وحق) وفي خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل ترك جارية قد ولدت منه بنتا وهي صغيرة غير أنها تبين الكلام فأعتقت أمها فخاصم فيها مولى أبي الجارية فأجاز عتقها الأم. ومما يدل على ذلك ما دل على جواز وصيته بالمعروف التي منها العتق بل منها التدبير بناءاً على أنه وصية به. وربما اعترض على الاستدلال بالرواية المذكورة بأن في سندها ضعف لاشتماله على واقفي غير ثقة وعلى فطحىء وهو ابن فضال، مضافا إلى تصريح غير واحد من الأصحاب
بضعفها فمع هذه القوادح كيف تصلح لأثبات هذا الحكم المخالف لأصول المذهب فطرحها متعين. وأخرى بأنه يمكن حملها وحمل ما ورد في معناها في جواز وقفه وصدقته ووصيته على ابن العشر الذي كان في محل يمكن فيه البلوغ بهذا المقدار من السنين بالإنبات أو الاحتلام وقد عرفت ما فيه.
السابع من المستثنيات (ومنها العارية):
فقد نص جماعة من الأصحاب كصاحب الإرشاد والتحرير واللمعة على ما حكي عنهم بأنه لو أذن الولي للصبي صح أن يعير مع مراعاة المصلحة. وقال بعضهم بعدم جواز إعارة الصبي مطلقا تمسكا بأن الأذن لا يجعل مسلوب العبارة غير مسلوب كما هو مفروغ منه في غير المقام، وكون العارية من العقود الجائزة لا يقتضي ذلك وإلا لجازت مضاربته ووكالته بأذن الولي.
ودعوى كون الأذن من المالك بمنزلة الإيجاب منه لأن المدار في العارية على رضى المالك وهو الولي هنا يدفعها عدم الفرق بين المميز وغيره بل وبينه وبين المجنون بل وبين هذا العقد وغيره من العقود الجائزة بل وبينه وبين المعاطاة في البيع وغيره ضرورة رجوع ذلك إلى كون الصبي حينئذ آلة، والإيجاب والإنشاء من قبل الولي الذي حصل منه الأذن للصبي.
نعم يجوز التصرف في العين المستعارة المزبورة مع طيب نفس الولي فإن طيب نفس الولي يصحح التصرف في العين في هذا المقام وأشباهه وهذا مما يفيد فائدة العارية ولا يقتضي حصول عقد العارية في الخارج. والحاصل إن العارية إن احتاجت إلى إنشاء وعبارة لم تصح من الصبي لما عرفت من أنه مسلوب العبارة وأما إذا قلنا إنها يكفي فيها رضا المعير فإعارة الصبي إن أوحت العلم أو الاطمئنان برضاء المعير صحت الاستعارة وإلا فلا.
الثامن من المستثنيات (الوديعة):
فإنهم بعد أن صرحّوا بعدم صحة وديعة الطفل واعتبار الكمال في طرفي عقدها صرحّوا بأنه لو علم الأذن اكتفى في الوديعة حينئذ بفعل المرسل لها في أيديهما بناءاً على الاكتفاء بمثل ذلك فيها لعدم اعتبار مقارنة القبول للإيجاب فيكون حال الصبي في المقام حال الحيوان الحامل لها.
التاسع من المستثنيات (الوقف):
فإن المحكي عن المقنعة جوازه إذا وقع موقع المعروف ولعله الظاهر من المراسم هو جواز الوقف إذا كان في وجوه البر. ويلوح من الإرشاد والكفاية الميل إلى الجواز فقد حكي عنهما أنهما قالا أنه مروي ولعل حجة من ذهب إلى الجواز هو الأخبار المتضمنة جواز صدقة الصبي التي تقدم منا نقلها نظرا إلى أن الصدقة تشمل الوقف. ولا يخفى عليك ما فيها فإنها لاتقوى على تخصيص ما تقدم من الأدلة على عدم جواز معاملة الصبي لعدم ظهور لفظ الصدقة في الوقف ولم نعثر على رواية يعتمد عليها