فإنه على هذا لا يكون في العمومات أمراً متوجهاً للفاقد حتى يكون أمراً إمتحانياً.
ثالثاً: إلتزامه بعموم المجاز في العمومات بقوله: (بل نقول انه مستعمل في معنى عام وهو عموم المجاز) فاسد لأنه يستلزم ان يكون جميع الخطابات الشرعية مجازية وهو لا يلتزم به أحد.
رابعاً: انه يلتزم بالمجازية وان طلب الفعل ليس على وجه الحقيقة وقد عرفت انه على خلاف التحقيق الذي أسلفناه لك سابقاً من انه حقيقة في طلب الفعل وكون الداعي له شيئاً آخر لا يخرج اللفظ عن كونه حقيقة.
وخامساً: انه يلزم على ما سلمه من دخول الفاقدين للشرائط في العموم ان جميع الأدلة الواردة في مقام الخطاب مجازات في خصوص الفاقدين للشرائط وليس كذلك لأنها غير شاملة لهم وإنما تشمل الواجدين للشرائط فان قلت انها لو كانت غير شاملة لهم لما كان عليهم ان يُشرعوا بمقدمات العمل ولصح التمسك بأصالة البراءة عن وجوب العمل لإحتمال انه غير واجد لشرائطه إلى حين تمامه، قلنا ان الفاقدين للشرائط لما يروا الأمر المتوجه والخطاب بقوله: (أقيموا الصلاة) مثلًا يحتمل الضرر أو يظن الضرر يترك الفعل فيقول ان دفع الضرر المظنون واجب عقلًا فيلتزم بالفعل من باب
حكومة العقل عليه فيكون واجباً عليه ولا مجال لأصالة البراءة لوجود الظهور اللفظي في شمول العموم له مضافاً إلى أن الفاقدين للشرائط لما يتوجه إليهم الأمر ويدخل عليهم الوقت يعتقدوا صحته في أول الوقت فإذا شك في الصحة وعدمها في الزمان الثاني فيستصحب تلك الحالة السابقة وهذا دليل شرعي يجب العمل على مقتضاه كما ان الأول دليل عقلي يجب العمل به والالتزام بأحد هذين الأمرين لا ينافي دعوى ان الفاقد غير مشمول للأدلة وغير مأمور بالخطابات كما لايخفى. وتحقيق الحال يطلب من كتبنا الفقهية.
وأما المراد من الشرط في العنوان فنقول ان الشرط تارة يكون للأمر مثل الإستطاعة بالنسبة إلى الحج فإنها شرط لوجوب الحج ويسمى بشرط الوجوب وأُخرى يكون لوجود المأمور به مثل الطهارة للصلاة وتارةً يكون لهما أعني الأمر وللوجود مثل القدرة فإنها شرط لهما والأول على قسمين الأول يكون شرطاً لأصل التكليف وتوجه الخطاب مثل العقل فإنه شرط لأصل التكليف وتوجه الخطاب لان التكليف من الحكيم من دونه قبيح، الثاني لتنجز التكليف مثل البلوغ فإنه شرط لتنجزه إذ لا يقبح من الحكيم ان يوجه الخطاب للمميز ولذا قلنا ان عبادة الصبي شرعية ولكن البلوغ كان
شرطاً لصحة العقاب على عدم إمتثاله فان الدليل الشرعي إنما قدم على معذورية الصبي حتى يبلغ لان ظاهر قوله (ص): (رفع القلم) هو رفع العقاب كذا قرره بعضهم وان أَبيت فمثل له بالعلم. ثم ان الشرطية للوجوب تارةً يعبر عنها بلفظ الشرط أو ما في معناه مثل قول الفقهاء شرط الغسل وصول الماء إلى البشرة فإنه لا إشكال في صحة صدوره من الحكيم حتى من العالِم بالعواقب لأنه قضية إخبارية وأخرى تكون الشرطية يعبر عنها بالأدوات مثل ان وإذا وغيرهما فمنعها السيد المرتضى في كلام له نقله صاحب المعالم وقال: ان التعليق بالأدوات قبيح من العالم لأنه مستلزم للجهل ويكفي في ردهِ الآيات مثل قوله تعالى: [وَللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ اْلبَيْتَ مَنِ اسْتَطاعَ إليهِ سَبيِلًا] ومثل قوله تعالى: [وَإِنْ كُنْتُمْ جُنباً فَاطّهَّرُوا] وغيرهما وتبعه على ذلك الفاضل القمي فإنه يظهر منه ذلك حيث انه أَوّلَ الآيات المعلقة بالشرط وذهب إلى ان التعليق فيها صوري لا حقيقي لأنه لا يحسن التعليق من العالِم بالعواقب لكونه يستلزم الجهل بالواقع وجعل الإشتراط الموجود في الشرع مستعمل مجازاً لأنه لم يُراد منه الإشتراط الحقيقي وإنما أُريد منه معنى مجازياً ينحل إلى حكمين أحدهما ثبوتي موضوعه الواجد للشرط والثاني سلبي موضوعه الفاقد للشرط فآية الحج المراد منها يجب على المستطيع الحج ولا يجب على غير المستطيع، نعم الآمر الجاهل بالعواقب يصح
منه الإشتراط الحقيقي. والتحقيق في ذلك ان يُقال ان التعليق بالأدوات الشرطية غير مستلزم للجهل لان التعليق بها قد يكون لفوائد منها بيان ان الحكم معلق لا مطلق فالعالم بالعواقب كما يحسن منه الأمر المطلق كذلك يحسن منه المعلق لبيان ان الحكم معلق على الشرط لا من جهة جهله بحصول الشرط في الواقع، ومنها ان من يوجد إذا كان واجداً للشرط يشمله الحكم وان كان فاقداً لايشمله وقد أورد على الفاضل القمي بوجوه:
منها:ان التحليل الذي ذكرته بالنسبة إلى الأمر المعلق فأما ان نريد به عند المخاطَب والناظر إلى الأمر المشروط ينحل إلى قضية سلبية بالنسبة إلى الفاقد وإيجابية بالنسبة إلى الواجد فهو لا ينفعك في المقام لأنه لا يرفع الجهل عن العالم المعلق على الشرط وأما ان تريد انه ينحل عند الآمر المكلِف إلى هذين القضيتين فكيف تصنع بالآيات التي علق الحكم فيها على الشرط مثل قوله تعالى: [وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى اْلبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً]، فإنه لا مفهوم لها فكيف تحلها إلى تلك القضيتين، ومنها انه قال: فينحل الإشتراط إلى حكمين مطلقين ثبوتي بالنسبة إلى الواجد وسلبي بالنسبة إلى الفاقد فأَوّلَ الجملة الإنشائية بالجملة الإخبارية وليس بينها علاقة ومثل ذلك يحتاج إلى وجود العلاقة ولا علاقة فلا يصح ذلك منه. وفيه انه ليس مراده بالحكم الحكم المنطقي الذي هو القضية الخبرية نفسها حتى
يلزم ذلك بل إنما مراده الحكم المصطلح عندهم وفيما بينهم الذي هو عبارة عن خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين وعلى هذا فلا يلزم تأويل الجملة الإنشائية بالجملة الخبرية بل إنما هما إنشاءان كما لايخفى، ومنهما ان المحققين من أهل المعاني والبيان ذكروا ان أدوات الشرط منها ما يدل على الشك مثل (إِن) وبعضها يدل على تحقق الوقوع مثل (إذا) نحو قوله تعالى: [وإذا قمتم إلى الصلاة فاطهروا] ومنها يدل على عدم الوقوع أو إمتناعه مثل (لو) التي تدل على إمتناع الوقوع والذي لا يصح التعليق به إنما هو التعليق على الشرط الذي هو للشك وكلامه مطلق لأنه لا يصح على العالم بالعواقب التعليق على الشرط وليس فيه الدلالة على إرادة خصوص الشرط المشكوك حتى تتم دعواه. وفيه انه ليس بصدد الإطلاق أو التقييد بل إنما هو بصدد ان الآمر العالم لايحسن منه الشرط وإنما هو يحسن من الجاهل هذا تمام الكلام بالنسبة إلى شرح الألفاظ المأخوذ في العنوان، وأما بالنسبة إلى تحرير محل النزاع فنقول انه مضطرب في كلامهم وذلك لان تحرير محل النزاع يُعرف من أحد أمور أربعة اما يعرف من عنوانهم وتحريرهم بان يُذكر محل النزاع في العنوان الذي هو أول المسألة حتى يعرف محل النزاع وأما ان يعرف من تصريحاتهم وبياناتهم بان يقول ان المراد الظاهري أم الواقعي أم التوطيني أم الحقيقي إلى غير ذلك وهم لم يُصرحوا بذلك، وأما من أدلتهم
وبراهينهم فهي مختلفة: فمنها ما تدل على ان النزاع في الأمر التوطيني كما يظهر ذلك من أدلة بعضهم من ان الأمر كما انه يحسن لمصالح تنشأ من المأمور به نفسه كذلك يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر ويظهر من صاحب المعالم (قدس سره) في الجواب عنه ان النزاع في الأمر الحقيقي حيث انه قال: وليس النزاع فيه أي في الأمر التوطيني بل النزاع في الفعل نفسه وكذا يظهر من بعضهم أيضا ان النزاع في الأمر الحقيقي لأنه إستدل على المنع بأنه تكليف مالا يطاق وأما ان يعرف محل النزاع من ثمرة المسألة فنقول ان الثمرة التي ذكروها في المسألة لايعرف بها محل النزاع لأنهم ذكروا على القول بالجواز انه يجوز له ان يأمر المرأة التي تعلم بأنها تحيض في الصوم في آخر الوقت مع العلم بإنتفاء شرطه وهو عدم الحيض وعلى القول بعدم الجواز لا يجوز له ان يأمرها مع العلم بإنتفاء الشرط، هذه الثمرة وان دلت على ان الأمر الواقعي بالنسبة إليها إلا أن ذلك لا يحصر خصوص النزاع به لإمكان ان يجيء النزاع في الأمر الظاهري في المثال المذكور الثابت بحكم الإستصحاب لأنها في صورة ما إذا شكت بعد توجه الخطاب عليها انها مكلفة أم لا لإحتمال إنتفاء شرط التكليف فتستصحب حالتها السابقة وهي كانت جامعة لشرايط التكليف وغير منتفي منها شرط التكليف فتستصحب تلك الحالة وهذا حكم ظاهري في حقها بحكم الإستصحاب ويجيء فيه الكلام المتقدم وكذا
بالنسبة إلى محل النزاع مضطرب بالنسبة إلى الشرط فإنه غير مشخص في تحرير محل النزاع بأنه شرط الوجوب أو الوجود أو كليهما؟ فذهب المحقق الشيرواني إلى أن النزاع في شرط الوجود أذ لا يصح النزاع في شرط الوجوب الذي هو الشرط للأمر لأنه مع فقده لا محال يفقد الأمر لان المشروط عدم عند عدم شرطه وإلا فما فرض شرط ليس بشرط بل هو مستلزم للتناقض لان كونه مطلوباً يقتضي عدم إنتفاء شرطه وكون شرطه منتفي يقتضي عدم طلبه فلابد ان يكون النزاع في شرط الوجود وذهب المحقق الخوانساري إلى ان النزاع في شرط الوجوب وذلك لأن إنتفاء الشرط ليس في زمان الأمر حتى يلزم التناقض بل إنما هو بعد للأمر فهما زماناً مختلفان فان محل الكلام فيما لو أمر مشروطاً بشرط وبعد ذلك إنتفى الشرط كما إذا أمر المرأة بالصوم مشروطاً بعدم الحيض ثم بعد ذلك حاضت كان آمرها بذلك ليلًا مشروطاً بعدم الحيض ثم حاضت نهاراً أو أمرها بالنهار مشروطاً بعدم الحيض ثم حاضت عصراً نعم لو أمرها بالصوم حال الحيض لزم التناقض ولكن لا يخفى عليك ما فيه فإنه حال إنتفاء الشرط ان كان الأمر موجوداً ومتوجهاً نحو المخاطب لزم ما ذكره الخصم من التناقض وان لم يكن الأمر موجوداً فهو المطلوب من ان الأمر لا يوجد مع إنتفاء الشرط وكذا لا يعلم ان النزاع في الشرط غير المقدور أو الأعم منه فإنه قد يظهر من بعضهم ان النزاع
في الشرط غير المقدور كالمثال السابق ويظهر من بعضهم ان النزاع في الأعم من المقدور وغير المقدور وذلك لأنهم يقولون انه هل يجوز الأمر بالصوم على الحاضر الذي يعلم بأنه يسافر أو لا؟ ولاشك ان السفر أمر مقدور. وهكذا يقولون انه هل يجوز الأمر بالصوم على الحائض التي تعلم بأنها تحيض هذا اليوم ولا شك ان الحيض أمر غير مقدور فمن هذا يعلم ان النزاع في الأعم وبالجملة فالمتتبع في كلماتهم يظهر له ان تحرير محل النزاع غير معلوم في كلامهم فلابد لنا من ذكر جميع الأقسام المحتملة والوجوه المتصورة لنبين في أي قسم يجوز النزاع فيها وأي قسم لايجوز فيه ذلك؟ فنقول ان منها ان النزاع في الموضوع لا في المحمول ومعنى ذلك ان المجوٌز في المسألة ناظر إلى الأمر التوطيني وان المانع فيها ناظر إلى الأمر الحقيقي وعلى هذا فيكون النزاع بينهما لفظياً ومنها ان يكون المجوز ناظراً إلى مجبورية العباد على أفعالهم فيكون (حينئذ) أمر الآمر مع إنتفاء الشرط موجوداً وهو الإختيار في العمل كالأشاعرة فإنهم يقولون بان الناس مجبرون على أفعالهم ومن جملتها الإرادة فتكون الأوامر متحققة من الآمر الحكيم مع العلم بإنتفاء الشرط وهو الإختيار والمانع من ذلك ناظر إلى انه لا جبر فتكون الأوامر متحققة مع تحقق شرطها وهو الإختيار كالمعتزلة فإنهم لا يقولون بالجبر وإنما يقولون بإختيار العبد لأفعاله فيكون أمر الآمر مع إنتفاء الشرط عندهم غير واقع