بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 291

الصافي بعد حكايته لهذه الرواية إنها تدل على أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على كفرهم. والمحكي عن البحراني أنها جعلها صريحة في مدعاة من عدم تكليف الكفار بالفروع وفيه ما لا يخفى، فإنا لا نسلم صحة سندها.

سادساً: استدل بأن المقتضي للتكليف وهو البعث على الطاعات والزجر عن القبائح واشتماله على اللطف ثابت في حق الكافر كما هو ثابت في حق المسلم.

واحتج من زعم الشرطية بوجوه:

(الأول): إن التكاليف ممتنعة الحصول من الكافر حال كفره لأن الإسلام شرط في صحة العمل المكلف به فإن الصلاة ونحوها لا تصح من الكافر والمشروط من دون شرطه ممتنع وهكذا التكاليف ممتنعة الحصول من الكافر بعد الإسلام أيضا لقوله (ع): (الإسلام يجب ما قبله) ولدعوى الإجماع على سقوط القضاء لما فاته حال الكفر ولو كان واجبا لوجب القضاء كما يجب على المسلم فإذا كان كذلك فلا يمكن صدور العمل من الكافر على وجه يوافق الأمر أصلا بل أما الشرط منتف وأما الأمر منتف فلا معنى لقولنا إن الكافر مكلف بالفروع مع عدم جواز التكليف بما لا يطاق عندنا وعند أكثر العقلاء ولو لم يكن تكليف الكافر ممتنعا على تقدير الإسلام فهو لغو قطعا إذا طلب الفعل على تقدير يكون بذلك‌


صفحه 292

التقدير يسقط الخطاب يكون محالا فتكليف الكفار على تقدير الإسلام ممتنع لأنه بالإسلام يسقط التكليف عنه لأن الإسلام يجب ما قبله. وجوابه فبالنقض بسائر الشرائط المقدورة المعتبرة في صحة العبادة من طهارة وستر واستقبال ونحوها، والتزام عدم التكليف قبل حصولها كما يحكى عن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما. وبنوا النزاع في مسألة تكليف الكفار على النزاع في هذه المسألة فاسد. إذ لاريب في وجود التكليف قبل حصولها بإجماع المسلمين وضرورة الدين ولما صح عقاب العاصين على ترك العبادة ولجاز ترك الواجبات لأنها قبل حصول مقدماتها ليست بواجبة كما هو الفرض وإذا لم تجب مقدماتها التي هي شرائط صحتها لا شرعا ولا عقلا لعدم وجوب ذيها. وأما بالحل فهو أن يقال إن الكافر في حال كفره أيضا لا يمتنع من العبادة لأن حال الكفر معنى مغاير لقولنا بشرط الكفر وعدم إرادته الإسلام الذي هو إحدى المقدمات للعبادة يوجب امتناعها بالاختيار وهو غير مناف لمقدورية أصل العبادة بذاتها فالكافر في حال كفره قادر على إتيان المأمور به ولو بواسطة القدرة على المقدمة المقدورة وهو الإسلام والمقدور بالواسطة مقدور كيف ولو بنى المسألة على أن ما انتفى شرطه في الوجود الخارجي فالتكليف به ممتنع لم يكن للتكليف موقع بالمرة إذ ما من شي‌ء يؤمر به إلا وأحد أجزاء علته التامة منتف في الخارج وإلا لكان موجودا


صفحه 293

فالتكليف إنما يكون بالمحال لو كان التكليف بشرط الكفر لا في حالة الكفر مع القدرة على إيجاد المقدمة. والحاصل إن من قال باشتراط التكاليف بالإسلام يجعل الإسلام من شرائط الوجوب وأما من قال بعدم الاشتراط يجعل الإسلام من شرائط الوجود وهو مقتضى الأصل في الشروط لإطلاق الأوامر والتكاليف وعدم المقيد لها. ودعوى أن سقوط الواجبات والمحرمات عن الكفار توجب لغوية التكليف بها وامتناعه فاسدة لوجوه:

أولها: إنا لا نسلم ذلك في الموسعات التي قد مضى من وقتها مقدار الأداء لشرائطه وهو كافر فأسلم مع بقاء الوقت فإنها لا تسقط فيأتي بها وهو كان مكلفا أيضا في أول الوقت فليس كل تكليف ساقط على فرض الإسلام في كل وقت.

وثانيها: إن التكاليف المالية الصرفة لا يجبها الإسلام.

وثالثها: إن فائدة التكاليف المضيقة للكفار مع سقوطها بالإسلام هي الحث والترغيب على الإسلام لكونه مقدمة وشرطا للتكاليف فينبغي أن لا يترك إذ أنه لو لم يسلم ولم يأت به فيعاقب على الفروع أيضا لمخالفته لها كالأصول ولأنه لو أسلم بقصد الإتيان للتكاليف والامتثال يصير مثابا من جهتين أحدهما من جهة الإسلام المأمور به مستقلًا، وثانيهما من جهة كونه توطينا للفروع وإن سقط عنه حينئذ ما مضى من التكاليف. لا يقال إنه لو ثبت تكليف الكفار


صفحه 294

لوجب قضاءه عليهم والكفارة عليهم وليس كذلك؟ لأنا نقول إن القضاء بأمر جديد على المختار ولعل خطاب القضاء لا يشملهم لانصرافه للمسلمين فيكون من التكاليف المختصة بالمسلمين أو للإجماع على عدم القضاء عليهم ولا ملازمة بين وجوب أصل الفعل وبين وجوب قضائه ولو سلم الملازمة هنا نقول مكلفون بالقضاء أيضا كسائر التكاليف وسقوطه عنهم بالإسلام وهكذا الكلام في تكليفهم بالكفارة.

(الثاني): من الوجوه التي احتج بها الخصم القائل بعدم تكليف الكفار بالفروع صحيح زراره المروي في الكافي قال: قلت لأبي جعفر (ع) أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق فقال (ع): إن الله بعث محمدا (ص) إلى الناس أجمعين رسولا وحجة لله على خلقه في أرضه فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه فإن معرفة الإمام هنا واجبة عليه ومن لم يؤمن بالله ورسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ولم يعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما. الحديث وأجيب عن الاستدلال بهذه الرواية:

أولًا: بأن معرفة الإمام ليس من الفروع المبحوث عنها وان كان مما أمر بها النبي فثبوت عدم تكليف الكفار بها بالخصوص لا يقتضي عدم تكليفهم بباقي الفروع الإسلامية.


صفحه 295

وثانياً:ان المراد أن معرفة الله والرسول مطلوبة قبل معرفة الإمام لان معرفة الإمام طلبها مشروط بحصول معرفتها ولا يخفى ما فيه فانه ظاهر في مشروطية وجوب معرفة الامام بمعرفة الله تعالى والرسول (ص) اللهم إلا أن يريد المجيب بذلك أن هذه الأمور مترتبة في نفسها ولا ينفع لاحق قبل السابق لا رفع أصل التكليف قبله.

وثالثاً: إن هذه الرواية ناظرة إلى القاصر والغافل ومن ليس له الصلاحية من الخلق فإن موضوعها هو الخلق والناس أجمعين ولا ريب في أن القاصر والغافل والذي ليس له صلاحية التكليف بمعرفة الله ورسوله (ص) ليس له الصلاحية بأن يكلف بمعرفة الإمام.

ورابعاً: إن عموم الكتاب والسنة وفتوى الأصحاب إلا من شذّ منهم وقاعدة الاشتراك في التكاليف وغير ذلك من الأدلة تعارض الخبر المذكور فتقدم عليه وترجح عليه من جهات.

(الثالث): من الوجوه التي اعتمد عليها الخصم هو أصالة عدم التكليف وأصالة عدم الدليل دليل العدم وفيه قد عرفت الدليل على تكليفهم فلا يجري الأصلان المذكوران.


صفحه 296

(الرابع): من الوجوه لزوم تكليف ما لا يطاق لو كلفوا بالفروع لأنهم جاهلون بهذه الأوامر والنواهي وتكليف الجاهل قبيح. وقد أجاب عنه المرحوم الهمداني بالنقض بتكليفه بالإسلام فإنه جاهل به، وبالحل بأنه إن أريد من قبح تكليف الجاهل هو قبح توجه الخطاب إليه ففيه إن الخطاب إنما يوجه للجاهل فإن علم منه تكليفه تفصيلا أو إجمالا يتنجز الطلب في حقه وإلا فهو معذور ما لم يكن مقصرا وإن أريد قبح تنجزه ففيه إنما يقبح بالنسبة إلى القاصر دون المقصر الذي يجب عليه الفحص والسؤال. والحاصل إن كلامنا في الجاهل الذي بلغه دعوة النبي (ص) أو احتملها فلا يكون تكليفه تكليفا بما لا يطاق لأنه لم يكن ذلك بمجهول مطلق لديه.

(الخامس): من الوجوه ما ورد من تخصيص طلب العلم بالمسلم والمسلمة كقوله (ص): (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) ولو كان الكافر أيضا مكلفا بالفروع لما خصص بالمسلم والمسلمة ولعمّ كل بالغ قادر. وفيه إن ذلك لا يدل على الاختصاص لعدم حجية مفهوم اللقب ولعل النكتة في اختصاص الخطاب هو أشرفية المسلم والمسلمة أو من أجل إنهم يتبعون الأوامر ويتفحصون عنها نظير من عنده من الأولاد من لا يطيعه فإنه يوجه الخطاب لمن يطيعه منهم وإن كان التكليف مراداً من الجميع.


صفحه 297

(السادس): من الوجوه اختصاص الخطاب في ظواهر الآيات بالمؤمنين كقوله تعالى: [يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا] فإن أغلب الخطابات كذلك ولو فرض هناك عموم يشمل الكافر فلا بدّ من تقييده بالمؤمن حملا على ما ورد مقيدا به. والجواب عنه كالجواب عن الخامس.

(السابع): من الوجوه أنه لو كانوا مكلفين بالفروع لكان النبي (ص) يأمر كل من أسلم بالغسل للعلم العادي بجنابته ولو أمر لنقل إلينا ذلك وما رواه العلامة في المنتهى عن قيس ابن عاصم وأسيد بن حصين مما يدل على أمر النبي (ص) بالغسل لمن أراد أن يدخل الإسلام فليس في كتب أخبارنا والظاهر أنه عامي فلا ينهض حجة. وفيه أن ما دل كتابا وسنة على وجوب الغسل كافٍ في أمر الكافر به كما سائر الواجبات فإنه عندما يسلم لم يأمره النبي (ص) بها وإنما هو عليه أن يرجع لأحكام الإسلام في أعماله كسائر المسلمين، قال صاحب العناوين (رضى الله عنهم) وهذه الوجوه كلها أوهن من بيت العنكبوت لا حاجة إلى التعرض لأجوبتها والدليل قد عرفته على إثبات التكاليف عليهم والنزاع إنما هو فيما أطلعوا على وجود تكليف فيه ولو بالإجمال وقصروا عن معرفته وتحصيله فلا يلزم تكليف الجاهل والغافل بل مجرد تكليفهم بالإسلام يكفي في علمهم إجمالا بأن هناك أحكاما لا بد من معرفتهم لها على فرض الإسلام وهذا المقدار كاف في التكليف بالفروع ولا يحتاج إلى‌


صفحه 298

العلم تفصيلا وتخصيص الأمر بالمسلم والمسلمة لا يدل على عدم كون الكافر مكلفا لأن مفهوم الوصف ليس بحجة ويكفي في ذكر المسلم شرفه وكون طلب العلم بعد الإسلام لا قبله مع أنه لا يقاوم ما مر من الأدلة على التعميم ومثل ذلك نجيب في اختصاص الخطابات بالمؤمنين مع أن في الخطابات ما يعم المؤمن والكافر ولا وجه للتقييد بالمسلم والمؤمن وذلك واضح لعدم العلم بوحدة المكلف من خارج فيجوز كون الفريقين مكلفين بذلك وعدم أمر النبي (ص) بالغسل ممنوع بل الظاهر أن الاغتسال بعد الإسلام كان من الأمور المعتادة الواضحة كما يكشف عنه طريقتنا في زماننا ودلالة بعض الأخبار عليه هذا مضافا إلى كفاية الأوامر العامة في ذلك فلا يحتاج إلى الأمر بالخصوص فتدبر.

(الثامن): من الوجوه التي استدلوا بها واعتمدوا أيضا عليها ما ورد في تفسير قوله تعالى في حم السجدة: [وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزّكَاةَ] حيث جاء في تفسير القمي عن الصادق (ع) أترى أن الله عز وجل طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به وذكر الآية، قيل جعلت فداك فسره لي فقال ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول وهم بالأئمة الآخرين كافرون إنما دعا الله العباد إلى الإيمان فإذا آمنوا بالله وبرسوله افترض عليهم الفرائض. وبهذا الحديث استدل الكاشاني في تفسيره على مذهبه وهو عدم تكليف الكفار بالفروع وهذه الرواية نظير