بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 322

الإسلام فيكون الأصل هو الإسلام. والحاصل إن الكفر لما كان عبارة عن عدم الإقرار بالشهادتين ممن له القابلية لذلك، وعليه فالأصل يقتضي عدم الكفر لأن الكفر على هذا عدم له حظ من الوجود فهو من الأمور الحادثة فالأصل عدمه نظير ما إذا شك في العمى فالأصل عدمه. نعم لو كان الكفر هو عدم الإسلام المطلق بأن كان التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب كانت إصالة عدم الإسلام تثبت الكفر؟ قلنا إن الأمور التي تكون من قبيل عدم الملكة كالعمى والأكوس والبليد لا يصح استصحاب أعدامها وإلا لزم التسلسل لأنها هي عبارة عن العدم المضاف فعدمه أيضا يكون مضافا إليه فيستصحب عدمه وهلم جرا، مضافا إلى انه عبارة عن العدم الأزلي نفسه لكنه لوحظ لوجود خاص فلا يصح أن يضاف له عدم آخر غير العدم الأزلي، سلمنا لكنك قد عرفت وجود الواسطة بين الإسلام والكفر فرفع أحدهما لا يوجب ثبوت الأخر.

هذا وقد يستدل من قال بأن مقتضى الأصل هو الإسلام وأن أصالة الإسلام هي الجارية عند الشك بأمور:

(أحدها):قوله تعالى: [فِطْرَت الله التي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا] مع ما في تفسيره من أنها فطرة الدين والإسلام والإيمان فيكون مقتضاه إن‌


صفحه 323

كل فرد من الناس فطرته فطرة إسلام ومن كفر فقد غير فطرته والنبوي المشهور عند الفريقين: (كل مولود على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه) وقد حكي استدلال الشيخ (رضى الله عنهم) به في طهارته على طهارة ولد الكافر المسبي مع أبويه.

(وثانيها): ما اشتهر روايته من (أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) وقد حكي استدلال الشيخ (رضى الله عنهم) به في طهارته على إسلام اللقيط.

(ثالثها): قوله تعالى من سورة النساء (آية: 118): [فَلَيُغَيِّرنَّ خَلْقَ الله‌] في ذم الكفار فإن الظاهر أن خلق الله كان على الإسلام ومن كفر فقد غير ما خلقه الله تعالى. وهذه الوجوه مخدوشة بأن ظاهرها كون كل مخلوق ومولود مولودا على فطرة الإسلام ولازم ذلك أنه لو كبر وبلغ وأظهر الكفر عدّ مرتدا وإن لم يعلم حال أبويه مع أنه لا يجري عليه أحكام المرتد قطعا بل اللازم أن يجري عليه أحكام المرتد الفطري لأنه مولود على الفطرة وحينئذ فلا يبقى للمرتد الملي مصداق أصلا إذ كل ما فرض فهو مرتد عن فطرة وهذا مما يحكم الإجماع والنصوص بفساده اللهم إلا أن يقال بل قد قيل أن الرواية بظاهرها دلت على أصالة الإسلام ولا ملازمة بينه وبين‌


صفحه 324

كون ذلك مرتداً أو مرتداً عن فطرة لأن لنا أن نقول إن الارتداد عبارة عن الخروج عن الإسلام ثابت بالإقرار بالبينة أو نحو ذلك لا بمجرد الأصل ولا مانع من ذلك ولو سلمنا أن الأصل قاض بإسلامه فيحكم بارتداده إذا أظهر الكفر لكن نمنع كون ارتداده عن فطرة نظرا إلى أن من شرطه العلم بإسلام أحد أبويه والأصل لا يثبت ذلك. ولو قيل كما أنك لاتحكم بارتداده عن فطرة لعدم علمك بشرطه فلا تحكم بالملية أيضا لأن من شرطه العلوق مع كفر أبويه وهو غير معلوم ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؟ فقد أجيب عن ذلك بأن الشك في ذلك يوجب نفي الأحكام المشكوكة بالأصل وأحكام المرتد عن فطرة من قتل وقسمة مال وزوال نكاح وغيرها على خلاف الأصل فتنفي حتى تثبت، وبالجملة البناء على أصالة الإسلام للخبر المذكور لا يستلزم المحذور المذكور إلا أن ضعفه الخالي عن الجابر مع ما يظهر من الأصحاب خلافه يمنع من العمل به مع أن الظاهر من هذه الرواية ونحوها هو أن كل مولود يصلح للإسلام لو خلي وطبعه حتى يهوّدانه أبواه. وكيف كان فهذه الروايات كالآية من المتشابهات لا ينبغي إتباعها في مقابل تلك الأدلة في إثبات الأحكام الشرعية. والحاصل إن الحق هو القول بأن الكفر عبارة عن الإنكار والجحود واعتقاد الخلاف فكل من الإسلام والكفر أمر وجودي والتقابل بينهما تقابل التضاد فكل منهما منفي‌


صفحه 325

بالأصل وليس شي‌ء منهما موافقا له فيكون هناك واسطة تسمى بالضلال كمن بلغ نائما أو ذاهلا أو لم يسمع صوت الحق والباطل أو كان مترددا في الترجيح ونحو ذلك فإن ذلك كله ليس بكافر ولا مسلم، وهذا القول هو الذي اخترناه وبيناه في الجزء الأول من كتابنا النور الساطع (ص 122) وهو المنسوب إلى المعتزلة إلا أن المرحوم المرزا فتاح ادعى أنه لم يحم من الأصحاب حوله.

الشرط الثامن: أن يكون المكلف به محل الابتلاء

قد اشتهر بين عامة الأصوليين أن شرائط التكليف أربعة البلوغ والعقل والقدرة والعلم وذكروا في مورد آخر أن اشتراط التكليف بالعلم به دوري غير معقول فيعلم من ذلك أنهم جمعوا بين ما هو شرط في أصل التكليف وفعليته وهو الثلاثة الأول وما هو شرط في خصوص الفعلية وهو الرابع غير أنهم لم يستوفوا شروط الفعلية حتى جاء أستاذ المحققين شيخنا العلامة المرتضى فنبه على شرط أخر لها وهو كون المكلف به محلا للابتلاء. وربما أمكن استخراج هذا الشرط من بعض مطاوي كلماتهم وإن لم ينصوا على عنوانه والمراد من كونه محلا للابتلاء أنه لو صار المكلف بصدد فعله أو تركه احتاج إلى داع يدعوه إلى ذلك فلو كان المورد مما لا يحتاج إلى ذلك فهو مما لا إبتلاء به ولا يتحقق لهذا العنوان مورد إلا في‌


صفحه 326

صورة الترك كما لا يخفى فيختص هذا الشرط بالنواهي، والسر في ذلك أن الأمر إذا تعلق بشي‌ء كان هو بنفسه سببا لكون فعل ذلك الشي‌ء محلا للإبتلاء بخلاف النهي فإنه أوسع من ذلك. وتحقيق المقام أنه لما كان النهي عن الشي‌ء الموجه إلى المكلف إنما هو من أجل أن يصير داعيا للمكلف نحو تركه لو لم يكن له داعٍ أخر من نفسه ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة أن يعرض له ابتلاءه به بما يحسن عقلا وعرفا معه نسبة الترك إليه فلا يعد قول القائل تركت هذا الشي‌ء لغوا ومن قبيل تركت الصعود إلى السماء وأما ما لا ابتلاء به بحسبها بالمعنى الذي عرفت فتركه حاصل بعدم ابتلاء المكلف به كترك بعض أذناب الرعية مثلا تزويج ابنة السلطان فإنه لو نسب تركه إلى نفسه عد من الهذيان بعدما كان داعي تركه عدم الابتلاء نفسه فليس للنهي عنه حينئذ موقعا أصلا ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل بل يكون من قبيل طلب الحاصل وهذا بعينه جار في الفعل أيضا فإن الأمر بما هو واقع من المكلف أو كالواقع لكثرة الابتلاء به لا موقع له أصلا بل هو أيضا من ذلك القبيل فمن أجل ذلك كان الابتلاء بالمنهي عنه شرطا في تنجز كل نهي على المكلف ولا يكفي مجرد العلم به فلو كان العلم به إجماليا كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لابد منه في تأثير العلم للتنجز فإنه من دونه، وإن علم التكليف إلا انه لا علم بتكليف فعلي لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به. ومنه‌


صفحه 327

قد انقدح لك أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر عن فعل شي‌ء وإنقداح طلب تركه في نفس المولى فعلا هو ما إذا صح إنقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال بحيث يكون اعراضه عن دعوة ذلك الداعي مصححاً لنسبة الترك إليه عرفا كما عرفت، ففيما علم كون المورد من موارد الابتلاء أو من موارد عدمه فلا اشكال ولو شك في ذلك كان المرجع هو البراءة لأنه قضية إشتراط التنجز به إطلاق الخطاب ضرورة أن الشك في كونه محلا للابتلاء شك في أصل تحقق الخطاب المطلق للشك في صحته فلا ريب في أنه لا مجال للتثبت به في مثل ذلك إلا إذا لم يكن سنخ القيد المشكوك فيه من هذا القبيل ويتحقق ذلك فيما إذا شك في التقييد بشي‌ء بعد الفراغ عن صحة الإطلاق وامكان تحققه من دونه لا فيما شك في اعتباره من القيود الذي يكون مرجع الشك فيه إلى الشك في إمكان تحقق الإطلاق وصحته تأمل لعلك تعرف إنشاء الله تعالى.

وتحقيق الحال وتنقيحه أن يقال إن التكليف لابد من وأن يكون متعلقه محل الابتلاء بأن يكون المتعلق في معرض الفعل والترك للعبد بأن يكون موجوداً عنده وقابلًا لطرد الإرادة له قبولًا قريباً بحيث لا يكون التكليف به لغواً وعبثاً فإنه لا يصح أن يكلف شخص بترك شرب الخمر وهو ليس لديه ولا بترك الزنا وهو في البادية ليس فيها


صفحه 328

إنس ولا جان فإن التكليف بذلك غير منجز عليه ولا فعلي عليه لكونه لغواً لا فائدة فيه كالخطاب بالاجتناب عن الأمور غير المقدوره بل هو قبيح عند العقلاء ويعدون الفاعل سفيهاً حيث إنه لا يصلح لبعث العبد نحو المطلوب. وهذا الشرط غير القدرة المعتبرة في التكاليف فإن الإنسان قد يكون قادراً على ترك الخمر وموجوداً عنده ولكنه لا يكلف به لأنه ليس محل إبتلائه واعتبار هذا الشرط في المحرمات واضح جداً لأن التكاليف التحريمية مشروطة بوجود موضوعاتها ومتعلقاتها فإذا حرم إهانة المؤمن لا يجب على العبد تحصيل المؤمن حتى لا يهينه بخلاف الواجبات فإنها مطلقة بالنسبة إلى وجود موضوعاتها ومتعلقاتها فإذا قال له (أكرم المؤمن) وجب عليه أن يوجد المؤمن فيكرمه إلا إذا كان غير مقدور عليه أو عليه حرج فيه فالتكليف منتفٍ عنه من جهة إشتراط القدرة وعدم الحرج بل ربما يمكن أن يقال إنه يشترط في متعلق الواجبات أن لا يكون محل الابتلاء فإن ما كان محلًا للابتلاء لا بد للعبد من أن يأتي به فيكون الأمر به لغواً، ولكن التحقيق إن بلغ محليته للابتلاء اللابدية من إثباته صح ما ذكروا وإلا فيصح التكليف به. وبهذا ظهر لك الميزان في كون الشي‌ء محلًا للابتلاء وعدمه هو قابليته لتعلق الإرادة به فعلًا وإن كان موارد الاشتباه في ذلك كثيرة كما ظهر لك أن هذا الشرط في النواهي دون الواجبات وأما عدم صحة تكليف الشخص بالزكاة


صفحه 329

وهو لا مال لديه فلأن التكليف مشروط بالنصاب وهو لا نصاب عنده وإلا لو فرض أن التكليف بالزكاة غير مشروط بشي‌ء كان على الشخص المذكور أن يحصل النصاب ولو بالتسكع ويدفع الزكاة.

وقد أورد المرزا محمد هاشم الخونساري على الدليل المذكور لاعتبار هذا الشرط بأن التكاليف الشرعية لا تنحصر الدواعي إليها في إتيان متعلقاتها حتى يقال إنها منتفية حتى عدم إرادة متعلقاتها فإن التحقيق عند العدلية أن التكاليف لا تكون إلا عن مصلحة أو مفسدة وهما قد يكونان راجعتين إلى المكلف وقد يكونان مرجعهما إلى أمر متعلق بالمكلف به نفسه من حيث وجوده وعدمه وقد يكونان مرجعهما إلى التكليف نفسه. نعم لو انحصر داعي التكليف في حصول الإمتثال أمكن صحة ما ذكر، ولا يخفى عليك ما فيه فإنه لو تم ذلك لصح التكليف بالمحال. مع أنه للمستدل أن يقول إن المراد هو إثبات عدم إرادة المولى إمتثال التكليف بغير محل الابتلاء بمعنى عدم تنجزه عليه في غير مورد محل الابتلاء وليس مراده نفي وجوده التكليف فلو فرض أن التكليف له فوائد أخرى غير الامتثال له تقتضي وجوده فوجوده لا يقتضي تنجزه بالنسبة إلى غير محل الابتلاء لحكم العقل بعدم بعثه نحوه لقبحه ولغويته، هذا مضافاً إلى أن التكاليف الشرعية لابد وأن تكون لمصالح ومفاسد قائمة بمتعلق التكليف نفسه تقتضي إتيانه وإمتثاله لأنها لا يعقل أن تكون عائدة