بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 325

بالأصل وليس شي‌ء منهما موافقا له فيكون هناك واسطة تسمى بالضلال كمن بلغ نائما أو ذاهلا أو لم يسمع صوت الحق والباطل أو كان مترددا في الترجيح ونحو ذلك فإن ذلك كله ليس بكافر ولا مسلم، وهذا القول هو الذي اخترناه وبيناه في الجزء الأول من كتابنا النور الساطع (ص 122) وهو المنسوب إلى المعتزلة إلا أن المرحوم المرزا فتاح ادعى أنه لم يحم من الأصحاب حوله.

الشرط الثامن: أن يكون المكلف به محل الابتلاء

قد اشتهر بين عامة الأصوليين أن شرائط التكليف أربعة البلوغ والعقل والقدرة والعلم وذكروا في مورد آخر أن اشتراط التكليف بالعلم به دوري غير معقول فيعلم من ذلك أنهم جمعوا بين ما هو شرط في أصل التكليف وفعليته وهو الثلاثة الأول وما هو شرط في خصوص الفعلية وهو الرابع غير أنهم لم يستوفوا شروط الفعلية حتى جاء أستاذ المحققين شيخنا العلامة المرتضى فنبه على شرط أخر لها وهو كون المكلف به محلا للابتلاء. وربما أمكن استخراج هذا الشرط من بعض مطاوي كلماتهم وإن لم ينصوا على عنوانه والمراد من كونه محلا للابتلاء أنه لو صار المكلف بصدد فعله أو تركه احتاج إلى داع يدعوه إلى ذلك فلو كان المورد مما لا يحتاج إلى ذلك فهو مما لا إبتلاء به ولا يتحقق لهذا العنوان مورد إلا في‌


صفحه 326

صورة الترك كما لا يخفى فيختص هذا الشرط بالنواهي، والسر في ذلك أن الأمر إذا تعلق بشي‌ء كان هو بنفسه سببا لكون فعل ذلك الشي‌ء محلا للإبتلاء بخلاف النهي فإنه أوسع من ذلك. وتحقيق المقام أنه لما كان النهي عن الشي‌ء الموجه إلى المكلف إنما هو من أجل أن يصير داعيا للمكلف نحو تركه لو لم يكن له داعٍ أخر من نفسه ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة أن يعرض له ابتلاءه به بما يحسن عقلا وعرفا معه نسبة الترك إليه فلا يعد قول القائل تركت هذا الشي‌ء لغوا ومن قبيل تركت الصعود إلى السماء وأما ما لا ابتلاء به بحسبها بالمعنى الذي عرفت فتركه حاصل بعدم ابتلاء المكلف به كترك بعض أذناب الرعية مثلا تزويج ابنة السلطان فإنه لو نسب تركه إلى نفسه عد من الهذيان بعدما كان داعي تركه عدم الابتلاء نفسه فليس للنهي عنه حينئذ موقعا أصلا ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل بل يكون من قبيل طلب الحاصل وهذا بعينه جار في الفعل أيضا فإن الأمر بما هو واقع من المكلف أو كالواقع لكثرة الابتلاء به لا موقع له أصلا بل هو أيضا من ذلك القبيل فمن أجل ذلك كان الابتلاء بالمنهي عنه شرطا في تنجز كل نهي على المكلف ولا يكفي مجرد العلم به فلو كان العلم به إجماليا كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لابد منه في تأثير العلم للتنجز فإنه من دونه، وإن علم التكليف إلا انه لا علم بتكليف فعلي لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به. ومنه‌


صفحه 327

قد انقدح لك أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر عن فعل شي‌ء وإنقداح طلب تركه في نفس المولى فعلا هو ما إذا صح إنقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال بحيث يكون اعراضه عن دعوة ذلك الداعي مصححاً لنسبة الترك إليه عرفا كما عرفت، ففيما علم كون المورد من موارد الابتلاء أو من موارد عدمه فلا اشكال ولو شك في ذلك كان المرجع هو البراءة لأنه قضية إشتراط التنجز به إطلاق الخطاب ضرورة أن الشك في كونه محلا للابتلاء شك في أصل تحقق الخطاب المطلق للشك في صحته فلا ريب في أنه لا مجال للتثبت به في مثل ذلك إلا إذا لم يكن سنخ القيد المشكوك فيه من هذا القبيل ويتحقق ذلك فيما إذا شك في التقييد بشي‌ء بعد الفراغ عن صحة الإطلاق وامكان تحققه من دونه لا فيما شك في اعتباره من القيود الذي يكون مرجع الشك فيه إلى الشك في إمكان تحقق الإطلاق وصحته تأمل لعلك تعرف إنشاء الله تعالى.

وتحقيق الحال وتنقيحه أن يقال إن التكليف لابد من وأن يكون متعلقه محل الابتلاء بأن يكون المتعلق في معرض الفعل والترك للعبد بأن يكون موجوداً عنده وقابلًا لطرد الإرادة له قبولًا قريباً بحيث لا يكون التكليف به لغواً وعبثاً فإنه لا يصح أن يكلف شخص بترك شرب الخمر وهو ليس لديه ولا بترك الزنا وهو في البادية ليس فيها


صفحه 328

إنس ولا جان فإن التكليف بذلك غير منجز عليه ولا فعلي عليه لكونه لغواً لا فائدة فيه كالخطاب بالاجتناب عن الأمور غير المقدوره بل هو قبيح عند العقلاء ويعدون الفاعل سفيهاً حيث إنه لا يصلح لبعث العبد نحو المطلوب. وهذا الشرط غير القدرة المعتبرة في التكاليف فإن الإنسان قد يكون قادراً على ترك الخمر وموجوداً عنده ولكنه لا يكلف به لأنه ليس محل إبتلائه واعتبار هذا الشرط في المحرمات واضح جداً لأن التكاليف التحريمية مشروطة بوجود موضوعاتها ومتعلقاتها فإذا حرم إهانة المؤمن لا يجب على العبد تحصيل المؤمن حتى لا يهينه بخلاف الواجبات فإنها مطلقة بالنسبة إلى وجود موضوعاتها ومتعلقاتها فإذا قال له (أكرم المؤمن) وجب عليه أن يوجد المؤمن فيكرمه إلا إذا كان غير مقدور عليه أو عليه حرج فيه فالتكليف منتفٍ عنه من جهة إشتراط القدرة وعدم الحرج بل ربما يمكن أن يقال إنه يشترط في متعلق الواجبات أن لا يكون محل الابتلاء فإن ما كان محلًا للابتلاء لا بد للعبد من أن يأتي به فيكون الأمر به لغواً، ولكن التحقيق إن بلغ محليته للابتلاء اللابدية من إثباته صح ما ذكروا وإلا فيصح التكليف به. وبهذا ظهر لك الميزان في كون الشي‌ء محلًا للابتلاء وعدمه هو قابليته لتعلق الإرادة به فعلًا وإن كان موارد الاشتباه في ذلك كثيرة كما ظهر لك أن هذا الشرط في النواهي دون الواجبات وأما عدم صحة تكليف الشخص بالزكاة


صفحه 329

وهو لا مال لديه فلأن التكليف مشروط بالنصاب وهو لا نصاب عنده وإلا لو فرض أن التكليف بالزكاة غير مشروط بشي‌ء كان على الشخص المذكور أن يحصل النصاب ولو بالتسكع ويدفع الزكاة.

وقد أورد المرزا محمد هاشم الخونساري على الدليل المذكور لاعتبار هذا الشرط بأن التكاليف الشرعية لا تنحصر الدواعي إليها في إتيان متعلقاتها حتى يقال إنها منتفية حتى عدم إرادة متعلقاتها فإن التحقيق عند العدلية أن التكاليف لا تكون إلا عن مصلحة أو مفسدة وهما قد يكونان راجعتين إلى المكلف وقد يكونان مرجعهما إلى أمر متعلق بالمكلف به نفسه من حيث وجوده وعدمه وقد يكونان مرجعهما إلى التكليف نفسه. نعم لو انحصر داعي التكليف في حصول الإمتثال أمكن صحة ما ذكر، ولا يخفى عليك ما فيه فإنه لو تم ذلك لصح التكليف بالمحال. مع أنه للمستدل أن يقول إن المراد هو إثبات عدم إرادة المولى إمتثال التكليف بغير محل الابتلاء بمعنى عدم تنجزه عليه في غير مورد محل الابتلاء وليس مراده نفي وجوده التكليف فلو فرض أن التكليف له فوائد أخرى غير الامتثال له تقتضي وجوده فوجوده لا يقتضي تنجزه بالنسبة إلى غير محل الابتلاء لحكم العقل بعدم بعثه نحوه لقبحه ولغويته، هذا مضافاً إلى أن التكاليف الشرعية لابد وأن تكون لمصالح ومفاسد قائمة بمتعلق التكليف نفسه تقتضي إتيانه وإمتثاله لأنها لا يعقل أن تكون عائدة


صفحه 330

للمكلف وهو الله تعالى لاستغنائه وعدم إحتياجه ولا في التكليف نفسه لأنها لو كانت قائمة بالتكليف فجعل التكليف مستمراً متعلقاً بهذا العمل دون العمل الأخر ترجيحاً بلا مرجح. فظهر أنها لا بد من وأن تتعلق بالمكلف به فتقتضي إتيانه. ودعوى أن الأوامر والنواهي إنما تتعلق بالطبائع الكلية لا بشرط شي‌ء دون المصاديق الجزئية وعلى هذا لا يقبح الخطاب بالكلي المعرى عن قيد الابتلاء وعدمه ويكون شمول المطلقات لصور غير الابتلاء على وجه سريان الكلي في الفرد وإتحاد كل منهما مع الآخر فاسدة! فإن الكلي بحكم العقل يكون مقيداً ومخصصاً بمحل الابتلاء فتكون الطبيعة المكلف بها هو الطبيعة المبتلى بها. ودعوى أن لازم ذلك كون الواقعة للمحرم حلال عند عدم الابتلاء بها وحرام عند الابتلاء بها إذ لا تخلو الواقعة عن حكم شرعي مدفوعة بأن الواقعة عند عدم الابتلاء بها لا حكم لها شرعي لعدم صحة الخطاب بها وما أشتهر من أن كل واقعة لا بد لها من حكم شرعي فالمراد هو الحكم الشرعي الشأني أو مرادهم عند الابتلاء بها. ودعوى أن البناء على هذا الشرط يلزم منه مخالفة أمور كثيرة ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع ففي مثل الصوم والحج والاعتكاف ونظائرها مما يعتبر فيه نية الإمساك عن أمور معينة أن تكون نية الامساك عن خصوص ما يبتلى به ففي الصوم ينوي الإمساك عن المأكولات المبتلى بها دون‌


صفحه 331

ما عداها وهكذا في المشروبات وفي هذا خروج عن قواعد الدين مدفوعة بأن الإمساك إذا كان هو الواجب نيته كان المقام من الواجبات وقد ذكرنا عدم إشتراط الابتلاء فيها وإن كان المحرم هو فعل تلك الأشياء فحكم العقل مخصص ومقيد لبي لها. ومن هنا يظهر لك الوجه في التمسك بالعام عند الشك في كون المورد محل ابتلاء أم لا لما تقرر في محله من التمسك بالعام عند الشك في المخصص اللبي.

الشرط التاسع: عدم الحرج‌

يشترط في الحكم الشرعي عدم الضيق والحرج ويدل عليه إجماع أصحابنا عليه وهو الظاهر من عبارة المختلف بل ظاهر بعضهم إجماع المسلمين على ذلك. لا يقال لا نسلم ذلك فأن جمعاً من أعيان الأصحاب كالسيد والشيخ وغيرهما اختاروا في الفقه مذاهب مستلزمة للحرج والعسر، لأنا نقول ليس ذلك مستلزماً لمنع أصل القاعدة لجواز أن يكون مذاهبهم مستندة إلى أدلة خاصة أوجبت عندهم تخصيص القاعدة ومن الظاهر أن هذا لا يقدح في صحة القاعدة وإلا لارتفع الوثوق بكثير من القواعد لتطرق التخصيص إليها في نظر الأصحاب وبطلان التالي في غاية الوضوح. نعم عن الشيخ الحر العاملي في كتاب الفصول المهمة ترك العمل‌


صفحه 332

بالقاعدة كلية وإنكارها رأساً ولا ريب في أن مخالفته لا تضر بالإجماع المتقدم على زمانه لحصوله قبل مخالفته، نعم ربما يقال إن هذا الإجماع غير كاشف قطعي عن رأي المعصوم إذ لعله كان مستنداً للأدلة النقلية على ذلك التي سيجي‌ء إن شاء الله نقلها ولكنه لا ريب في أنه مؤيد للأخبار ومؤكد لصحتها. ويدل عليه من الكتاب هو ما تمسك به في المعتبر والإيضاح والمدارك وكشف اللثام وغيرها من قوله تعالى: [وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ‌]، ومنها قوله تعالى: [لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا] ومنها قوله تعالى: [وَلا تَحْمِلْ علينا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهً عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لا طاقَةَ لَنا بِهِ‌]، ومنها قوله تعالى: [مَا يُريدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ‌]، ومنها قوله تعالى: [يُرِيدُالله بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]. ويدل عليه من السنة أخبار كثيرة بالغة حد التواتر المعنوي: منها ما تمسك به في المختلف والحدائق وغيرهما من النبوي المرسل بعثت بالحنفية السمحة السهلة، ومنها صحيح هشام عن أبي عبد الله (ع) قال: إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، ومنها صحيحته الأخرى عن الصادق (ع) قال ما كلف العباد إلا ما يطيقون وإنما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات وكلفهم في كل مآتي درهم خمسة دراهم وكلفهم صيام شهر رمضان في السنة وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك إنما كلفهم دون‌