بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 339

إذا كانت فيه مصلحة مهمة ملزمة فهل ترى أن العقلاء يقبحون المولى إذا ألزم عبده بإجراء عملية شاقة له لبرئه من المرض. وأما اللطف فإنا نسلم أنه يجب للتقرب للطاعة والبعد عن المعصية لا أنه يجب في رفع الطاعة فإذا كان مصلحة ملزمة في العمل ليس من اللطف رفع التكليف بها وإنما اللطف هو إيجاد ما يقرب لطاعة التكليف بها ويبعد عن معصية التكليف بها وإلا لوجب عدم نوع التكاليف وأغلبها لأنه أيضاً يبعد العبد عن المعصية ويقرب للطاعة. وأما رحمة الله تعالى بعباده ورأفته بمخلوقاته فهي لا تقتضي رفع التكليف إذا كان فيه مصلحة ملزمة تنفع العبد فإنه لا تستحسن الرأفة والرحمة من الأب لابنه بترك تعليمه الكتابة والقراءة إذا كان فيها صعوبة على الابن فالله تعالى أيضاً لا يستحسن فيه ذلك ولذا حكم العقل بوجوب التكليف منه على العبد فيما فيه مصلحة ويمكنه فعله. ثم أنه ينبغي لتنقيح هذه القاعدة التكلم في مقامات:

المقام الأول: في الألفاظ المستعملة في هذه القاعدة

أنه قد جاء في أدلة هذه القاعدة من الآيات الشريفة والأخبار الجليلة ألفاظ هي الحرج والعسر والضيق والإصر والطاقة والسعة والاستطاعة. فالحرج الضيق كما ذكرته كتب اللغة وفسرته بعض الأخبار المتقدمة، والعسر هو نقيض اليسر وهو الصعوبة، والضيق‌


صفحه 340

هو المشقة فإن معنى ضاق عليه الأمر هو أن يكون عليه فيه مشقة، والإصر هو الأمر الثقيل، والطاقة هي القوة، والسعة هي خلاف الضيق وهي القدرة على الشي‌ء من دون مشقة عليه، والاستطاعة هي القدرة. وفي المحكي عن المجمع [مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] أي قدر على ذلك و [لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً] أي لن تقدر على ما أفعل.

المقام الثاني: ما يورد على هذه القاعدة

أنه قد يناقش في هذه القاعدة بوجوه:

أحدها: إن في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة الشاقة كالحج والجهاد وقبول الإسلام للمعاند فإنه قد يفضل قتل نفسه على قبوله وتمكين النفس من القصاص والحدود والزكاة والدية على العاقلة والصوم في اليوم الشديد الحر فكيف ينفي الحرج عن الشريعة؟ وقد أجيب عنها بعدة أجوبة:

الأول‌: ما عن النراقي وغيره من أدلة قاعدة الحرج مخصصة بتلك الأمور كما في سائر العمومات المخصصة في الكتاب الكريم وليس في ذلك أدنى إشكال إلا ترى أن قوله تعالى: [وَأُحِلَ‌لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ‌] وقد خصص بكثير من الأشياء ولم يرد عليه من أحد أي أشكال. وفيه إن لسانها آب عن التخصيص كما هو ظاهر


صفحه 341

كلام صاحب العناوين لورودها في مقام المنة، ويؤيد عدم تخصيصها أن الأصحاب في مقام الاستدلال بها لم يشيروا إلى جواز تخصيصها بقولهم: (إلا ما خرج بالدليل) مع أن طريقتهم في التمسك بالعمومات الجارية مجرى القاعدة يذكرون مثل ذلك الاستثناء، وهذا مما يدل على أنها غير قابلة للتخصيص مضافاً إلى ظهور أدلتها في عدم التخصيص فإن قوله (ص): (بعثت بالحنيفية السهلة السمحة) ونحوه ظاهر في عدم وجود الحرج في الشريعة الإسلامية إذ ليس المراد منه أن في هذا الدين أشياء سهلة وأشياء صعبة بالغة حد الحرج وإلا لكان الدين حرج وليس بالسهل فإن المركب الاعتباري يتبع أحسن أجزائه. هذا مضافاً إلى أنه لو أدعى عليها حكم العقل ولو من جهة اللطف كما تقدم فهي غير قابلة للتخصيص لأن حكم العقل غير قابل للتقييد والتخصيص وهكذا الحال لو كان الإجماع قد قام عليها فإن الإجماع دليل لبي أيضاً غير قابل للتخصيص ومما يؤيد عدم قابليتها للتخصيص أن الشارع لم يرض في بعض الأمور الجزئية العسر والحرج كما في الطهارة ونحوها فبالطريق الأولى أنه لا يرضى بما هو الأصعب منها، ومما يؤيد عدم قابليتها للتخصيص احتجاج الإمام (ع) لنفي التكليف بهذه القاعدة فإنه مما يدل على إمكان تخصيصها وإلا كان للخصم أن يدعي أنها محتملة التخصيص بذلك التكليف والدليل إذا تطرقه الإحتمال بطل فيه الاستدلال. ويؤيد


صفحه 342

عدم قابلية أدلتها للتخصيص هو إشتمال أدلتها على أن الحرج ثابت في الشرائع السابقة وأن الله تعالى قد خص هذه الشريعة برفع الحرج عنها كقوله تعالى: [رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ علينا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهً عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا] وما ورد من الأخبار في بيان التكاليف الشاقة التي كانت على بني إسرائيل وما في حديث المعراج من قول موسى (ع) لنبينا (ص): (إن أمتك لا تطيق ذلك) وغير ذلك من أدلة نفي الحرج مما فيه دلالة أو إشارة إلى أن رفع الحرج من خواص هذه الشريعة دون باقي الشرائع فإن هذا إنما يكون من خواص شريعتنا إذا لم يكن فيها حرج أصلًا وإلا لو وجد فيها حرج لكانت كسائر الشرائع لأن باقي الشرائع ليست كل أحكامها حرجية وإنما يوجد فيها بعض الأحكام الحرجية فلو كانت شريعتنا كذلك لما كان هذا الأمر وهو رفع الحرج بهذا النحو من خواص شريعتنا. إن قلت إن المراد بتلك الأخبار أن التكاليف للأمم السابقة بالنسبة إلينا فيها حرج وأما بالنسبة إليهم فلا حرج فيها عليهم كما تشهد بذلك كتب التأريخ والسير لما فيها من بيان بسطة أجسام الأوليين وشدة شكيمتهم وتحمل طاقاتهم لصعاب الأمور وشدائدها فلا تدل أخبار القاعدة على هذا التقدير على إختصاص شريعتنا بنفي الحرج قلنا؟ هذا خلاف ظاهرها بل وصريحها لدلالتها على وجود الحرج عندهم واختصاص المسلمين بنفيه عنهم. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن‌


صفحه 343

ورودها في مقام المنة لا يلزم منه إبائها عن التخصيص في مورد تكون المنة بتخصيصها فإن كثيراً من العمومات ما وردت في مقام المنة ولكنها مخصصة لوجود المصلحة المهمة التي هي أعظم من فائدة المنة والتسهيل والترخيص على العبد كما في أدلة أصل البراءة فإنها مع ورودها في مقام المنة ولكنها خصصت بكثير من الموارد كما فيما قبل الفحص في الشبهات الحكمية وكما في الدماء والفروج في الشبهات الموضوعية عند بعضهم، وأما عدم إشارة الأصحاب إلى تخصيصها فهو ديدنهم في ذلك ألا ترى أن من يستدل بقاعدة اليد أو البراءة يذكر ذلك الاستثناء ويقول: (إلا ما خرج بالدليل) نعم الشاذ النادر من المتأخرين يستعمل هذه الكلمة. وأما ظهور أدلتها في عدم التخصيص فهو من قبيل ظهور العمومات في عدم المخصص قدم المخصص لها فلو ظفر بالمخصص على ذلك الظهور. وأما دعوى أن (الحنيفية) و (الدين) إسم لمجموع التكاليف فإذا نفي الحرج عنهما كان نفياً عن المركب الاعتباري فلو وجد تكليف حرجي لم يصح النفي غير مسلمة، مضافاً إلى أن المركب الاعتباري لا يتبع أحسن أجزائه فالوجه الجميل لا يضر في جماله لو صار في بعض صغير منه نقطة سوداء والطريق لا يضر بسهولته ولو كان قطعة صغيرة جداً فيها وعورة. والحاصل أن ذلك لو سلم فهو يوجب الظهور وهذا الظهور نظير ظهور العمومات في مداليلها والألفاظ في معانيها


صفحه 344

ولا ريب في أنه يقدم عليه المخصصات والقرائن الدالة على خلاف المراد وأما دلالة العقل عليها فهو خلاف رأي أغلب الأصحاب وأكثرهم. والحق معهم فإن العقل لا يقبح التكليف الشاق ليحصل المكلف منفعة عظيمة وفائدة جسيمة كما في تكليف الطبيب المريض من العمليات الصعبة والحمية غير السهلة لفائدة الصحة ولا يقبحون العقلاء ولا العقل له بهذا التكليف، كيف والوجدان للتكاليف الشاقة كالصوم عند شدة الحر يكذب هذا البرهان نعم التكليف بما لا يطاق يقبحه العقل. ووجوب اللطف على الله تعالى إنما هو لتقريب العبد إلى الطاعة بإتيان ما فيه المصلحة الملزمة فهو لا يقتضي سقوط التكليف عما فيه المصلحة الملزمة وإلا لاقتضى سقوط سائر التكاليف لأن بسقوطها يبعد العبد عن المعصية. كيف ووجود التكاليف الشاقة كالجهاد ونحوه أدل دليل على عدم جريان قاعدة اللطف في المقام. وأما دعوى ظهور أدلة القاعدة في إختصاصها بهذه الأمة ووجود الحرج فيها ينافي الإحتصاص بها فهي غير مسلمة ولو سُلمت فلعل الفرق بالأغلبية وعدمها فالأمم السابقة يكون أغلب تكاليفها شاقة فكانت عسرة بمجموعها وأمتنا قليل نادر فيها ذلك فكانت سهلة لأن المجموع يتبع أغلب أفراده في العسر والسهولة كما يمكن أن يكون المراد إختصاص أمتنا وديننا ينفي أقوى درجات المشقة عنا بخلاف باقي الأمم والأديان فإنه يوجب فيها التكليف بأقوى درجات المشقة


صفحه 345

كما يحكى عن اليهود أنهم كلفوا بقرض ما يصيبه البول من أبدانهم فإنه مثل هذه التكاليف بهذه المشقة لا توجد في الدين الإسلامي بل كلفوا بما ليس فيه المشقة وهو غسل موضع البول. إن قلت على هذا يجوز تخصيص هذه المرتبة الشاقة من عمومات نفي الحرج؟ قلنا نعم ولكن الجواز لا يستدعي الوقوع ونحن نقول أن المرتبة الشاقة واقعة في الأمم السابقة دون أن تقع في أمتنا وإن جاز وقوعها لكنها غير واقعة فالحق أن القاعدة قابلة للتخصيص بلا كلام.

إن قلت إن لسان أدلة القاعدة لسان حكومة وتفسير لأدلة الأحكام الشرعية فهي تقدم حتى على المخصص لها؟ قلنا الأدلة التي لسانها لسان حكومة إنما يكون لها حكومة وتفسير ونظر للأدلة المعارض لها بالعموم من وجه وأما الأدلة التي هي أخص منها فلا حكومة لها عليها وإلا لزم إلغاء تلك الأدلة التي هي أخص منها لانتفاء المورد لها فلا يمكن أن تكون ناظرة إليها ومفسرة لها لأن مفسر الشي‌ء لا يلغيه. وأما دعوى أن الإجماع عليها يقتضي عدم تخصيصها فهي منتهى الغرابة فإن معاقد الإجماعات قد تكون بعض العمومات والقواعد على نفسها وأصل وجودها وعلى ما هي عليه في الواقع من التخصيص والتقييد فيجمعون على أصل قاعدة الطهارة نفسها ويجمعون على أصل قاعدة اليد ونحوها من دون نظر إلى شرائطها وخصوصياتها.


صفحه 346

وأما دعوى أن عدم رضا الشارع بالحرج في أبسط التكاليف يدل على عدم رضائه بالحرج فيما هو الأصعب منها، ففيها أنه من المحتمل عدم رضائه في تلك لمصالح خاصة لا لكونها حرجة صعبة ولو سلم فلعله لم يرض في إرتكاب هذا العسر في هذا المقام ورضي في غيره لمصالح قد خفيت علينا فالمتبع هو الدليل المخصص للقاعدة وأما إحتجاج الإمام (ع) في بعض الأخبار بالقاعدة لنفي التكليف العسر فهو كإحتجاجهم (ع) بسائر العمومات على بعض المقامات فإن العموم بنفسه حجة معتبرة ما لم يثبت المخصص. من هذا ظهر لك أن القاعدة إذا تعارضت مع أدلة الأحكام وكانت أدلة الأحكام أخص منها قدمت على القاعدة.

الجواب الثاني:عن هذه المناقشة الأولى ما ذكره صاحب العناوين واستظهره من كلام المحقق القمي (ره) ونسبه للعلامة الطباطبائي (ره) من أن ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة كالحج والجهاد والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس والدية على العاقلة ونحوها فليس شي‌ء منها من الحرج في شي‌ء فإن العادة قاضية بوقوع مثلها والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكلف ومن دون عوض كالمحارب للحمية وللعوض اليسير كما لو أعطي أجرة على ذلك فإنا نرى الكثير يفعلون ذلك بشي‌ء يسير. وبالجملة فما جرت العادة بالإتيان بمثله والمسامحة فيه وإن كان عظيماً في نفسه كبذل‌