التكاليف وإطلاقها من جهة أن أدلة الحرج سواء قلنا أنها مخصصة لأدلة التكاليف أو مقيدة لها أو حاكمة عليها لما كانت منفصلة لم يسر إجمالها إلى أدلة التكاليف كما قررناه في بحث المخصص المنفصل، ولا يصح التمسك بأصالة عدم الحرج وعدم العسر كما يحكى عن بعضهم إذ مع عموم أدلة التكاليف وإطلاقها لا وجه للرجوع للأصل العملي مضافاً إلى أنه مع الشك في المعنى لا يحرز عدمه في السابق حتى يستصحب هذا كله عند الشك في صدق الحرج والعسر من جهة الشك في مفهومهما وإذا شك في الحرج والعسر من جهة إشتباه الأمور الخارجية بأن كانت الشبهة مصداقية فالمرجع هو الأصول العملية ولا يصح الرجوع لعمومات التكليف لأنه يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.
المقام السادس: في الموارد التي لا تجري القاعدة فيها
إنك قد عرفت فيما تقدم أن قاعدة الحرج مقدمة على سائر التكاليف الإلزامية سواء كانت تحريمية أو وجوبية نفسية أو غيرية تعبدية أو توصلية عينية أو كفائية تبعية أو أصلية نعم وقع الكلام في أمور:
أحدها: في الوجوب التخييري إذا كان أحد أفراده عسراً كما إذا فرض أن عتق الرقبة عسراً لمن كلف على سبيل التخيير بينه وبين
الإطعام والصوم كما اتفق في عصرنا هذا فهل تنفي قاعدة الحرج الوجوب التخييري عن هذا الفرد العسر أم لا؟ مقتضى أنها واردة في مقام المنة أن تكون غير نافية له إذ لا منة في رفعة لإمكان المكلف أن لا يأتي به، مضافاً إلى أن الظاهر من أدلتها هو عدم إيقاع الشارع العبد في الحرج والعسر بتكليفه إياه وطلبه منه.
ثانيها: المحرمات العسرة بدعوى أنا لو تمسكنا بقاعدة الحرج فيها للزم التسويغ لسائر المحرمات الشرعية حتى النفوس والأعراض والأموال وذلك يلزم منه فقهاً جديداً فلا بد من تخصيص القاعدة بها ولا يخفى ما فيه فأنا لا نسلم ذلك فإن في ترك أغلب المحرمات لا يلزم العسر والحرج فالتمسك بالقاعدة في رفع حرمة العسر منها لا يلزم منه فقهاً جديداً فلا بد من تخصيص القاعدة بها، ولا يخفى عليك ما فيه، فإنا لا نسلم ذلك فإن في ترك أغلب المحرمات لا يلزم العسر والحرج فالتمسك بالقاعدة في رفع حرمة العسر منها لا يلزم منه فقهاً جديداً. والأولى أن يعلل ذلك بإجماع الفقهاء على عدم إجرائها في المحرمات وأنها مخصصة بها وإنما تجري قاعدة الإضطرار فأكل الميتة ونحوه من المحرمات لا يجوز وإن صار تركه فيه حرج وعسر وإنما يجوز إذا أضطر إليه.
ثالثها: التكاليف العسرة التي طبيعة متعلقاتها شاقة وعسرة كالجهاد والحج والصيام فإنه لابد من تخصيص القاعدة بها وإلا لزم
عدم وجود مورد لها، نعم يتمسك بالقاعدة في نفي التكليف عن بعض أفرادها التي تكون فيها حرج أزيد إذا قيست بالنسبة للأفراد الأخر من متعلقاتها. فالقاعدة مثلًا يتمسك بها في نفي الوجوب عن بعض أفراد الجهاد التي يكون فيها حرج أزيد من حرج باقي أفراد الجهاد كما لو كان المكلف مريضاً.
رابعها: التكاليف العسرة غير الإلزامية كالإستحباب والكراهة فإنها لو تعلقت بأمور عسرة فالقاعدة لا تنفيها ولا ترفعها. وذلك لما عرفت من أنها مجعولة في مقام المنة وليس من المنة رفع إستحبابها مع تمكن العبد من تركها والمصلحة في فعلها ولما عرفت من أن الظاهر من أدلتها هو عدم إيقاع الشارع العبد في الحرج والعسر بتكليفه إياه وطلبه منه ومن هنا يتضح لك أن أدلة الإباحة لا تشملها القاعدة لأن لازم ذلك رفع الإباحة عن أفرادها وهو خلاف المنة هذا كله مضافاً لقيام الإجماع على إستحباب العبادات الشاقة العسرة كصوم الدهر عدا العيدين والمسير إلى الحج ماشياً كما صنعه الحسن (ع) وإحياء الليل بالعبادة كما يصنعه المتقون الزاهدون.
خامسها: التكاليف العسرة التي إلتزم المكلف بها إبتداء بإختياره لا بإلزام الشارع بها كما لو نذر أو أجر نفسه على أمر عسر كقيام الليل بالعبادة أو المشي للحج فإن القاعدة لا ترفعها وقد نسب لجملة من الأصحاب منهم الشيخ الأنصاري (ره) أن قاعدة العسر
ترفع وجوب الوفاء وتمنع من إنعقاد النذر لمجرد كون المنذور عسراً وحرجاً وإن كان المنذور راجحاً مستدلين على ذلك بأن عموم ما دل على نفي الحرج يقتضي اختصاص ما دل على وجوب الوفاء بالنذر وشبهه من العقود بما لا يستلزم الحرج ولا مخصص لذلك العموم. والظاهر أن الوجه هو عدم رفعها لها وفاقاً لظاهر كلمات القوم في باب نذر الحج لما ذكرناه غير مرة من أن القاعدة واردة في مقام الإمتنان وليس من المنة على الإنسان رفع إلتزامه بشيء في حين أنه راغب وطالب للإلتزام بهذا الشيء هذا مضافاً لما سبق أيضاً من أن أدلة الحرج ظاهرة في عدم إيقاع الشارع العبد في الحرج بواسطة التكليف المجعول من الشارع وهنا الشارع لم يوقع العبد في الحرج وإنما هو أوقع نفسه به.
سادسها: التكاليف العسرة التي أوقع المكلف نفسه بها بسوء إختياره كما لو فعل ما يوجب الكفارة وكما لو جامع في البرد الشديد مع دخول الوقت فإن أدلة نفي الحرج لا ترفع وجوب الغسل عليه لكونه هو أوقع نفسه في هذا العسر. وقد عرفت أن أدلة الحرج إنما تدل على أن الشارع لم يوقع العبد في الحرج أما إن العبد إذا أوقع نفسه في الحرج فالأدلة غير ظاهرة في رفع التكليف بذلك الحرج ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من وجوب الغسل على المريض الذي أجنب متعمداً مع تعسر الغسل عليه وإن أصابه ما أصابه. ومن أجل ذلك اعترض بعضهم على إبطال الإحتياط بلزوم الحرج عند
كلامهم في مقدمات الإنسداد بإن لزوم الإحتياط إنما هو من جهة إشتباه الأحكام وإختفائها وهو مستند لتقصير المكلفين بحفظ الأحكام وتبلغيها فلا يشمله دليل نفي الحرج ويؤيد ذلك ما ورد من أن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال ومن هنا ظهر لك وجه عدم شمول أدلة نفي الحرج لوجوب الحد أو القصاص أو التعزيز وإن كانت بمنتهى الحرج لإيقاع العبد نفسه فيها بسوء إختياره. واعترض على ذلك المرحوم الإشتياني (ره) بأن الذي يقتضيه النظر في كلماتهم هو شمول قاعدة نفي الحرج للمقام وعدم الفرق بين القسمين لأن إيجاد الجنابة لا تعلق له بوجوب الغسل والمكلف إنما صار سبباً لإيجاد الموضوع وهو الجنابة وأما الحكم فهو مجعول من الشارع بالجعل الابتدائي. ولا يخفى عليك ما في كلامه من الوهن فإنه لا ينكر أن ظاهر الأدلة لقاعدة الحرج هو عدم جعل الشارع للحكم الحرجي للمكلف بمعنى عدم إيقاعه في التحرج كما هو مقتضى المنة ومع إيجاد المكلف السبب باختياره فيكون هو أوقع نفسه في التحرج ولذا لا يعد العقلاء العقاب الصارم والعذاب الشديد على الجريمة بعد الوعد عليه بفعلها أنه خلاف المنة.
سابعها: الأحكام العسرة المتولدة من أمر الشارع بإطاعة الشخص كتكليف الشارع الولد بإطاعة والديه والعبد بإطاعة مولاه فإنه ربما يقال بأن أدلة الحرج لا تشملها لو كانت حرجة فإذا كلف
المولى عبده بتكليف شاق وجب على العبد الإتيان به شرعاً ولا تشمله قاعدة نفي الحرج لأنه لم يكن هذا التكليف من الدين وإنما كان من مولاه أو من أبيه. وفيه: إن القاعدة تشمل ذلك لأنه يرجع إلى تكليف الشارع به وجعله له على حد سائر التكاليف الشرعية الحادثة بأسباب شرعية كوجوب الغسل عند المقاربة والصلاة عند الزوال وفيما نحن فيه يكون وجوب العمل قد حدث بسبب أمر المولى نعم لو كان العبد كافراً جاز إلزامه بما فيه الحرج لأنه ليس أهلًا للمنة.
ثامنها: الأحكام الحرجية على العبد من جهة خبث نفسه وفساد خلقه فإن القاعدة المذكورة لا ترفعها فمن كان التكليف بالزكاة عليه عسر وحرج من جهة شدة بخله ومن كان التكليف بالغسل حرج عليه من جهة شدة قذارته ومن كان التكليف برد السلام حرجاً عليه لسوء خلقه فالقاعدة لا ترفعه عنه وذكروا أن الوجه في ذلك هو أن المتبادر من أدلة القاعدة هو الحرجية والمشقة الحاصلة من جهة ضعف البدن أو صعوبة العمل في نفسه لا من جهة خبث الأخلاق ورذالة النفوس لأن المشقة في ذلك ناشئة من قبل المكلف لا من قبل التكليف فالتكليف حينئذ لا يعد حرجياً ولا يخفى عليك ما فيه فإن الحرجية الناشئة من قبل المكلف تشملها أخبار القاعدة ألا ترى أن المريض يكون بعض التكاليف فيها حرج عليه
والقاعدة تشمله، ويستدل بها على رفعها منه نوع الفقهاء بل رواية عبد الأعلى مولى آل سام صريحة في ذلك والحق يقال أن الوجه في ذلك أن أخبار القاعدة لما كانت واردة في مقام المنة كانت غير شاملة للتكاليف الحرجة من جهة خبث نفس المكلف إذ ليس من المنة على العبادة أن يسامح مثل هذا المكلف فأنه بذلك تقوى خباثة نفسه وشرها.
المقام السابع: أنه لو خالف العبد في عبادته قاعدة الحرج فهل تقع صحيحة أم لا
؟ جمهور علمائنا الأعلام بل ظاهر بعضهم دعوى الإجماع على مشروعية العبادات الواجبة التي قد أرتفع وجوبها بقاعدة نفي الحرج كالطهارة الحرجية والصلوات بكيفية حرجية والصوم الحرج والحج الحرجي فالعبد لو أتى بالغسل الحرجي أو الوضوء الحرجي أجزأه ولا يجب عليه التيمم ولو أتى بالصلاة قائماً أو راكعاً وكان في ذلك حرج عليه أجزأه عن الصلاة جالساً ولو صام مع الحرج عليه في صومه أجزأه ولم يجب عليه القضاء، وهكذا لو حج بكيفية حرجية إلى غير ذلك. وقد حكي عن جدي كاشف الغطاء (قدس سره) فساد العبادة الحرجية ولا يحضرني كتابة المذكور لأني في الكوفة عند كتابتي هذه الأسطر كما أنه قد حكي عنه (ره) وعن صاحب
الفصول إبتناء هذه المسألة على المسألة الأصولية المعروفة وهي أن بزوال الوجوب يزول جنسه وهو الجواز أو يزول فصله فقط ويبقى جنسه وهو الجواز وحيث أن الحق عندنا هو عدم بقاء الجنس بعد زوال الفصل كما حققناه في كتبنا المنطقية إذ لابد لنا أن ننظر للمسألة من جهة أخرى ونقول إن أدلة قاعدة الحرج لما كان لسانها لسان الأذن والسماح في ترك إمتثال التكاليف الحرجية لا إلزام بترك إمتثالها كان للعبد أن يمتثلها وهذا نظره جاري في التكاليف العرفية غير الشرعية فإن للمولى أن يسمح لبعض عبيده بترك إمتثال أوامره لبعض الحالات فلو أتى به ذلك العبد عد من أحسن العبيد طاعة ويكون أقرب له منزلة ولهذا كان أفضل الأعمال أحمزها. ولا يقال إن هذا الأذن والسماح ينافي التكليف الإلزامي؟ لاننا نقول إنما ينافي لو كان في مرتبته ولكنه في مرتبة متأخرة عن التكليف لأنه إنما كان في مرتبة إمتثاله وهي متأخرة عن التكليف نظير عصيان التكليف. نعم ربما يقال بأن التكليف الإلزامي يكون فيه الإرادة التامة للشيء فكيف يجتمع مع الأذن في تركه فلا بد أن يكون في مورد الحرج لا تكليف فلا يتأتى قصد القربة؟ قلنا التكليف والإرادة يكونان موجودين من ناحية المولى لتمامية شروطهما ولكن الإمتثال الذي هو من ناحية العبد للمولى أن يتصرف في وجوده ولا يوكله لعقل العبد فتارة يكتفي بالميسور من العمل وأخرى يكتفي ببدله وأخرى يكتفي