المراد ان إختيار الزوج السفيه والزوجة السفيهة راجع لهما ولكن يكون بإذن المولى عليهما لئلا يكون الاختيار واقعاً على من هو ضرر عليهما ومضراً بمستقبلهما وبعد وجود الإجماع لا مجال للتمسك بالروايات المذكورة أو غيرها على إستقلال ولاية الحاكم الشرعي في تزويجهما ويؤكد الإجماع على ذلك إكتفاء العلماء في باب شرائط المتزوجين في النكاح بالبلوغ والعقل والحرية وتفريعهم على ذلك عدم صحة عقد الصبي والصبية والمجنون والمجنونة والسكران والعبد فقط من غير التعرض لذكر السفيه أصلًا وتفريعهم عدم صحة التصرفات المالية من السفيه في باب المعاملات على إشتراط الرشد.
ولاية المجتهد على المغمى عليه والسكران:
ومنها ولاية الحاكم الشرعي على المغمى عليه والسكران لان الأدلة الدالة على ولايته على المجنون بتنقيح المناط أو الأولوية.
الشك في العقل والجنون:
العقل والجنون موضوعان معروفان ومع الشك فيهما فإنْ كانت الشبهة مفهومية فالمرجع هو عموميات الأحكام كما هو الشان في المخصصات المجملة مفهومها إذا كان الأمر دائراً بين الأقل والأكثر وان كان دائراً بين المتباينين فالمرجع هو الأصول، وان كانت الشبهة
مصداقياة فان علم بالحالة السابقة فالمرجع هو إستصحابها وان لم يعلم بالحالة السابقة وكان الشك إبتداءاً فالأصل ان يكون عاقلًا لأصالة عدم العيب وأصالة السلامة فإنه أصل عقلاني يعمل به العقلاء وقد تمسك به بعضهم فيما لو شك في كون الدم حيضاً أو غيره في إثبات كون الدم حيضاً وان علم بوجود كل منهما فيه ولكن لا يعلم أيهما أسبق على الآخر فالمرجع هو الأصول ولا يجري إستصحاب كل منهما ولا إستصحاب عدمه للمعارضة بينهما لان كلًا منهما له أثر شرعي.
الشرط الثاني للحكم والتكليف (القدرة):
الشرط الثاني القدرة على الفعل والترك والقوة عليهما بحيث ان شاء فعل وان شاء ترك ويقابلها العجز وإشتراط ذلك في التكليف مما يدل عليه الأدلة الأربعة اما الكتاب فقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْساِإّلا وُسْعَها] ونحو ذلك من الآيات الكثيرة وأما السنة فأخبار كثيرة بل هي متواترة وأما الإجماع فان الشيعة الإمامية مطبقة على ذلك وأما العقل فلحكمه يقبح التكليف بغير المقدور وقد ثبت عندنا بالحجج القاهرة الباهرة ان الحكيم منزه عن القبيح العقلي ان قلت كيف كلف أبا لهب بالإسلام مع انه يعلم انه محال في حقه؟ قلنا
الإسلام ليس بمحال عليه بل هو ممكن له ولكنه لم يفعله والنبي (ص) إنما أخبر بعدم فعله للإسلام لكن هذا لا يرفع قدرته عليه إذ يمكنه ان يسلم والنبي (ص) يخبر بحدوث إسلامه كما هو شان سائر الكفار الذين أسلموا فإنهم حال كفرهم يخبر عنهم بأنهم في جهنم وأنهم كفار ولكنهم لو أسلموا إنقلب هذا الحكم ويكونون فعلًا من أصحاب الجنة وليسوا بكفار ولا فرق في ذلك بين كون عدم القدرة ذاتياً كما في الجمع بين النقيضين والضدين أو عرضياً كما في الهرم بالنسبة إلى المشي ومن أقلعت عيناه بالنسبة إلى الإبصار وكذا لا فرق في ذلك بين ان تكون منشأ سلب القدرة آفة سماوية أو حادثة اختيارية كمن قطع يده بإختيار منه بالنسبة إلى غسل اليدين في الوضوء والغسل فإنه تعالى لا يكلف بذلك فيهما وان إستوجب بما فعله العقاب وقاعدة (الامتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار) لا تنافي ماذكر فان الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار عقاباً لا خطاباً كما سيجيء توضيح ذلك إنشاء الله وقد خالف في ذلك الأشاعرة فجوٌزوا التكليف بالمحال. ولابد لنا من تحقيق الحال في ذلك فنقول انه قد وقع الكلام في مسألة التكليف بالمحال في مقامين:
أحدهما: في أصل الجواز مطلقاً ولهم فيه أربعة أقوال:
الأول: عدم الجواز مطلقاً وهو القول المنسوب للعدلية.
الثاني: الجواز مطلقاً وهو القول المنسوب للأشاعرة.
الثالث: الفرق بين المحال الذاتي كالجمع بين الضدين وقلب الحقائق ونحو ذلك فلا يجوز وغيره فيجوز وقد حكي هذا القول في النهاية عن الغزالي وبعض الأشاعرة وحكي إختيار الحاجبي له.
رابعها: الفرق بين ما يستند إلى إختيار المكلف فيجوز وبين ما يستند إلى غير إختياره فلا يجوز وقد حكي هذا القول عن جماعة من أصحابنا.
المقام الثاني: في وقوع التكليف بالمحال فان المجوزين له قد إختلفوا في وقوعه في غير الممتنع الذاتي بعد إطباقهم على عدم وقوعه في الممتنع الذاتي فعن أكثر الأشاعرة نفيه كما عن بعضهم كإمام الحرمين وعن الرازي إثباته وهذا هو قضية قولهم بالجبر فان مقتضى قولهم بالجبر يكون التكليف للعبد بالعمل تكليفاً بالمحال لعدم قدرته عليه. ان قلت ان الإجماع قد قام على عدم كون التكاليف من باب التكليف بالمحال! قلنا لا ينهض عذراً لذلك إذ لاأثر للإجماع في صيرورة المحال ممكناً.
(أما الكلام في المقام الأول) فنقول ان القول الأول هو المشهور عند العدلية بل أسنده في النهاية إلى كافتهم ان قلت كيف يسند إلى كافتهم. مع ما تقدم من نقل القول بالتفصيل عن جماعة منهم قلنا لعل ذلك لحدوث القول بالتفصيل بين متأخريهم ولما كان
نفي أمكان التكليف بالمحال يستدعي عدم وقوعه لان الوقوع فرع الإمكان إكتفينا بإثبات نفي الإمكان عن نفي الوقوع وبالكلام في المقام الأول عن التعرض للمقام الثاني.
وقد استدلوا على ذلك بان التكليف بالمحال بأقسامه قبيح فصدوره من الحكيم تعالى شأنه محال، اما الصغرى فلما تقدم من قضاء الضرورة بثبوت الحسن والقبح العقليين ضرورة حكم العقلاء بكون طلب المحال لغواً وطالبه سفيهاً حتى لو قيل لأشعري لا تتنفس في هذه السنة أو لا تتحرك ولا تسكن في هذه الساعة فأما يغضب ويخرج عما عليه من الحالة أو يغفل وينسب القائل إلى السفاهة والجهالة وأما الكبرى فلأن علمه تعالى وحكمته وغناه يحيل صدور ما هو قبيح وفيه السفاهة والجهالة منه بل وذلك مما لا يرضى عاقل به في أخيه فليت شعري كيف يثبته الأشعري فيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبالجملة فالحكم بقبح ذلك من أوليات العقول من غير فرق بين المحال الذاتي كالأمر بالجمع بين الضدين وغيره كتكليف الأعمى بكتابة القران نعم لا مضايقة من الحكم بترتب العقاب فيما إذا تسبب المأمور للأمتناع بان قطع رجله بعد حصول الإستطاعة أو أتلف ماله بعد تعلق الحقوق المالية لان سقوط الأمر بذلك لا ينافي بقاء العقاب وعلى ذلك ينزل ما هو المعروف من ان الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار حجة المجوزين مطلقاً وجوه:
أحدها: انه تعالى كلف الكافر بالأيمان مع انه ممتنع في حقه لأنه لم يرده تعالى منه. وفيه أنا لا نسلم عدم إرادته إيمان الكافر كيف والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر فلا ينافي كونه بإختيار الكافر وتمكنه كما مر فليس تكليفاً بالمحال.
وثانيها: انه تعالى علم بعدم إطاعة العاصي وقد كلفه بالإطاعة وهو تكليف بالمحال لان الإطاعة لو وقعت منه لزم الجهل في علمه تعالى وفيه ما عرفته بان علمه وان إستحال إنفكاكه عن المعلوم إلا انه لا ينافي القدرة فليس التكليف بخلاف المعلوم تكليفاً بغير المقدور.
وثالثها: انه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان بجميع ما جاء به النبي (ص) مع ان من جملة ما جاء به (ص) ان أبا لهب لايؤمن بالنبي (ص) فيجب على أبي لهب الإيمان بأنه لا يؤمن وهو محال. وفيه بان أبا لهب لم يكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن بل قد أخبر عنه بذلك من باب الإخبار عن المغيبات والإخبار بالمستقبل حسب ما تقتضيه الأحوال كما يخبر الطبيب عن موت المريض مع ان هذه الوجوه الثلاثة لو تمت لدلت على وقوع التكليف بالمحال ولا يلتزمونه في ظاهر مقالهم ومناف لقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلّا وُسْعَها] وإلا ما أتاها ونحو ذلك.
رابعها: ان التكليف بالمحال مقدور في نفسه ولا مانع منه إلا قبحه العقلي وقد مر انه لا قبيح منه تعالى. وفيه ما تقدم من إثبات القبح العقلي وإمتناع صدوره منه تعالى. إحتج الحاجبي على جوازه في غير الممتنع الذاتي ببعض ما مر وعلى إمتناعه فيه بأنه مما يمتنع تصور وقوعه فيمتنع التكليف به فان التكليف بشيء عبارة عن إستدعاء حصوله فيتوقف على تصوره وتصور حصوله تصور الشيء على خلاف مهيتهُ وهو محال. ثم أورد الحاجبي على نفسه:
أولًا: بان المحال كالجمع بين الضدين لو لم يمكن تصوره لم يكن وصفه بالإستحالة لان العلم بصفة الشيء فرع تصوره. وأجاب عن ذلك أولًا بان الجمع المتصور هو الجمع بين المختلفات وهو الذي حكم بنفيه. وقد وجه كلامه بأن المستحيل مما يمتنع ان يحصل له صورة في العقل كأن يتصور شيء هو إجتماع النقيضين أو إجتماع الضدين فتصوره اما على سبيل التشبيه بان يلاحظ بين المختلفين كالسواد والحلاوة وصف الإجتماع ثم يقال مثل هذا الوصف لايمكن حصوله بينهما أو على سبيل النفي بان العقل انه لا يمكن ان يوجد مفهوم هو إجتماع السواد والبياض. وفيه انه ان أُريد بإستحالة حصول صورته في الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على إمكان حصول صورة المطلوب في الخيال وإنما يتوقف على إمكان تصوره في الجملة وان أُريد إستحالة حصول صورته في العقل فممنوع كيف
وهذا المفهوم حاصل في العقل وحصوله فيه عبارة عن تصوره وذلك لان دائرة العقل أوسع من دائرة الخيال والخارج ولذا يوجد الكليات في العقل ويمتنع تحققها في الخيال والخارج. والتحقق ان يقال ان الممتنع إنما يمتنع وجوده الخارجي لا الذهني فحصوله في الذهن لا ينافي حقيقته وإنما الذي ينافيها هو وجوده الخارجي. وأجاب عنه ثانياً بان الممتنع هو تصوره مثبتاً لامطلقاً حتى لو كان منفياً والذي يلزم من ذلك إمكان تصوره منفياً لامطلقاً حتى لو كان مثبتاً فلا منافاة وفيه ان الحكم بالنفي فرع تصور الطرفين كالحكم بالإثبات وما يقال من ان السالبة لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً بخلاف الموجبة فمعناها ان السالبة من حيث الصدق لا تستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر السلب بالنسبة إليه مطلقاً بخلاف الموجبة فان صدقها يستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي أعتبر الإيجاب بالنسبة إليه محققاً أو مقدراً ومرجع ذلك إلى ان إنتفاء شيء عن شيء لا يستدعي وجود ما إنتفى عنه بحسب الظرف الذي اعتبر الإنتفاء بالقياس إليه لا محققاً ولا مقدراً سواء كان الظرف ذهناً أو خارجاً بخلاف ثبوت شيء لشيء فإنه يستدعي ثبوت ما ثبت له بحسب الظرف الذي إعتبر الثبوت فيه بأحد الإعتبارين وليس المراد ان السالبة من حيث كونها حكماً بالسلب لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً كيف ومورد السلب إنما هو النسبة الحكمية كالإيجاب