بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 70

الإسلام ليس بمحال عليه بل هو ممكن له ولكنه لم يفعله والنبي (ص) إنما أخبر بعدم فعله للإسلام لكن هذا لا يرفع قدرته عليه إذ يمكنه ان يسلم والنبي (ص) يخبر بحدوث إسلامه كما هو شان سائر الكفار الذين أسلموا فإنهم حال كفرهم يخبر عنهم بأنهم في جهنم وأنهم كفار ولكنهم لو أسلموا إنقلب هذا الحكم ويكونون فعلًا من أصحاب الجنة وليسوا بكفار ولا فرق في ذلك بين كون عدم القدرة ذاتياً كما في الجمع بين النقيضين والضدين أو عرضياً كما في الهرم بالنسبة إلى المشي ومن أقلعت عيناه بالنسبة إلى الإبصار وكذا لا فرق في ذلك بين ان تكون منشأ سلب القدرة آفة سماوية أو حادثة اختيارية كمن قطع يده بإختيار منه بالنسبة إلى غسل اليدين في الوضوء والغسل فإنه تعالى لا يكلف بذلك فيهما وان إستوجب بما فعله العقاب وقاعدة (الامتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار) لا تنافي ماذكر فان الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار عقاباً لا خطاباً كما سيجي‌ء توضيح ذلك إنشاء الله وقد خالف في ذلك الأشاعرة فجوٌزوا التكليف بالمحال. ولابد لنا من تحقيق الحال في ذلك فنقول انه قد وقع الكلام في مسألة التكليف بالمحال في مقامين:

أحدهما: في أصل الجواز مطلقاً ولهم فيه أربعة أقوال:

الأول‌: عدم الجواز مطلقاً وهو القول المنسوب للعدلية.

الثاني‌: الجواز مطلقاً وهو القول المنسوب للأشاعرة.


صفحه 71

الثالث‌: الفرق بين المحال الذاتي كالجمع بين الضدين وقلب الحقائق ونحو ذلك فلا يجوز وغيره فيجوز وقد حكي هذا القول في النهاية عن الغزالي وبعض الأشاعرة وحكي إختيار الحاجبي له.

رابعها: الفرق بين ما يستند إلى إختيار المكلف فيجوز وبين ما يستند إلى غير إختياره فلا يجوز وقد حكي هذا القول عن جماعة من أصحابنا.

المقام الثاني‌: في وقوع التكليف بالمحال فان المجوزين له قد إختلفوا في وقوعه في غير الممتنع الذاتي بعد إطباقهم على عدم وقوعه في الممتنع الذاتي فعن أكثر الأشاعرة نفيه كما عن بعضهم كإمام الحرمين وعن الرازي إثباته وهذا هو قضية قولهم بالجبر فان مقتضى قولهم بالجبر يكون التكليف للعبد بالعمل تكليفاً بالمحال لعدم قدرته عليه. ان قلت ان الإجماع قد قام على عدم كون التكاليف من باب التكليف بالمحال! قلنا لا ينهض عذراً لذلك إذ لاأثر للإجماع في صيرورة المحال ممكناً.

(أما الكلام في المقام الأول‌) فنقول ان القول الأول هو المشهور عند العدلية بل أسنده في النهاية إلى كافتهم ان قلت كيف يسند إلى كافتهم. مع ما تقدم من نقل القول بالتفصيل عن جماعة منهم قلنا لعل ذلك لحدوث القول بالتفصيل بين متأخريهم ولما كان‌


صفحه 72

نفي أمكان التكليف بالمحال يستدعي عدم وقوعه لان الوقوع فرع الإمكان إكتفينا بإثبات نفي الإمكان عن نفي الوقوع وبالكلام في المقام الأول عن التعرض للمقام الثاني.

وقد استدلوا على ذلك بان التكليف بالمحال بأقسامه قبيح فصدوره من الحكيم تعالى شأنه محال، اما الصغرى فلما تقدم من قضاء الضرورة بثبوت الحسن والقبح العقليين ضرورة حكم العقلاء بكون طلب المحال لغواً وطالبه سفيهاً حتى لو قيل لأشعري لا تتنفس في هذه السنة أو لا تتحرك ولا تسكن في هذه الساعة فأما يغضب ويخرج عما عليه من الحالة أو يغفل وينسب القائل إلى السفاهة والجهالة وأما الكبرى فلأن علمه تعالى وحكمته وغناه يحيل صدور ما هو قبيح وفيه السفاهة والجهالة منه بل وذلك مما لا يرضى عاقل به في أخيه فليت شعري كيف يثبته الأشعري فيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبالجملة فالحكم بقبح ذلك من أوليات العقول من غير فرق بين المحال الذاتي كالأمر بالجمع بين الضدين وغيره كتكليف الأعمى بكتابة القران نعم لا مضايقة من الحكم بترتب العقاب فيما إذا تسبب المأمور للأمتناع بان قطع رجله بعد حصول الإستطاعة أو أتلف ماله بعد تعلق الحقوق المالية لان سقوط الأمر بذلك لا ينافي بقاء العقاب وعلى ذلك ينزل ما هو المعروف من ان الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار حجة المجوزين مطلقاً وجوه:


صفحه 73

أحدها: انه تعالى كلف الكافر بالأيمان مع انه ممتنع في حقه لأنه لم يرده تعالى منه. وفيه أنا لا نسلم عدم إرادته إيمان الكافر كيف والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر فلا ينافي كونه بإختيار الكافر وتمكنه كما مر فليس تكليفاً بالمحال.

وثانيها: انه تعالى علم بعدم إطاعة العاصي وقد كلفه بالإطاعة وهو تكليف بالمحال لان الإطاعة لو وقعت منه لزم الجهل في علمه تعالى وفيه ما عرفته بان علمه وان إستحال إنفكاكه عن المعلوم إلا انه لا ينافي القدرة فليس التكليف بخلاف المعلوم تكليفاً بغير المقدور.

وثالثها: انه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان بجميع ما جاء به النبي (ص) مع ان من جملة ما جاء به (ص) ان أبا لهب لايؤمن بالنبي (ص) فيجب على أبي لهب الإيمان بأنه لا يؤمن وهو محال. وفيه بان أبا لهب لم يكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن بل قد أخبر عنه بذلك من باب الإخبار عن المغيبات والإخبار بالمستقبل حسب ما تقتضيه الأحوال كما يخبر الطبيب عن موت المريض مع ان هذه الوجوه الثلاثة لو تمت لدلت على وقوع التكليف بالمحال ولا يلتزمونه في ظاهر مقالهم ومناف لقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلّا وُسْعَها] وإلا ما أتاها ونحو ذلك.


صفحه 74

رابعها: ان التكليف بالمحال مقدور في نفسه ولا مانع منه إلا قبحه العقلي وقد مر انه لا قبيح منه تعالى. وفيه ما تقدم من إثبات القبح العقلي وإمتناع صدوره منه تعالى. إحتج الحاجبي على جوازه في غير الممتنع الذاتي ببعض ما مر وعلى إمتناعه فيه بأنه مما يمتنع تصور وقوعه فيمتنع التكليف به فان التكليف بشي‌ء عبارة عن إستدعاء حصوله فيتوقف على تصوره وتصور حصوله تصور الشي‌ء على خلاف مهيتهُ وهو محال. ثم أورد الحاجبي على نفسه:

أولًا: بان المحال كالجمع بين الضدين لو لم يمكن تصوره لم يكن وصفه بالإستحالة لان العلم بصفة الشي‌ء فرع تصوره. وأجاب عن ذلك أولًا بان الجمع المتصور هو الجمع بين المختلفات وهو الذي حكم بنفيه. وقد وجه كلامه بأن المستحيل مما يمتنع ان يحصل له صورة في العقل كأن يتصور شي‌ء هو إجتماع النقيضين أو إجتماع الضدين فتصوره اما على سبيل التشبيه بان يلاحظ بين المختلفين كالسواد والحلاوة وصف الإجتماع ثم يقال مثل هذا الوصف لايمكن حصوله بينهما أو على سبيل النفي بان العقل انه لا يمكن ان يوجد مفهوم هو إجتماع السواد والبياض. وفيه انه ان أُريد بإستحالة حصول صورته في الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على إمكان حصول صورة المطلوب في الخيال وإنما يتوقف على إمكان تصوره في الجملة وان أُريد إستحالة حصول صورته في العقل فممنوع كيف‌


صفحه 75

وهذا المفهوم حاصل في العقل وحصوله فيه عبارة عن تصوره وذلك لان دائرة العقل أوسع من دائرة الخيال والخارج ولذا يوجد الكليات في العقل ويمتنع تحققها في الخيال والخارج. والتحقق ان يقال ان الممتنع إنما يمتنع وجوده الخارجي لا الذهني فحصوله في الذهن لا ينافي حقيقته وإنما الذي ينافيها هو وجوده الخارجي. وأجاب عنه ثانياً بان الممتنع هو تصوره مثبتاً لامطلقاً حتى لو كان منفياً والذي يلزم من ذلك إمكان تصوره منفياً لامطلقاً حتى لو كان مثبتاً فلا منافاة وفيه ان الحكم بالنفي فرع تصور الطرفين كالحكم بالإثبات وما يقال من ان السالبة لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً بخلاف الموجبة فمعناها ان السالبة من حيث الصدق لا تستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر السلب بالنسبة إليه مطلقاً بخلاف الموجبة فان صدقها يستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي أعتبر الإيجاب بالنسبة إليه محققاً أو مقدراً ومرجع ذلك إلى ان إنتفاء شي‌ء عن شي‌ء لا يستدعي وجود ما إنتفى عنه بحسب الظرف الذي اعتبر الإنتفاء بالقياس إليه لا محققاً ولا مقدراً سواء كان الظرف ذهناً أو خارجاً بخلاف ثبوت شي‌ء لشي‌ء فإنه يستدعي ثبوت ما ثبت له بحسب الظرف الذي إعتبر الثبوت فيه بأحد الإعتبارين وليس المراد ان السالبة من حيث كونها حكماً بالسلب لا تستدعي وجود الموضوع مطلقاً كيف ومورد السلب إنما هو النسبة الحكمية كالإيجاب‌


صفحه 76

وهي مما يمتنع تعقلها من دون تعقل طرفيها. وأورد الحاجبي على نفسه:

ثانياً: بأنه لو امتنع تصور الممتنع الذاتي لامتنع الحكم عليه بحكم ثبوثتي كالحكم عليه بأنه ممتنع أو معدوم فان ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له.وأجاب عنه أولًابان المستحيل هو الأمر الخارجي دون الذهني المتصور فلا يكون المتصور هو المستحيل فإذا لا يمكن تصوره. وفيه ان الأمر الذهني المتصور عنوان للأمر الخارجي المستحيل ومرآة لملاحظته فكيف يكون المتصور أي الملحوظ بذلك العنوان غير المستحيل وإلا لاستحال الحكم عليه بالاستحالة.وأجاب عنه ثانياًبأنه لو كان الممتنع متصوراً لكان ممكناً فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل. وفيه ان كون الشي‌ء ممكن الوجود في الذهن لا ينافي كونه ممتنع الوجود في الخارج فالحكم على الموجود الذهني بالامتناع ليس من حيث كونه موجوداً في الذهن لأمكانه بهذا الإعتبار بل بإعتبار ما جعل مرآة لملاحظته أعني وجوده في الخارج فلا منافاة وكذا الحال في الحكم على الممتنع الذهني كحكمنا على الوجود الخارجي بأنه ممتنع التحقق في الذهن فإنه حكم على العنوان الموجود في الذهن باعتبار كونه آلة ومرآة لملاحظة ما يمتنع تحققه فيه فان إمتناع وجود أمر في الذهن لا ينافي إمكان وجود وجهة فيه الحاكي عنه المعرف لأحكامه ولوازمه ومثله الكلام في الحكم على ما


صفحه 77

ليس بموجود ذهناً وخارجاً كقولنا المعدوم المطلق لا يحكم عليه بشي‌ء، ولا يشكل بان هذا حكم عليه أيضاً لان المراد انه لا يحكم عليه بإعتبار نفسه لا بإعتبار وجهة. وكذلك الحال في الممتنع وجوده ذهناً وخارجاً كوجود الممتنع الخارجي. وأجاب عنه ثالثاً بان الحكم على الخارج بالإمتناع يستدعي تصوره في الخارج وهو محال لأنه تصور للشي‌ء على خلاف حقيقته. وفيه بان تصور المستحيل في الخارج لا يوجب كونه تصوراً له على خلاف حقيقته أي مفهومة كيف والتقدير انه تصور لمفهومه وإنما يوجب كونه تصوراً له على خلاف حقيقته لو تصور بخلاف ما يمكن تحققه به.

هذا ملخص ما ذكرناه وذكره القوم من الرد على إبن الحاجب ولا يهمنا تحقيق ذلك وتنقيحه لأنه يتفق معناً في أصل المطلب وهو عدم جواز التكليف بالممتنع غاية الأمر أختلف معنا في وجهة.

حجة المفصل بين ما لا يستند إلى إختيار المكلف وبين مايستدل إلى إختياره فمنع التكليف في الأول دون الثاني. اما منعه من التكليف في الأول لما تقدم في حجة المانعين وأما تجويزه في الثاني فلان ما يستند إستحالتة إلى إختيار المكلف لو منعنا التكليف به لخرج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً والتالي باطل اما الملازمة فلان الواجب إذا توقف على مقدمات مقدورة وتركها المكلف فلا يخلو اما