ان يبقى في حقه التكليف فهو التكليف بالمحال أو لا فيلزم ان لا يكون وجوب الواجب مطلقاً بل مشروطاً بحصول تلك المقدمات وهو المراد بالتالي وبطلانه واضح مضافاً إلى ان المستند في إمتناع التكليف بالمحال هو قبحه العقلي وهو غير جار فيما إذا إستند إلى فعل المكلف إذ لا يقطع العقل بقبحه. والجواب عن الأول بأنه بعد ترك المقدمة ان كانت القدرة على الواجب مع تلك المقدمة أو بدلها باقية فالوجوب باقِ وغير مرتفع وان زالت القدرة فالوجوب يرتفع لزوال شرطه وهو القدرة لا من جهة ترك المقدمة ثم لما كان العقاب على العصيان والعصيان إنما يكون بترك الواجب بسوء الإختيار فالمولى يعاقبه وان زال الوجوب لأنه قد تركه لسوء إختياره حال ما كان متصفاً بالوجوب وهو حال تمكنه منه بإتيان مقدمته وان كان فعلًا لا يتمكن من إتيانه فالعصيان قد تحقق منه وهو علة تامة لإستحقاق العقاب. وأجيب عن الثاني ان حكم العقل بقبح التكليف بالمحال وطلبه لاإختصاص له بالمحال الذاتي كما ان الآيات والأخبار النافية لوقوع ذلك كك أيضا بل ولا فرق في ذلك بين التكليف الإبتلائي وغيره أيضاً وان توهم فيه من توهم وذلك لعموم دليل الإستحالة نعم قد ينفع التكليف بغير المقدور من باب التحكم أو الإهانة أو حمل المخاطب على التحسر والتحزن كما في قوله تعالى: [قيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فالْتَمِسُوا نُوراً] وقوله: [ويُدْعَوْنَ إِلى السُّجُودِ فَلا
يَسْتَطِيعُون] ونحو ذلك لا قبح فيه وما ورد في بعض الأخبار من (ان من كذب في رؤياه متعمداً يكلفه الله ان يعقد شعيرة وما هو بعاقدها) فلعل المراد بالتكليف فيه بيان طريق التخليص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة أو هو عند التكليف متمكن من عقدها لكن لا يفعله لصعوبة عليه فيستسهل العقوبة بالنسبة إليه.
التكليف المحال والتكليف بالمحال
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول ان ماذكرناه هو الكلام في التكليف بالمحال وهو غير التكليف المحال فان الأول يكون التكليف بنفسه ليس بمحال ولكنه متعلق بالمحال وأما الثاني فيكون التكليف بنفسه محالًا وان تعلق بأمر ليس بمحال وقد مثل له بالإيجاب والحرمة المتعلقين بشيء واحد من جميع الوجوه ولهذا كان الكل مطبقين على ان التكليف المحال يستحيل تحققه ووقوعه بخلاف التكليف بالمحال فقد قال الأشاعرة كما عرفت بإمكانه بل بوقوعه كما تقدم. والحاصل ان التكليف المحال لا يعقل ان يقول أحد بإمكانه فضلًا عن وقوعه لان ذلك من القضايا التي قياساتها معها إذ مع فرض انه محال لا مجال لتجويز وقوعه وهل ذلك إلا من قبيل وصف الشيء بالمتناقضين فتصور الموضوع كاف في الجزم بالحكم وهو عدم الإمكان فضلًا عن عدم الوقوع من غير حاجة إلى كلفة الإستدلال.
عدم الفرق بين أقسام التكليف بالمحال:
الثانيان التكليف بالمحال على المختار لا فرق فيه بين علم المأمور أو جهله بحقيقة الحال، نعم لا مانع من الجواز مع جهل الآمر
بالإستحالة إلا ان كلامنا في كلام الحكيم المحال في حقه ذلك ولذا نقول بعدم جواز أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط بأحد المعاني التي ترجع للتكليف بالمحال وكذا لا فرق فيه بين الأمر والنهي فكما لايجوز الأمر بالجمع بين الضدين لا يجوز النهي عنه أيضاً لان الفعل إذا كان غير مقدور فكذلك الترك فلا يصح طلب الترك. كما لا فرق بين كونهما إلزاميين وعدمه لإتحاد المناط وعموم الدليل. ان قلت ما تصنع في إستغراق المندوبات للأوقات قلنا اما محمول على التخيير دون التعيين أو على الإرشاد إلى ما فيه الرشاد، وكذا لا فرق بين كونهما موقتين أو غير موقتين عينيين أو كفائيين تعيين أو تخيير بين تعبديين أو توصليين غيريين أو نفسيين كل ذلك لعموم الأدلة نعم لامانع من النهي عن ضدين لهما ثالث ولو كان الضد الثالث واجباً بل ولو لم يكن لهما ثالث إذا لوحظ فيه مكان أو حال أو نحوهما كالنهي عن الحركة والسكون في مكان مغصوب أو حال خاصة لرجوع النهي حينئذ إلى الكون في ذلك المكان أو على تلك الحالة. وأما في غير الصورتين فالإستحالة على أصول العدلية مما لا ينبغي التأمل فيها من غير فرق بين إشتراكها في جامع دَلٌ الدليل بظاهره على حرمته بجميع أفراده كالنهي عن الحركة والسكون في المكان المغصوب لو لوحظ النهي قبل الدخول فيه وبين عدم اشتراكها فيه كالنهي عن السكوت والتكلم وأما بعد الدخول فليس منهياً عن
الدخول لعدم قدرته عليه بل يحرم عليه البقاء ويستحق العقاب على مخالفة النهي عن الدخول. فما عن أبي هاشم من حرمة الدخول والخروج حينئذ معاً إذ كل منهما تصرف في ملك الغير بغير إذنه ضعيف جداً. وكذا لا فرق فيما ذكرنا من عدم التكليف بالمحال بين شرعنا وسائر الشرايع وما يترائى من وقوع ذلك في بعضها بظاهر قوله تعالى: [رَّبنا وَ لا تَحمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طَاقَة لَنا بِهِ] وقوله (ص): (رفع عن أمتي تسعة وعد منها مالا يطيقون) مأوّل على مالا يتحمل عادة كما هو الحال في تعارض العقل والنقل من تنزيل النقل على العقل وحمله عليه كما حققناه في محله.
التكليف الحرجي غير التكليف بالمحال:
الثالث: التكليف الحرجي غير التكليف بالمحال وسيجيء إنشاء الله البحث في إشتراط التكليف بعدم الحرج والعسر.
القدرة شرط لأي مرتبة من التكليف:
الرابع: ان القدرة هل هي شرط للتكليف بمرتبته الإنشائية أو الفعلية أو التنجزية؟ والثمرة في ذلك انها لو كانت شرطاً لتنجزه وجب القضاء على من تمكن من الواجب لأنه يصدق عليه الفوت
وأما لو كانت شرطاً للإنشاء أو الفعلية فلا يجب عليه القضاء لعدم صدق الفوت بل حتى لو تمكن في أثناء الوقت بناءاً على عدم جواز التمسك بالعام عند زوال المخصص لان أدلة القدرة قد خصصت التكاليف فأخرجت غير القادر والظاهر انها شرط للفعلية فإنه القدر المتيقن من الإجماع على إعتبارها. ودليل العقل لا يقتضي أزيد من ذلك والآية الشريفة المتقدمة إرشاد لحكم العقل لا سيما وقد ذكر فيها المتعلق وهو النفس وإلا لقال لا تكليف أو رفع التكليف. نعم لو كانت القدرة لها دخل في ملاك الفعل كانت شرطاً لإنشائه فلابد من أخذ المولى لها في التكليف شأن سائر الشروط كما في الحج وبهذا تعرف ان إشتراط القدرة في التكليف ان كان من جهة حكم العقل بقبح توجه التكليف للعاجز كانت شرطاً لفعليته ولتوجه الخطاب به وإلا لأخذها الشارع في التكليف كما انها لو أخذت في التكليف كما في الحج كانت لها دخل في الملاك وإلا لما إحتاج إلى أخذها الشارع وأعتمد على بداهة حكم العقل بإشتراطها في التكليف.
قاعدة الامتناع بالإختيار لا ينافي الاختيار والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار وبهايعرف حكم تعجز الإنسان نفسه:
الخامس: إنك قد عرفت ان من كان غير قادر على إمتثال التكاليف ان كان عدم قدرته لا بإختياره فلا إشكال في عدم تكليفه
وأما ان كان عدم قدرته على إمتثال التكاليف من جهة سوء إختياره كما لو ارتد وقلنا لا تصح العبادات من المرتد أو لم يتعلم حتى جاء وقت التكليف فلم يسعه الوقت للتعلم وتعذر صدور إمتثال التكليف منه كما قد عرفت ان الحق عدم توجه التكليف إليه حينئذ لان (قبح تكليف العاجز) لا يقبل التخصيص وأما ما إشتهر في ألسنة الأصوليين والمتكلمين من ان الامتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار كما قد حكي عن بعضهم التمسك بذلك على صحة تكليف العاجز، بتقريب ان المراد به ان عدم القدرة والعجز المسبب عن إختيار المكلف لا يمنع من إختيار الفعل الذي هو مصحح للتكليف به وطلبه حال العجز عنه. ولا يخفى عليك ما فيه لحكم العقل بعدم صحة تكليف العاجز حال عجزه لعدم قدرته على إتيان العمل فيكون بعثه نحو العمل لغواً فالحق ان المراد بها ان العمل حال عدم مقدماته مع التمكن من إتيانها يكون ممتنعاً بإختيار العبد فهذا الإمتناع لا ينافي إختياره للعمل المصحح للتكليف به لقدرته على الإتيان به بإتيان مقدماته ومن هذا الباب صح التكليف بالإعتقاد بالله تعالى بإعتبار القدرة على مقدماته وهو تحصيل الأدلة على ذلك، نعم لا ينكر انه يستحق العقاب إذا كان عدم قدرته على العمل أو الترك بسوء إختياره وتعجيز نفسه عن ذلك لأنه كان العصيان بإختياره بواسطة إختيار ما هو العلة التامة للعصيان والمقدور بالواسطة كالمقدور بالذات فيكون العصيان قد تحقق بإختياره فيستحق العقاب عليه. ومن هنا فسرت القاعدة المذكورة وهي ان الإمتناع بالإختيار لا ينافي
الإختيار بان المراد منها ان الواجب إذا إمتنع حصوله بسوء إختيار العبد كان إمتناعه لا ينافي الإختيار المعتبر في العقاب على المخالفة، نعم إِنما ينافي الإختيار المعتبر في توجه الخطاب فالعبد إذا إمتنع تحقق الواجب منه بإختياره إمتنع توجه الخطاب إليه ولم يمتنع العقاب على مخالفته للواجب كما انه قد تعارف بين العدلية في مقام الرد على الأشاعرة الذين إستدلوا على ان الأفعال واجبة الصدور من العبد بأنها لا يعقل ان تصدر منه إلا إذا وجدت علتها التامة ومعها تكون واجبة الصدور غير مختارة للعبد فأجاب العدلية عن ذلك بقاعدة ان الوجوب بالإختيار لا ينافي الإختيار يقصدون بذلك ان وجوب الفعل إِنما كان بإختيار العبد وإرادته له لان إرادته كانت الجزء الأخير من العلة وإذا كان الوجوب باختيار العبد فلا يعقل ان ينافي هذا الوجوب إختيار العبد إذ لا يعقل ان يكون المعلول منافياً للعلة. وكيف كان فالحق إستحقاق العبد العقاب إذا كان إمتناع الفعل بسوء إختياره وتعجيز نفسه لأنه يصدق عليه العصيان الذي هو العلة التامة لإستحقاق العقاب ولكن لا يخفى عليك ان هذا أنما هو في زمن وجوب الواجب أو حرمة المحرم وأما إذا كان قبلهما قد عجز نفسه فلايستحق العقاب على المخالفة للتكليف لأنه قبلهما لم يكن عليه تكليف بالفعل أو الترك فله ان يعجز نفسه عن إمتثاله وعند مجيء وقت التكليف لم يصح توجه الخطاب به له لعجزه عنه ولهذا التجأ بعضهم للواجب المعلق في بعض الموارد والتزم بعضهم بوجوب