المعرفة نفسياً لا غيرياً. وعليه يظهر لك لا وجه للنزاع في انه إستحقاق العقاب بالتعجز بسوء الإختيار هل يكون من حين ترك المقدمات كما عن الشيخ الأنصاري (ره) أو حين حصول المعصية كما عن المشهور؟ وذلك لما عرفته من ان إستحقاق العقاب إنما يكون في زمن التكليف لا قبله فزمان المقدمة ان كان في زمان التكليف إستحق العقاب بمجرد تركها إذا أوجب التعجيز وإلا فلا. ان قلت قد ذهب الكثير من علمائنا إلى وجوب تحصيل المقدمات من أول أزمنة التمكن من تحصيلها لتحصيل القدرة على الواجب في وقته وان لم يجب فعلًا لفرض ان الملاك في ظرف الواجب تام لا قصور فيه فتفويته ولو كان قبل حصول وقته تفويت له بالإختيار والعقل لايفرق في حكمه بقبح مخالفة المولى بين مخالفة تكليفه أو مخالفة غرضه إلا ترى ان العبد إذا علم بوقوع إبن مولاه في البحر بعد ساعة وجب عليه ان يحافظ عليه فعلًا لئلا يقع في البحر وان شئت فقس ذلك بما لو كان الأمر يرجع إليك كما لو كنت تعلم بإبتلاء في السفر بالعطش أو كنت في معرض الإبتلاء به عادة فلو لم تحصل الماء قبل السفر كنت مذموماً عند العقلاء لإنتهاء إمتناع الماء عليك في السفر إلى إخيارك. قلنا ليس العقل يحكم بالعقاب لمن فوت غرض المولى قبل إرادة المولى له منه إذ لا ملزم عليه ألا ترى ان المولى لو صرح له بعدم وجوب تحصيل المقدمات قبل وقت الواجب لم يكن في تصريحه أي مخالفة لحكم العقل. وأما ما ذكر من المثال بابن المولى فلأنه لما كان بحكم العقل يجب على العبد المحافظة على إبن المولى من الوقوع في
التهلكة كان تركه للمحافظة مخالفة للواجب العقلي الفعلي عليه، وهكذا مسألة العطش فإنه إنما كان من جهة حكم العقل بالمحافظة على النفس من الوقوع في التهلكة وهو واجب عقلي فعلي كان تعجيز النفس عن إمتثاله بعدم تحضير الماء تعجيز لها في وقته. والحاصل ان العقل لما كان يجوز ان يكون المولى يمنع من تحصيل المقدمات قبل الوقت بان يجوزان يبيح المولى له تعجيز نفسه عن فعل الواجب قبل وقته فإذا ورد من الشارع الواجب مقيداً بالوقت إحتمل العقل فيه ذلك فلم يكن له حكم بالمنع من التعجيز.
الشك في القدرة والإشكال العويص فيها:
إن كان الشك في القدرة يرجع إلى الشبهة المفهومية، فالمرجع هو عمومات الأحكام ان كان الآمر دائراً بين الأقل والأكثر وان كان دائراً بين المتباينين فالمرجع هو الأصول. وان كانت الشبهة مصداقية فقد يقال مقتضى القاعدة هو عدم التكليف للشك في حصول شرطه فمثلًا من يحج يشك في قدرته على إتمام عمله فهو يشك في وجوبه عليه وهكذا من يصلي، بشك في وجوب الصلاة عليه لشكه في قدرته عليها بتمام أجزائها وهكذا الكلام في سائر الواجبات التدريجية فإنه عند الشروع فيها يشك في قدرته على إتمامها ومثله يقال في العقل فإنه يشك الإنسان في بقائه على عقله إلى تمام العمل. ويمكن ان يجاب عنه أولًا بإستصحاب بقاء القدرة إلى تمام العمل نظير ما قيل فيمن رأت
الدم بصفات دم الحيض وشكت في بقائه إلى ثلاثة أيام الذي هو شرط لتحيضها فإنها تستصحب بقاءه إلى ثلاثة أيام وتتحيض به. وفيه أنا لا نسلم بحجية الإستصحاب المذكور حتى في المثال المذكور فإنه مبني على القول بإجراء الإستصحاب في الأمور المستقبلة بان يكون الشك في الحال والمشكوك في الإستقبال وهو ممنوع لانصراف أخبار الإستصحاب إلى مكان الشك في الحال والمشكوك في الماضي مثل الشك في بقاء النجاسة وقد أجاب المرحوم الشيخ عن الإستصحاب في مسألة دم الحيض بان الأصل عدم حدوث الزائد على ما حدث لأصالة بقاء الحادث ورد بان هذا موجب للمنع من الإستصحاب في التدريجات وهو فاسد لان الأمر التدريجي المتصل أجزاءه شيء واحد كالآمر القادر فان الوجود المتصل بلا تخلل عدم وجود واحد حقيقة وعرفاً والوحدة الإتصالية تساوي الوحدة الشخصية. وعليه فلا مانع من جريان الإستصحاب من هذه الجهة وإنما المانع هو ما ذكرناه من عدم شمول أدلة الإستصحاب ليقين الفعلي والمشكوك في المستقبل. ويمكن ان يجاب عنه ثانياً بان أصل السلامة يثبت قدرته في المستقبل وهو أصل عقلائي يعمل به العقلاء في سائر أعمالهم التدريجية فمن يؤلف الكتاب أو يبني الدار يبني على أصالة السلامة إلى كمالها. ويمكن ان يجاب عنه ثالثاً بان هذا الشك ملغى عند الشارع وإلا لزم عدم إمتثال التكاليف التدريجية.
الشرط الثالث: البلوغ
يعتبر في التكليف البلوغ للإجماع وللحديث المتقدم في إشتراط العقل من قوله (ص): (رفع القلم عن ثلثه عن الصبي حتى يحتلم) وقد عرفت إعتباره ولأنه ان لم يكن مميزاً فهو بالنسبة إلى فهم تفاصيل الخطاب كالجماد والبهيمة بالنسبة إلى فهم أصل الخطاب وكما إمتنع تكليف الدابة كذا إمتنع تكليف غير المميز إلا عند القائلين بجواز التكليف بالمحال وأما المميز فهو وان قارب البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة وكان فهمه كفهم البالغ غير انه لما كان العقل والفهم خفياً وظهوره يقع على التدريج ولم يكن ضابط يعرف له جعل الشارع له ضابطاً هو البلوغ وأسقط التكليف عنه قبله تخفيفاً عليه للحديث المتقدم والإحماع وفي السيرة الحلبية ج 1 ص 304 انه كان الصبيان مكلفين وإنما رفع القلم عنهم عام خيبر وعن البيهقي ان الأحكام إنما تعلقت بالبلوغ في عام الخندق والحديبية وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز، وعن الحلبي والسبكي ان إشتراط الأحكام بالبلوغ نزل به الوحي بعد واقعة أحد. لا يقال الصبي يجب عليه الزكاة والضمان وهو نوع تكليف ويؤمر المميزين بالصلاة لأنا نقول قد تقدم جواب ذلك في الشرط الأول. ثم لا يخفى عليك ان إشتراط البلوغ في التكليف ليس مما يحكم به العقل وإنما هو يثبت بالدليل الشرعي نعم يستحيل تكليف غير البالغ عقلًا كما لو كان صبياً رضيعاً وفي هذه الحال يعلم إشتراطه في إشتراط العقل والقدرة فلا
يكون شرطاً آخر كما ان في بعض الأحوال لا يمنع العقل تكليفه لقدرته على فهمه التكليف وإمتثاله لكن إعتبار الشرع للبلوغ في التكليف جعله شرطاً شرعياً فيدور مدار الأدلة الشرعية فتدبر وينبغي الكلام هنا في مطالب.
عدم إشتراط البلوغ في التكاليف غير الألزامية:
المطلب الأول: الحق ان التكاليف الشرعية غير الإلزامية كالإستحباب والكراهة لايشترط فيها البلوغ وإنما هو شرط لخصوص الوجوب والحرمة وذلك لان العقل لا يأبى توجه الخطاب بالتكاليف غير الإلزامية للصبي المميز ولا مانع من توجهها له لاعقلًا ولاشرعاً ويؤيد ذلك ما ورد في الأخبار من جواز أمور مستحبة كعتق الصبي إبن عشر سنين وصدقته ووصيته وجواز إمامته وإذانه. والظاهر من جواز ذلك هو إستحبابها له وان عباداته مشروعة ويعضده خبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (ع) قال (ان أولاد المسلمين موسمون عند الله شافع ومشفع فإذا بلغوا أثنى عشرة عاماً كانت له الحسنات فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات)، ان قلت ان الشرع قد منع توجهها إليه لحديث (رفع القلم) فأنه ظاهر في رفع جعل الأحكام في حقه، قلنا انه ظاهر في رفع جعل الأحكام الألزامية دون غيرها لأنه وارد في مقام الإمتنان ولا منة في رفع الأحكام غير إلزامية وسيجيء إنشاء الله عما قريب في بيان عدم إشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية ما ينفعك هنا.
عدم إشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية
المطلب الثاني: لا شبهة في عدم شرطية البلوغ في الأحكام الوضعية فإن الطهارة والنجاسة والمواريث والديات والضمان
بالغصب وبالإتلاف وبالالتقاط ونحو ذلك يثبت للصبي كالبالغ، والوجه فيه عموم دلالتها وعدم وجود المخصص لها فان قوله: (مَن أحيى أرضاً ميتة فهي له) أو (من حاز شيئاً من المباحات فقد ملكه أو على اليد ما أخذت حتى تؤدي) أو (من أتلف شيئاً من مال أو نفس ضمنه) ونحو ذلك كلها عامة للصبي كالبالغ من دون فرق فلذا أفتى القوم بأنه يملك بالاحتطاب والاصطياد ويضمن بالإتلاف أو الجناية نعم إذا استفيد الحكم الوضعي من الحكم التكليفي كان تابعاً له فإذا كان الحكم التكليفي مختص بالبالغين كان الحكم الوضعي مختص بهم أيضاً لأنه محدود بحدوده شأن كل تابع ومتبوع وإلا لو وجد من دونه لم يكن تابعاً له فهو نظير تبعية المفهوم للمنطوق إلا إذا قام دليل على إختصاص الحكم الوضعي بالبالغ كما في ولايته على اللقيط فان الظاهر قيام الإجماع على عدم ولاية الصبي على اللقيط وكما في البيع والشراء ونحوها. والحاصل ان الأحكام التكليفية لا تشمل الصبي للأدلة المقيدة لها بالبلوغ بخلاف الأحكام الوضعية فإنها تشمل الصبي فلابد في الموارد التي لا يثبت فيها الحكم الوضعي للصبي من دليل مخصص ولهذا إشتهر فيما بينهم ان الأحكام الوضعية تثبت لغير البالغين. وقد أورد على ذلك بعدة إيرادات:
أحدها: ان أدلة الأحكام الوضعية تنصرف إلى البالغين لأنها مسوقة كسياق سائر التكالف المتعلقة بالبالغين، وفيه ان اللفظ المستعمل فيها لا ريب في عمومه لغةً وعرفاً مضافاً إلى فهم العلية من
هذه الأدلة الموجبة لإلقاء جهة المباشر من كونه صغيراً أو كبيراً القاضي بثبوت الحكم في أي مورد كان وأما أدلة التكاليف الإلزامية فهي لا تشمل الصبي المميز من جهة الأدلة المخصصة لها بالبلوغ وأما غير المميز فهو غير قابل للخطاب.
ثانيها: ان الحكم الوضعي مستلزم لحكم تكليفي إلزامي غالباً أو مطلقاً وإنتفاء الملزوم يوجب إنتفاء اللازم وقد سلمتم عدم تكليف الصبي المميز بالتكاليف الإلزامية، وبعبارة أخرى ان الحكم التكليفي من وجوب دفع أو من تحريم أخذ أو نحو ذلك مما يلازم الأحكام الوضعية لا يتعلق بالصبي كما حقق ونفي اللازم قاضي بنفي الملزوم. وفيه ما ذكره صاحب العناوين من ان إستلزام الوضعي للتكليف ان كان في جملة أعم من الإطلاق والتقييد وأعم من ان يكون على من وضع عليه أو على وليه فهو مسلم فإن ضمان المتلف يقضي بوجوب الدفع إلى المالك مع المطالبة لكن مع إجتماع شرائط التكليف. وهذا لا مانع منه في الطفل فإنه ضامن بالفعل يجب عليه دفعه إذا إجتمع فيه شرائط التكليف أو على وليه، وان كان خصوص الحكم المطلق المنجز عليه فقط فإستلزام الحكم الوضعي للتكليف بهذا المعنى ممنوع كما أشرنا، إليه مضافاً إلى ان عدم وجود الضمان في الصبي إلى حال البلوغ يوجب عدمه بعده أيضاً لبراءة ذمته قبل البلوغ ولا سبب بعد ذلك. وكون الإتلاف حال الصبي سببا للضمان حال البلوغ فلا حكم وضعياً حال الصبي خلاف ظاهر الدليل.
وتظهر الثمرة في صحة الإبراء وغير ذلك مما لا يخفى، ومن هذا الباب سائر الأسباب فان أسباب الوضوء والغسل موجبة في الصبي أيضاً. لهما عند تعلق التكليف. والوطيء مثلًا سبب للتحريم في المصاهرة ولو أحقها في الصبي كالبالغ وعلى هذا النحو غيره.
ثالثها: ان حديث (رفع القلم) والروايات الدالة على ان عمد الصبي وخطأه واحد والروايات الدالة على عدم نفوذ أمر الصبي تقتضي عدم ثبوت الأحكام بأجمعها مميزاً كان أو غير مميز وسواء كانت الأحكام تكليفية أم وضعية وسواء كانت مستلزمة للتكليف أم غير مستلزمة لان معناه ان القلم الذي وضع الأحكام على المكلفين قد رفعه الواضع عن الصبي فيكون كناية عن ارتفاعها عنه وهو حاكم ومقدم على عمومات الأحكام وإطلاقاتها، وهكذا روايات عمد الصبي وخطأه واحد فأنها دالة على إلغاء أفعاله الإختيارية وأنها بمنزلة العدم، وهكذا روايات عدم نفوذ أمر الصبي تدل على عدم الإعتناء بأفعاله وتصرفاته كما سيجيء إنشاء الله نقل ذلك بأجمعه وبيان دلالته في أدلة المنع من معاملات الصبي. مضافاً إلى ان بعض عمومات الأحكام لا تشمل الصبي كقوله تعالى: [يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا] وعليه فلا تكون المستحبات والمكروهات ولا الأحكام الوضعية ثابتة في حقه. والجواب اما عن حديث (رفع القلم) فهو ان الظاهر من هذا التعبير هو إرادة عدم إلزامه بشيء وجوداً أو عدماً فإنه إذا