بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 79

يَسْتَطِيعُون‌] ونحو ذلك لا قبح فيه وما ورد في بعض الأخبار من (ان من كذب في رؤياه متعمداً يكلفه الله ان يعقد شعيرة وما هو بعاقدها) فلعل المراد بالتكليف فيه بيان طريق التخليص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة أو هو عند التكليف متمكن من عقدها لكن لا يفعله لصعوبة عليه فيستسهل العقوبة بالنسبة إليه.


صفحه 80

التكليف المحال والتكليف بالمحال‌

وينبغي التنبيه على أمور:

الأول ان ماذكرناه هو الكلام في التكليف بالمحال وهو غير التكليف المحال فان الأول يكون التكليف بنفسه ليس بمحال ولكنه متعلق بالمحال وأما الثاني فيكون التكليف بنفسه محالًا وان تعلق بأمر ليس بمحال وقد مثل له بالإيجاب والحرمة المتعلقين بشي‌ء واحد من جميع الوجوه ولهذا كان الكل مطبقين على ان التكليف المحال يستحيل تحققه ووقوعه بخلاف التكليف بالمحال فقد قال الأشاعرة كما عرفت بإمكانه بل بوقوعه كما تقدم. والحاصل ان التكليف المحال لا يعقل ان يقول أحد بإمكانه فضلًا عن وقوعه لان ذلك من القضايا التي قياساتها معها إذ مع فرض انه محال لا مجال لتجويز وقوعه وهل ذلك إلا من قبيل وصف الشي‌ء بالمتناقضين فتصور الموضوع كاف في الجزم بالحكم وهو عدم الإمكان فضلًا عن عدم الوقوع من غير حاجة إلى كلفة الإستدلال.

عدم الفرق بين أقسام التكليف بالمحال:

الثاني‌ان التكليف بالمحال على المختار لا فرق فيه بين علم المأمور أو جهله بحقيقة الحال، نعم لا مانع من الجواز مع جهل الآمر


صفحه 81

بالإستحالة إلا ان كلامنا في كلام الحكيم المحال في حقه ذلك ولذا نقول بعدم جواز أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط بأحد المعاني التي ترجع للتكليف بالمحال وكذا لا فرق فيه بين الأمر والنهي فكما لايجوز الأمر بالجمع بين الضدين لا يجوز النهي عنه أيضاً لان الفعل إذا كان غير مقدور فكذلك الترك فلا يصح طلب الترك. كما لا فرق بين كونهما إلزاميين وعدمه لإتحاد المناط وعموم الدليل. ان قلت ما تصنع في إستغراق المندوبات للأوقات قلنا اما محمول على التخيير دون التعيين أو على الإرشاد إلى ما فيه الرشاد، وكذا لا فرق بين كونهما موقتين أو غير موقتين عينيين أو كفائيين تعيين أو تخيير بين تعبديين أو توصليين غيريين أو نفسيين كل ذلك لعموم الأدلة نعم لامانع من النهي عن ضدين لهما ثالث ولو كان الضد الثالث واجباً بل ولو لم يكن لهما ثالث إذا لوحظ فيه مكان أو حال أو نحوهما كالنهي عن الحركة والسكون في مكان مغصوب أو حال خاصة لرجوع النهي حينئذ إلى الكون في ذلك المكان أو على تلك الحالة. وأما في غير الصورتين فالإستحالة على أصول العدلية مما لا ينبغي التأمل فيها من غير فرق بين إشتراكها في جامع دَلٌ الدليل بظاهره على حرمته بجميع أفراده كالنهي عن الحركة والسكون في المكان المغصوب لو لوحظ النهي قبل الدخول فيه وبين عدم اشتراكها فيه كالنهي عن السكوت والتكلم وأما بعد الدخول فليس منهياً عن‌


صفحه 82

الدخول لعدم قدرته عليه بل يحرم عليه البقاء ويستحق العقاب على مخالفة النهي عن الدخول. فما عن أبي هاشم من حرمة الدخول والخروج حينئذ معاً إذ كل منهما تصرف في ملك الغير بغير إذنه ضعيف جداً. وكذا لا فرق فيما ذكرنا من عدم التكليف بالمحال بين شرعنا وسائر الشرايع وما يترائى من وقوع ذلك في بعضها بظاهر قوله تعالى: [رَّبنا وَ لا تَحمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طَاقَة لَنا بِهِ‌] وقوله (ص): (رفع عن أمتي تسعة وعد منها مالا يطيقون) مأوّل على مالا يتحمل عادة كما هو الحال في تعارض العقل والنقل من تنزيل النقل على العقل وحمله عليه كما حققناه في محله.

التكليف الحرجي غير التكليف بالمحال:

الثالث‌: التكليف الحرجي غير التكليف بالمحال وسيجي‌ء إنشاء الله البحث في إشتراط التكليف بعدم الحرج والعسر.

القدرة شرط لأي مرتبة من التكليف:

الرابع‌: ان القدرة هل هي شرط للتكليف بمرتبته الإنشائية أو الفعلية أو التنجزية؟ والثمرة في ذلك انها لو كانت شرطاً لتنجزه وجب القضاء على من تمكن من الواجب لأنه يصدق عليه الفوت‌


صفحه 83

وأما لو كانت شرطاً للإنشاء أو الفعلية فلا يجب عليه القضاء لعدم صدق الفوت بل حتى لو تمكن في أثناء الوقت بناءاً على عدم جواز التمسك بالعام عند زوال المخصص لان أدلة القدرة قد خصصت التكاليف فأخرجت غير القادر والظاهر انها شرط للفعلية فإنه القدر المتيقن من الإجماع على إعتبارها. ودليل العقل لا يقتضي أزيد من ذلك والآية الشريفة المتقدمة إرشاد لحكم العقل لا سيما وقد ذكر فيها المتعلق وهو النفس وإلا لقال لا تكليف أو رفع التكليف. نعم لو كانت القدرة لها دخل في ملاك الفعل كانت شرطاً لإنشائه فلابد من أخذ المولى لها في التكليف شأن سائر الشروط كما في الحج وبهذا تعرف ان إشتراط القدرة في التكليف ان كان من جهة حكم العقل بقبح توجه التكليف للعاجز كانت شرطاً لفعليته ولتوجه الخطاب به وإلا لأخذها الشارع في التكليف كما انها لو أخذت في التكليف كما في الحج كانت لها دخل في الملاك وإلا لما إحتاج إلى أخذها الشارع وأعتمد على بداهة حكم العقل بإشتراطها في التكليف.

قاعدة الامتناع بالإختيار لا ينافي الاختيار والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار وبهايعرف حكم تعجز الإنسان نفسه:

الخامس‌: إنك قد عرفت ان من كان غير قادر على إمتثال التكاليف ان كان عدم قدرته لا بإختياره فلا إشكال في عدم تكليفه‌


صفحه 84

وأما ان كان عدم قدرته على إمتثال التكاليف من جهة سوء إختياره كما لو ارتد وقلنا لا تصح العبادات من المرتد أو لم يتعلم حتى جاء وقت التكليف فلم يسعه الوقت للتعلم وتعذر صدور إمتثال التكليف منه كما قد عرفت ان الحق عدم توجه التكليف إليه حينئذ لان (قبح تكليف العاجز) لا يقبل التخصيص وأما ما إشتهر في ألسنة الأصوليين والمتكلمين من ان الامتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار كما قد حكي عن بعضهم التمسك بذلك على صحة تكليف العاجز، بتقريب ان المراد به ان عدم القدرة والعجز المسبب عن إختيار المكلف لا يمنع من إختيار الفعل الذي هو مصحح للتكليف به وطلبه حال العجز عنه. ولا يخفى عليك ما فيه لحكم العقل بعدم صحة تكليف العاجز حال عجزه لعدم قدرته على إتيان العمل فيكون بعثه نحو العمل لغواً فالحق ان المراد بها ان العمل حال عدم مقدماته مع التمكن من إتيانها يكون ممتنعاً بإختيار العبد فهذا الإمتناع لا ينافي إختياره للعمل المصحح للتكليف به لقدرته على الإتيان به بإتيان مقدماته ومن هذا الباب صح التكليف بالإعتقاد بالله تعالى بإعتبار القدرة على مقدماته وهو تحصيل الأدلة على ذلك، نعم لا ينكر انه يستحق العقاب إذا كان عدم قدرته على العمل أو الترك بسوء إختياره وتعجيز نفسه عن ذلك لأنه كان العصيان بإختياره بواسطة إختيار ما هو العلة التامة للعصيان والمقدور بالواسطة كالمقدور بالذات فيكون العصيان قد تحقق بإختياره فيستحق العقاب عليه. ومن هنا فسرت القاعدة المذكورة وهي ان الإمتناع بالإختيار لا ينافي‌


صفحه 85

الإختيار بان المراد منها ان الواجب إذا إمتنع حصوله بسوء إختيار العبد كان إمتناعه لا ينافي الإختيار المعتبر في العقاب على المخالفة، نعم إِنما ينافي الإختيار المعتبر في توجه الخطاب فالعبد إذا إمتنع تحقق الواجب منه بإختياره إمتنع توجه الخطاب إليه ولم يمتنع العقاب على مخالفته للواجب كما انه قد تعارف بين العدلية في مقام الرد على الأشاعرة الذين إستدلوا على ان الأفعال واجبة الصدور من العبد بأنها لا يعقل ان تصدر منه إلا إذا وجدت علتها التامة ومعها تكون واجبة الصدور غير مختارة للعبد فأجاب العدلية عن ذلك بقاعدة ان الوجوب بالإختيار لا ينافي الإختيار يقصدون بذلك ان وجوب الفعل إِنما كان بإختيار العبد وإرادته له لان إرادته كانت الجزء الأخير من العلة وإذا كان الوجوب باختيار العبد فلا يعقل ان ينافي هذا الوجوب إختيار العبد إذ لا يعقل ان يكون المعلول منافياً للعلة. وكيف كان فالحق إستحقاق العبد العقاب إذا كان إمتناع الفعل بسوء إختياره وتعجيز نفسه لأنه يصدق عليه العصيان الذي هو العلة التامة لإستحقاق العقاب ولكن لا يخفى عليك ان هذا أنما هو في زمن وجوب الواجب أو حرمة المحرم وأما إذا كان قبلهما قد عجز نفسه فلايستحق العقاب على المخالفة للتكليف لأنه قبلهما لم يكن عليه تكليف بالفعل أو الترك فله ان يعجز نفسه عن إمتثاله وعند مجي‌ء وقت التكليف لم يصح توجه الخطاب به له لعجزه عنه ولهذا التجأ بعضهم للواجب المعلق في بعض الموارد والتزم بعضهم بوجوب‌


صفحه 86

المعرفة نفسياً لا غيرياً. وعليه يظهر لك لا وجه للنزاع في انه إستحقاق العقاب بالتعجز بسوء الإختيار هل يكون من حين ترك المقدمات كما عن الشيخ الأنصاري (ره) أو حين حصول المعصية كما عن المشهور؟ وذلك لما عرفته من ان إستحقاق العقاب إنما يكون في زمن التكليف لا قبله فزمان المقدمة ان كان في زمان التكليف إستحق العقاب بمجرد تركها إذا أوجب التعجيز وإلا فلا. ان قلت قد ذهب الكثير من علمائنا إلى وجوب تحصيل المقدمات من أول أزمنة التمكن من تحصيلها لتحصيل القدرة على الواجب في وقته وان لم يجب فعلًا لفرض ان الملاك في ظرف الواجب تام لا قصور فيه فتفويته ولو كان قبل حصول وقته تفويت له بالإختيار والعقل لايفرق في حكمه بقبح مخالفة المولى بين مخالفة تكليفه أو مخالفة غرضه إلا ترى ان العبد إذا علم بوقوع إبن مولاه في البحر بعد ساعة وجب عليه ان يحافظ عليه فعلًا لئلا يقع في البحر وان شئت فقس ذلك بما لو كان الأمر يرجع إليك كما لو كنت تعلم بإبتلاء في السفر بالعطش أو كنت في معرض الإبتلاء به عادة فلو لم تحصل الماء قبل السفر كنت مذموماً عند العقلاء لإنتهاء إمتناع الماء عليك في السفر إلى إخيارك. قلنا ليس العقل يحكم بالعقاب لمن فوت غرض المولى قبل إرادة المولى له منه إذ لا ملزم عليه ألا ترى ان المولى لو صرح له بعدم وجوب تحصيل المقدمات قبل وقت الواجب لم يكن في تصريحه أي مخالفة لحكم العقل. وأما ما ذكر من المثال بابن المولى فلأنه لما كان بحكم العقل يجب على العبد المحافظة على إبن المولى من الوقوع في‌