التكليف لما وجب عليه القضاء لان القضاء مأخوذ فيه انه تدارك لما فات.
ثانيها: ان الإنسان بمجرد ان يكون بالغاً عاقلًا ولو لم يكن قادراً يتحقق في حقه التكليف ولو ببعض الأصول الإعتقادية بعقله وإدراكه فيكون متصفاً بثبوت الكلفة عليه ويتحقق ثبوت جنس التكليف في حقه فيكون مكلفاً لأنه بمجرد ذلك يتمكن من امتثالها وفرض عدم تمكنه في هذه الحالة فرض محال بخلاف ما إذا لم يكن عاقلًا فان العقل والأدلة الشرعية تنفي ثبوت كل إلزام بشيء فعلًا عليه وهكذا إذا لم يكن بالغاً للأدلة الشرعية على عدم ثبوت أي تكليف عليه اللهم إلا ان يقال ان فرض عدم تمكنه مع هذا الحال ليس فرضاً محالًا فيشترط فيه التمكن إذ مع عدمه لا يصح التكليف ولكنه فرض نادر لا يصح بناء القواعد عليه.
ثالثها: ان المحرمات لا يشترط في التكليف بها القدرة على الترك لان كل شخص بمجرد بلوغه وعقله تتوجه عليه المحرمات اللهم إلا ان يقال انه أيضاً لابد وان يكون تركها مقدوراً له وإلا فلا تحرم عليه ولكنه فرض نادر لا يصح بناء القواعد عليه ان قلت ان الصبي مكلف بالحكم التكليفي لأنه يستحب له فعل العبادات كالصلاة والصوم غاية الأمر انه ليس على سبيل الوجوب ومكلف بالحكم الوضعي وهو تعلق الزكاة بماله وضمان ما أتلف ونحو ذلك
بل المجنون أيضاً مكلف بالأحكام الوضعية المذكورة فيكون التكليف قد ثبت في حقهما؟ قلنا المراد بالمكلف ما ألزم بالتكليف وهما لم يلزما بشيء أصلًا والمكلف بأداء مال الزكاة أو بدل التالف هو ولي الصبي والمجنون نظير تكليف ولي البهيمة بضمان صاحبها ما أتلفته إذا فرٌط في حفظها.
المحكوم به
المحكوم به هو الفعل الذي تعلق الحكم به إقتضاءاً أو تخييراً أو وضعاً وقد عرفت معنى الحكم ومعنى الإقتضاء والتخيير والحكم الوضعي والتكليفي وقد يسمى المحكوم به موضوع الحكم وقد يسمى بمتعلق الحكم وقد يسمى بالمحكوم فيه، والمحكوم به قد يكون مقدوراً بالذات لفعل الصلاة وقد يكون مقدوراً بالواسطة كالطهارة فإنها مقدورة بواسطة الوضوء أو الغسل أو التيمم وقد يكون غير مقدور أصلًا كدلوك الشمس فإنه قد حكم الشارع بكونه سبباً لوجوب الصلاة وبهذا ظهر لك انه لا يشترط في المحكوم به ان يكون مقدوراً نعم الأحكام التكليفية بخصوصها يشترط فيها ان يكون المحكوم به فيها مقدوراً اما بالذات أو بالواسطة كما سيجيء إنشاء الله بيان ذلك في شرائط التكليف على ان القدرة مرتبتها متأخرة عن الحكم فان الحكم يكمل في نفس المولى وينشأه، والقدرة عليه من العبد كما انه لا وجه لإشتراطه بالعلم فان العلم مرتبة متأخرة عن الحكم لما ذكرناه في القدرة وقد قسم القوم المحكوم به إلى ما هو من حقوق الله خالصة له والى ما هو من حقوق الناس خالصة لهم والى ما هو من حقوق الله وحقوق الناس وحيث ان هذا التقسيم إنما يعلم أقسامه وأمثاله في كتب الفقه ضربنا عنه صفحاً لخروجه عن موضوعنا.
شروط الحكم والتكليف
لقد ذكر القوم ان شروط الحكم والتكليف بحسب حكم العقل اما ان ترجع إلى الحاكم والمكلِّف أعني جاعل الحكم والتكليف أو إلى المحكوم عليه والمكلَّف أو إلى الحكم والتكليف أو إلى المحكوم به والمكلف به. اما ما يرجع للحاكم والمكلف فهي أمور خمسة:
الأول: علمه بصفات الفعل الذي يكلف بفعله أو تركه من كونه حسناً أو قبيحاً لئلا يكلف بما هو خلاف مصلحة المأمور به فيأمر بالقبح وينهي عن الحسن.
الثاني: علمه بقدر ما يستحقه العبد على المكلف به من الثواب والعقاب والألم يؤمن ان يوصل إليه بعض ثوابه أو أكثر من عقابه فلا يحسن التكليف وربما يحصل الظلم.
الثالث: قدرته على إيصال المستحق وإلا لزم الظلم.
الرابع: كونه غير فاعل للقبيح لئلا يكلف بما لا يطاق ولئلا يخل بالوعد بالثواب والوعيد والعقاب.
الخامس: علم الحاكم بعدم انتفاء شرط الحكم وتنقيح ذلك وتوضيحه بتنقيح مبحث جواز أمر الآمر مع العلم بإنتفاء الشرط فنقول لاريب في جواز الأمر بالفعل المشروط إذا كان الآمر والمأمور جاهلين كما انه لا خلاف في عدم الجواز إذا كانا عالمين إلا ما نقل عن بعض العامة فإنهم جوزوا ذلك ولا عبرة بهم وإنما النزاع إذا كان الآمر عالماً بإنتفاء الشرط والمأمورجاهلًا به فهل يجوز ان يأمر أم لا؟ ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى العدم والأشاعرة إلى الجواز وتنقيح المطلب يتوقف على رسم مقدمتين:
أحدهما:انه لا إشكال في ان هذه المسألة عقلية لا ربط لها بالألفاظ ولكن هل هي من مباديء الأصول أو من مسائلة؟ وجهان يحتمل كونها من المبادىء بإعتبار ان البحث فيها عن أحوال المكلف فيكون من المسائل الكلامية لان علم الكلام يبحث فيه عن أحوال المكلف وما يصح منه وما يمتنع عليه لأنه يبحث فيه عن أحوال المبدء والمعاد وهذه المسألة قد اشتملت على البحث عما يصح للمكلف فعله فيكون البحث فيها عن أحوال المبدء وعليه فتكون من المباديء التصديقية لعلم الأصول لا من الأصول الموضوعية له حيث انها لم تكن مبينة في علم الكلام ولا بينة بنفسها وكل ما كان كذلك لابد من بيانه إذا كان مقدمة في ذلك العلم لمسائله والحاصل انها على هذا تكون مسألة كلامية للبحث فيها عن أحوال المبدأ ومقدمة تصديقية للمسائل الأصولية لتوقف الإستنباط عليها لان البحث فيها عن
الجواز وعدمه يترتب عليه الحكم الشرعي في بعض المسائل وجوداً وعدماً فإنا ان قلنا بالجواز فالمسافر لو أفطر قبل علمه بالسفر يلزمه الكفارة ويترتب عليه العقاب حقيقة وان قلنا بالعدم فلاشيء عليه سوى التجري والبحث فيه موكول إلى محله. ويحتمل ان تكون مسألة أصولية بوجهين:
الأول: ان البحث فيها عن أحوال العقل والعقل من جملة موضوع علم الأصول لان البحث في انه هل يجوز العقل ان يأمر الآمر به أم لا.
الثاني: انه يبحث فيها عن أحوال الكتاب والسنة بمعنى ان فيها عمومات واطلاقات هل تقيد بغير صورة إنتفاء الشرط فمثل قوله تعالى: [فمنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيصُمْه] هل يقيد بغير المسافر والحائض وغير ذلك من شروط الصوم أم لا؟ وربما يقال ان الأشاعرة لايقولون بالحسن والقبح العقليين فكيف يصح القول منهم بعدم القبح وكيف يتصور النزاع بينهم. قلنا حكمهم بعدم القبح لا من جهة عدم حكم العقل بالقبح لامن جهة حكمه بعدم القبح، وما الاعتذار بأن الاشاعرة لايقولون بعدم حكم العقل بالقبح مطلقاً بل في الاحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب وهذه المسألة ليست منها ففساده واضح لشمول كلامهم لمثل هذه المسألة كما ان الفرق بين هذه المسألة و مسألة التكليف بالمحال ان النزاع في مثل هذه المسألة صغروي وفي مسألة التكليف بالمحال كبروي كأن يقال هذا محال وكل
محال يجوز التكليف به أم لا والنزاع في هذه المسألة في الصغرى بان هذا محال أم ليس بمحال المقدمة.
الثانية: في بيان المراد من الألفاظ التي في محل النزاع وهي لفظ الجواز والأمر والشرط. اما الجواز فله معانِ خمسة:
أحدها: الجواز في مقابل الحرمة فيقال يجوز هذا الشيء يعني لا يحرم.
الثاني: الجواز بمعنى الإمضاء كقولهم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز أي ماضٍ.
الثالث: الجواز بمعنى الصحة مقابل الغلط وذلك كقولهم يجوز إستعمال المشترك في أكثر من معنى بمعنى انه يصح إستعماله في ذلك وليس بغلط.
الرابع: الجواز بمعنى الحسن وهو ما قابل القبح فيقال يجوز هذا العمل يعني انه يحسن فعله ولا يقبح.
الخامس: الجواز بمعنى الإمكان فيقال ان هذا الأمر جائز بمعنى انه ممكن غير ممتنع، والمعاني الثلاثة الأول ليست بصالحة في المقام لأنه لا ملازمة بين الغلطية والتكليف بالمحال لأنه قد يكلف ولا يقال له انه غلط بل يقال انه كلف بما لا يطاق وهكذا الجواز المقابل للحرمة تخص المأمور لا الآمر وهكذا الجواز بمعنى الإمضاء لان محل
الكلام ليس في الإمضاء وإنما هو في أصل الصدور وكيف كان فالمتبع هو الظاهر والظاهر من كلماتهم في هذا المقام إرادة الجواز بغير هذه المعاني الثلاثة وإنما الصالح له هو المعنيان الأخيران لان قولهم: (الأمر بالفعل المشروط جائز مع العلم بإنتفاء الشرط) يصلح ان يريدوا منه انه يحسن من الشارع ولا يقبح منه ويصلح ان يريدوا منه انه ممكن ذلك من الشارع ولكن يمكن في المقام ان نرجع المعنى الخامس إلى الرابع لان معنى كونه ممكن انه غير قبيح منه (تعالى).
وأما الأمر فينقسم إلى أقسام مختلفة بإعتبارات متعددة: نفسي وغيري تبعي وأصلي وغير ذلك ولكن الذي يتعلق بالمقام قسمان:
أحدهما: ما كانت المصلحة في الفعل المأمور به نفسه بأن يكون الداعي إلى الفعل المأمور به هو حسن الفعل ومحبوبيته عند الآمر.
ثانيهما: ما كانت المصلحة في الطلب فقط والفعل لا مصلحة فيه وهذا القسم ينقسم لأقسام ثلاثة لان المصلحة الداعية إلى الطلب قد تكون توطين المكلف على الفعل من أجل الثواب وقد تكون الاختبار لالقاء الحجة عليه أو لعلمية حالة وقد تكون هي الخوف وهو الأمر الذي يصدر من الإمام (ع) للتقية، فان قيل ان أمر التقية ظاهرة الكذب فلا يناسب صدوره من الإمام (ع) قلت الكذب إذا كان لمصلحة وهي خوف الضرر جائز بالأدلة الأربع أو
نقول انه ليس بكذب حقيقة لأنه (ع) يتكلم على سبيل التورية فيكون الأمر في كلامه على حقيقته وذلك كأمره بالوضوء عند خروج المذي فيقول للسائل توضأ بمعنى انه يستحب الوضوء لا واجب وان كان ظاهرة الوجوب ولكن أراد خلاف الظاهر للتقية من الحاضرين والفرق ما بين هذا وما قبله ان ما قبله الطلب مراد واقعاً في نفسه ومحبوب كذلك بخلاف هذا فإنه غير محبوب واقعاً وقد حكي عن شريف العلماء انه قسم الأمر إلى أقسام أربعة:
أحدها: ان يأمر المولى عبده ويريد الفعل حقيقة منه ويعلم انه مطيع وذلك نظير أوامره إلى سائر المطيعين.
ثانيهما: ان يأمره ويريد الفعل حقيقة ولكنه يعلم انه لا يفعل.
ثالثها: ان يأمر ولايريد الفعل وإنما يأمر للتوطين ويعلم انه يوطن نفسه على الفعل.
رابعها: ان يأمر للتوطين ويعلم انه لا يوطن نفسه. ويسمى الأول بالأمر الحقيقي اللبي اما انه حقيقي فظاهر وأما انه لبي فلأن المتكفل بذلك هو العقل ولا مدخل للفظ لان الطاعة موقوفة على العلم بإرادة المولى من أي طريق كان من دون مدخلية للفظ حتى لو استفدنا ذلك من اللفظ لا يكون له مدخلية إلا ان الحاكم في ذلك هو العقل، والثاني يسمى بالإبتلائي الساذج والثالث يسمى بالتوطيني