عدم إشتراط البلوغ في التكاليف غير الألزامية:
المطلب الأول: الحق ان التكاليف الشرعية غير الإلزامية كالإستحباب والكراهة لايشترط فيها البلوغ وإنما هو شرط لخصوص الوجوب والحرمة وذلك لان العقل لا يأبى توجه الخطاب بالتكاليف غير الإلزامية للصبي المميز ولا مانع من توجهها له لاعقلًا ولاشرعاً ويؤيد ذلك ما ورد في الأخبار من جواز أمور مستحبة كعتق الصبي إبن عشر سنين وصدقته ووصيته وجواز إمامته وإذانه. والظاهر من جواز ذلك هو إستحبابها له وان عباداته مشروعة ويعضده خبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (ع) قال (ان أولاد المسلمين موسمون عند الله شافع ومشفع فإذا بلغوا أثنى عشرة عاماً كانت له الحسنات فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات)، ان قلت ان الشرع قد منع توجهها إليه لحديث (رفع القلم) فأنه ظاهر في رفع جعل الأحكام في حقه، قلنا انه ظاهر في رفع جعل الأحكام الألزامية دون غيرها لأنه وارد في مقام الإمتنان ولا منة في رفع الأحكام غير إلزامية وسيجيء إنشاء الله عما قريب في بيان عدم إشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية ما ينفعك هنا.
عدم إشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية
المطلب الثاني: لا شبهة في عدم شرطية البلوغ في الأحكام الوضعية فإن الطهارة والنجاسة والمواريث والديات والضمان
بالغصب وبالإتلاف وبالالتقاط ونحو ذلك يثبت للصبي كالبالغ، والوجه فيه عموم دلالتها وعدم وجود المخصص لها فان قوله: (مَن أحيى أرضاً ميتة فهي له) أو (من حاز شيئاً من المباحات فقد ملكه أو على اليد ما أخذت حتى تؤدي) أو (من أتلف شيئاً من مال أو نفس ضمنه) ونحو ذلك كلها عامة للصبي كالبالغ من دون فرق فلذا أفتى القوم بأنه يملك بالاحتطاب والاصطياد ويضمن بالإتلاف أو الجناية نعم إذا استفيد الحكم الوضعي من الحكم التكليفي كان تابعاً له فإذا كان الحكم التكليفي مختص بالبالغين كان الحكم الوضعي مختص بهم أيضاً لأنه محدود بحدوده شأن كل تابع ومتبوع وإلا لو وجد من دونه لم يكن تابعاً له فهو نظير تبعية المفهوم للمنطوق إلا إذا قام دليل على إختصاص الحكم الوضعي بالبالغ كما في ولايته على اللقيط فان الظاهر قيام الإجماع على عدم ولاية الصبي على اللقيط وكما في البيع والشراء ونحوها. والحاصل ان الأحكام التكليفية لا تشمل الصبي للأدلة المقيدة لها بالبلوغ بخلاف الأحكام الوضعية فإنها تشمل الصبي فلابد في الموارد التي لا يثبت فيها الحكم الوضعي للصبي من دليل مخصص ولهذا إشتهر فيما بينهم ان الأحكام الوضعية تثبت لغير البالغين. وقد أورد على ذلك بعدة إيرادات:
أحدها: ان أدلة الأحكام الوضعية تنصرف إلى البالغين لأنها مسوقة كسياق سائر التكالف المتعلقة بالبالغين، وفيه ان اللفظ المستعمل فيها لا ريب في عمومه لغةً وعرفاً مضافاً إلى فهم العلية من
هذه الأدلة الموجبة لإلقاء جهة المباشر من كونه صغيراً أو كبيراً القاضي بثبوت الحكم في أي مورد كان وأما أدلة التكاليف الإلزامية فهي لا تشمل الصبي المميز من جهة الأدلة المخصصة لها بالبلوغ وأما غير المميز فهو غير قابل للخطاب.
ثانيها: ان الحكم الوضعي مستلزم لحكم تكليفي إلزامي غالباً أو مطلقاً وإنتفاء الملزوم يوجب إنتفاء اللازم وقد سلمتم عدم تكليف الصبي المميز بالتكاليف الإلزامية، وبعبارة أخرى ان الحكم التكليفي من وجوب دفع أو من تحريم أخذ أو نحو ذلك مما يلازم الأحكام الوضعية لا يتعلق بالصبي كما حقق ونفي اللازم قاضي بنفي الملزوم. وفيه ما ذكره صاحب العناوين من ان إستلزام الوضعي للتكليف ان كان في جملة أعم من الإطلاق والتقييد وأعم من ان يكون على من وضع عليه أو على وليه فهو مسلم فإن ضمان المتلف يقضي بوجوب الدفع إلى المالك مع المطالبة لكن مع إجتماع شرائط التكليف. وهذا لا مانع منه في الطفل فإنه ضامن بالفعل يجب عليه دفعه إذا إجتمع فيه شرائط التكليف أو على وليه، وان كان خصوص الحكم المطلق المنجز عليه فقط فإستلزام الحكم الوضعي للتكليف بهذا المعنى ممنوع كما أشرنا، إليه مضافاً إلى ان عدم وجود الضمان في الصبي إلى حال البلوغ يوجب عدمه بعده أيضاً لبراءة ذمته قبل البلوغ ولا سبب بعد ذلك. وكون الإتلاف حال الصبي سببا للضمان حال البلوغ فلا حكم وضعياً حال الصبي خلاف ظاهر الدليل.
وتظهر الثمرة في صحة الإبراء وغير ذلك مما لا يخفى، ومن هذا الباب سائر الأسباب فان أسباب الوضوء والغسل موجبة في الصبي أيضاً. لهما عند تعلق التكليف. والوطيء مثلًا سبب للتحريم في المصاهرة ولو أحقها في الصبي كالبالغ وعلى هذا النحو غيره.
ثالثها: ان حديث (رفع القلم) والروايات الدالة على ان عمد الصبي وخطأه واحد والروايات الدالة على عدم نفوذ أمر الصبي تقتضي عدم ثبوت الأحكام بأجمعها مميزاً كان أو غير مميز وسواء كانت الأحكام تكليفية أم وضعية وسواء كانت مستلزمة للتكليف أم غير مستلزمة لان معناه ان القلم الذي وضع الأحكام على المكلفين قد رفعه الواضع عن الصبي فيكون كناية عن ارتفاعها عنه وهو حاكم ومقدم على عمومات الأحكام وإطلاقاتها، وهكذا روايات عمد الصبي وخطأه واحد فأنها دالة على إلغاء أفعاله الإختيارية وأنها بمنزلة العدم، وهكذا روايات عدم نفوذ أمر الصبي تدل على عدم الإعتناء بأفعاله وتصرفاته كما سيجيء إنشاء الله نقل ذلك بأجمعه وبيان دلالته في أدلة المنع من معاملات الصبي. مضافاً إلى ان بعض عمومات الأحكام لا تشمل الصبي كقوله تعالى: [يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا] وعليه فلا تكون المستحبات والمكروهات ولا الأحكام الوضعية ثابتة في حقه. والجواب اما عن حديث (رفع القلم) فهو ان الظاهر من هذا التعبير هو إرادة عدم إلزامه بشيء وجوداً أو عدماً فإنه إذا
أطلق هذا الكلام عند العرف لا يفهم منه غير ذلك فإذا قبل فلان رفع عنه القلم فأنه لا يراد منه الا عدم الإلزام له بشيء ولذا العرف يستعملون هذه الكلمة غالباً في حق شخص يتوهم انه ملزم بالعمل فيقول في رد المتوهم رفع عن الشخص المذكور القلم ولهذا تجد نوع الفقهاء فسروا رفع القلم بقلم المؤاخذة أو بقلم التكليف أو بقلم كتابة السيئات بإعتبار ان معنى الكلمة المذكورة هو رفع الإلزام ولازمه ذلك. بل إدعى الأيرواني (ره) ان كلمة الرفع إنما تطلق مقام إزالة الثقل والثقل إنما بالإلزام ويؤيد ذلك ان الحديث المذكور إنما هو وارد في مقام الإمتنان والإمتنان إنما هو برفع الإلتزام الفعلي المنجز دون غيره. بل إرادة رفع قلم الوضع والجعل للأحكام مطلقاً حتى الوضعية بقطع بعدمها لان معناه ان الصبي يكون أدون من الجمادات لان الحكم الوضعي قد ثبت لبعض أفعالها كسببية الكسوف والخسوف والدلوك للصلاة. والحاصل ان ظاهر هذه الكلمة هو رفع الأحكام الإلزامية وهي خصوص الوجوب والتحريم دون الإستحباب والكراهة والأحكام الوضعية حيث انها لا إلزام عليه مادام صبياً ولو سلمنا عدم الظهور فهو القدر المتيقن منه فيجب حمله عليه ودعوى ان إرادة هذا المعنى من الكلمة المذكورة ينافي ذكر النائم والمجنون في متعلقها لان العقل مستقل بعدم إلزامها بشيء فلا فائدة معتدة بذكرها مع الصبي في رفع القلم بهذا المعنى الذي
ذكرته وهذا بخلاف ما إذا أردنا بها رفع الأحكام بأجمعها فاسدة، فإن الحديث النبوي الشريف بين الفريقين: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه) وفي بعض النسخ بدل (حتى يحتلم) حتى يبلغ ولا ريب ان في الأخبار عن رفع القلم عن المجنون وعن النائم بالحد الذي ذكره لهما فيه فائدة وهي ثبوت التكليف عليها بعد ذلك، مضافاً إلى ان الكثير من الأحكام الشرعية قد حكم بها العقل المستقل كالبراءة الشرعية وكقبح الظلم وحرمة الكذب أو أخبر عنها الشارع كوجوب إطاعته وحرمة معصيته فهل يكون ذلك موجباً للغّوية. والحاصل ان الشارع طالما يحكم أو يخبر بما حكم به العقل تأكيداً لحكمه أو دفعاً لتوهم عدم حكمه بذلك كمن يرى ان للشارع ان يحكم بغير المستقلات العقلية ويأمر بالمحال وعليه فالشارع يحكم عن طبق العقل لرفع توهم الأشاعرة ونحوهم فالحق ان الحديث إنما يرفع خصوص الوجوب والتحريم الفعلي المنجز عن الصبي دون الأحكام التكليفية غير الإلزامية كالإستحباب والكراهة والإباحة ودون الأحكام الوضعية لأنه بنفسها لا إلزام فيها ولا تحديد لعمله ولا تقييد لعمله في ثبوتها عليه لأنه لا يوجه عليه طلب إلزامي عند تحققها حال كونه صبياً بل لو كانت تستلزم طلباً فهو إنما يتوجه لوليه أو بعد بلوغه ولكن يمكن ان يقال بان حديث الرفع ظاهر في الرفع كلية قبل البلوغ وبعده بمعنى
انه ظاهر في ان الفعل الصادر من الصبي مرفوع عنه تبعاته قبل البلوغ وبعده فالبيع الصادر منه يظهر من حديث الرفع انه مرفوع أثره قبل البلوغ وبعده لإطلاق الرفع فيه فحديث الرفع يدل عل ارتفاع الأحكام الوضعية كلية لاعلى رفعها في حال الصبا فالأولى ان يقال ان حديث الرفع ظاهر في ارتفاع كل ما يترتب شرعاً على العمل الذي يصدر عن إختيار العبد ولذا جعله الشارع الصبي في سياق المجنون والنائم وعليه فحديث الرفع يدل على ارتفاع الأحكام الوضعية للأعمال الإختيارية كسببية البيع والإجارة للنقل والإنتقال ونحو ذلك مما تعتبر في ترتيب الأثر عليها بصدورها بالإختيار فان حديث الرفع يرفع مثل هذه الأحكام الوضعية عن الصبي. نعم الأحكام الوضعية التي تثبت للصبي اما ان لا تكون من هذا القبيل ثابتة للأعمال وان صدرت من دون اختيار كالإتلاف فإنه سبب
للضمان وان صدر من دون اختيار وهكذا الجنابة ونحوها فإنها سبب للغسل وان صدرت من دون اختيار وأما ان تكون كذلك ويعتبر فيها الاختيار ولكن قام الدليل الخاص على ثبوتها للصبي كالوصية ونحوها فيكون ذلك الدليل مخصص لحديث الرفع وأما ان تكون كذلك لا يشملها حديث الرفع من جهة ان حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وارتفاعها خلاف المنه وذلك كسببية الحيازة للتملك فإنه وان كان تثبت للحيازة إذا صدرت عن إختيار ولكنها لا ترتفع
عن الصبي بحديث الرفع لكون حديث الرفع وارد في مقام المنه وخلاف المنه رفع سببية الحيازة للتملك عن الصبي وبهذا نعرف الكلام في عمد الصبي خطأ وأمر الصبي غير نافذ فان مساقها واحد وان أردت توضيح الحال في هذه الأخبار بأجمعها فانظر لما سيجيء إنشاء الله في مبحث معاملات الصبي.
رابعها: ان القول بثبوت الأحكام الوضعية لموضوعاتها الصادرة من الصبي يستلزم الحرج النوعي على الصبي إذا بلغ. وفيه إنا لا نسلم ذلك وعلى تقديره فهو من الشاذ النادر فيقدر بالمقدار الذي لا حرج فيه عليه فان الضرورات تقدر بقدرها وسيجيء إنشاء الله بيان المعاملات التي قيل بعدم إعتبار البلوغ فيها.
ماهية البلوغ وعلاماته[1]:
المطلب الثالث: ان البلوغ عبارة عن مرتبة وقوة باطنية واستعداد معنوي في الإنسان ينتقل به الأطفال إلى حد الكمال ويبلغ الذكر منهم مبالغ الرجال في قابلية الوطىء بشهوة وتبلغ الأنثى منهم مبالغ النساء في قابلية الموطئية لها بشهوة وطاقة يصح إناطة التكليف
[1]() اعتمدنا في هذا المقام في نقل الأقوال وبعض الفوائد عن المرحوم المامقاني( قدس سره).