
الاحكام
تأليف
كاشف الغطاء، علي
تاريخ وفات مؤلف: 1411 ق
موضوع: اصول
زبان: عربي
تعداد جلد: 6
تعداد صفحات: 313
[الجزء الخامس]
الشرط الحادي عشر للأحكام الإختيار وعدم الإكراه والإضطرار
يشترط في صحة الحكم أن يكون المحكوم عليه مختاراً يملك زمام أمره لا مضطراً ولا مكرهاً. وتنقيح البحث في المقام يستدعي بسط الكلام في مقامات:
الأول: في تحقيق معنى الإكراه والفرق بينه وبين الإضطرار وما المعتبر منهما في التكاليف الشرعية والأحكام الوضعية والعبادات والمعاملات فنقول: إن (الإكراه) على ما يستفاد من اللغويين هو قهر الغير للشخص على الفعل أو الترك بنحو التوعيد بالضرر على المخالفة وحمله على العمل كرهاً وقهراً بحيث يخرج الفعل عن إستقلال إرادة الفاعل له ويكون إيجاده بسبب إكراه المكرِه لا بإرادة الشخص الفاعل وإختياره التام سواء كان ذلك العمل مكروهاً لذلك الشخص كما لوأكره على ضرب ولده، أو كان العمل محبوباً له كما لو أكرهه على الزنا بإمرأةٍ جميلة أو أكرهه على شرب الخمر وهو يحب شربه.
نعم لو كان القهر بالغاً حد الإضطرار السالب للإرادة الكلية كما لو فتح فمه بالقوة ووضع فيه الخمر سمي إضطراراً. والحاصل إن الإكراه يعتبر في تحققه القهر والإلجاء من الغير بنحو التوعيد
بالضرر على الترك أعم من أن يكون على الفعل الذي هو مكروه للشخص المقهور عليه أو المحبوب له.
نعم يشترط في الإكراه هو أن يكون الجابر له على العمل هو الإنسان وإلا لو أجبره على العمل شيء آخر غير الإنسان كفقره لبيع داره أو مرضه لشرب المسكر أو المحافظة على عرضه لطلاق زوجته أو نحو ذلك كان ذلك من الإلجاء، فالمذكورات إذا كان إتيانها من جهة إجبار شخص عليها كانت من الإكراه وإلا كانت من الإلجاء وقد يسمى بالإضطرار تجوزاً، قال جدي العباس بن الحسن (ره): ما فُعِل لدفع الضرر بإيعاد الغير لا يترتب عليه الأثر وما عولج به دفع الضرر والنقص لا ينافي إستقلال الفاعل وطيب نفسه وليس من الإكراه في شيء. وإن شئت قلت إن الإكراه هو ضغط من الغير يتأثر به إرادة الشخص فيندفع إلى العمل فهو لا يعدم الإرادة ولكنه يسلب الرضا بالعمل فإن المكرّه نظير من أراد أحد الضررين وأختار أحد المحذورين من دون أن يكون راضياً بأيهما وكيف يقال أن بالإكراه ينعدم الإختيار مع المكرّه عرف الشرّين فإختار أهونهما وهذا دليل على حسن إختياره ووجود القصد للعمل منه فكيف يكون الإكراه مفسداًلأختياره وأصل قصده؟ وهذا هو المعنى اللغوي للإكراه وهو المعنى المتعارف منه وهو الذي يريده الفقهاء من إستعمال هذا اللفظ وقد يظهر من بعضهم كصاحب الجواهر وصاحب التلويح وصاحب البدائع أن الإكراه على قسمين:
الأول: هو قهر الغير للفاعل على العمل بنحو التوعيد على الضرر بالترك ويكون الإنسان يملك إرادته معه نظير الإكراه على السير أو الأكل ونظير إكراه المملوك على خدماته كما تقدم من توضيحه وقد سماه بعضهم بالإكراه الناقص.
والثاني: هو قهر الغير له على العمل بنحو الإضطرار والإجبار بحيث يكون الفاعل مسلوب الإرادة للعمل ويسمى بالإضطرار كما لو فتح الغير فم الآكل بالقهر والقوة وألقى فيه الخمر، وكما لو زنا بالمرأة بالقوة من دون إختيارها فإن المرأة تكون مضطرة للزنا وسماه بعضهم بالإكراه التام.
ولكن التحقيق أن محل كلام الفقهاء هو القسم الأول بل هو المتبادر من إطلاق الإكراه بل هو المعنى اللغوي الحقيقي للإكراه، وكيف كان فهو محل الكلام، وأما الإكراه بمعنى الإضطرار فهو يعلم حكمه من كلام الفقهاء في الإضطرار وسيجيء إنشاء الله منا الكلام في الإضطرار. إذا علمت أن محل الكلام هو الإكراه بالمعنى المتقدم أعني قهر الغير للفاعل على العمل بنحو التوعيد على إضطراره بالترك فنقول يعتبر في تحقق هذا المعنى أمور ثلاثة:
(أحدها): وجود وعد المكرِه بالضرر على فرض مخالفة المكرَه بأن يوجد هذا الوعد لدى المكرَه، فإنه لولا وجوده عنده لما أثر الكراهة. ولا فرق في وجود الوعد عند المكرَه بين أن يكون موجداً بوجود علمي لديه كما لو علم بالوعد من المكرَه أو بوجود تخيلي
لديه كما لو قطع بوجود الوعد وهو ليس بموجود فخاف وارتكب العمل بل وحتى بوجود إحتمالي لديه إذا ولّد الخوف عنده فارتكب العمل فإنه في هذه الصور كلها يكون الوعد هو الباعث للغير على العمل نظير الأمر فإنه قد يبعث الإنسان نحو العمل بوجوده العملي كمن علم بوجوب الصلاة وقد يبعث الإنسان نحو العمل بوجوده التخيلي كمن قطع بوجوب الصلاة وهي ليست بواجبة عليه وقد يبعث بوجوده الإحتمالي كمن يحتمل وجوب الصلاة فيأتي بها فإنه في هذه الصور كان الأمر هو الباعث للإنسان على إتيان الصلاة، وبهذا ظهر لك فساد ما ذهب إليه السيد كاظم في حاشيته وتبعه بعض أساتذة العصر على أن الإنسان لو تخيل الأمر من الغير أو توهم الوعد من الغير على المخالفة ولم يكن في الواقع كذلك فلا يعد إكراهاً حيث عرفت أنه من الإكراه إلا أن الميزان هو وجود الوعد المذكور في نفس المكرَه وقد كان موجوداً فهو نظير قصد القربة بالأمر ولو سلمنا عدم وجود الوعد المذكور في النفس فالإكراه إنما أوجب بطلان المعاملة أو إرتكاب المحظور بإعتبار تولد الخوف والرهبة من الغير بحيث تكون إرادته للعمل ليست بمستقلة ولو سلمنا إنه لا يعد إكراها فهو في حكم الإكراه لأنه يكون عذراً في ترك الواجبات وفعل المحرمات كما ذكره السيد (ره) وموجباً لبطلان المعاملة لعدم صدورها معه عن طيب نفس ولا عن تراضي كما ذكره بعض أساتذة العصر حفظه الله ومنه يظهر أنه لو صدر من السلطان إكراه على المعاملة ولكنه لم يطلع عليه إلا أنه صدرت منه
المعاملة كانت المعاملة صحيحة لعدم وجود الإكراه في نفس المكرَه أصلًا فالمعاملة تكون صادرة منه بطيب نفسه.
ثم إنه لا فرق بين أن يكون الضرر المتوعد عليه من المكرِه كأن قال له إفعل هذا الأمر وإلا قتلتك أو كان من غيره كما لو أمره موظف السلطان بالعمل وقال له إن لم تفعل حبسك الشرطة كما أنه لا فرق بين أن يكون الوعد بلسان المقال كالأمثلة المتقدمة أو بلسان الحال كما لو أمره بالعمل ولم يوعده بلسانه بشيء ولكن كانت قرائن الأحوال تدل على أنه لو لم يفعل لضرب كأن شَاهَدَه يضرب كل من لم يطعه في أمره بهذا العمل وعليه لو فعل الإنسان العمل لا من جهة الوعد على المخالفة بل من جهة الخوف من آفة سماوية كأن باع داره خوفاً من الفيضان أو من السباع أو من الكلاب أو من جهة الحاجة لثمنها أو خوف من السلطان كما لو أن الإنسان باع سفينته لأن السلطان يأخذ كل سفينة غصباً أو خوفاً من الدعاء عليه أو من السحر لم يكن ذلك من الإكراه وكانت المعاملة صحيحة لأن المعاملة كانت عن طيب نفس وعن تراضي رغبة في النفع ودفعاً للضرر مستقلًا في فعله ومخلى وطبعه فكانت إرادته لها مستقلة ولو سلم أنه يصدق عليها عنوان الإكراه أو الإضطرار لاسيما الأخيرة فنقول إن الأدلة الدالة على عدم صحتها لا تشملها لأن الأدلة الدالة على عدم صحة المعاملة المكرَه عليها أو المضطر إليها كلها واردة في مقام الإمتنان وليس من المنة في شيء فساد المعاملات المذكورة وأما لو كان الآمر بالعمل لم يهدد على المخالفة ولكن الإنسان المأمور بالعمل
خاف بطش غيره على مخالفة ذلك الأمر كما لو كان إبن السلطان أو معشوقته طلبت بيع دار إنسان من دون توعيد وتهديد على المخالفة ولكن الإنسان خاف إن السلطان يضره لو خالف فالتحقيق أن مثل ذلك إن كان بأمر من السلطان كما في موظفي الدولة فهو من الإكراه لأن الأمر يكون مقروناً بالوعد بالضرر على المخالفة وأما إن كان لا بأمر من السلطان وإنما هو محض إرادة ورغبة من الآمر فهو ليس من الإكراه في شيء وإن خاف ضرر السلطان لو خالف فإن ذلك يرجع إلى فراره من الضرر بمحض إختياره وإستقلال إرادته نظير من خاف غضب السلطان لمالِه فباعه ولذا في العرف واللغة لا يقال لهذا الآمر أنه مكرِه لهذا الشخص ولا أن هذا الشخص مكرَه من قبله والميزان في صدق عنوان الإكراه هو العرف واللغة.
نعم يبقى الكلام في وجود طيب النفس والتراضي في هذه المعاملة فإنه من الممكن أن يقال بفسادها من جهة عدم طيب النفس وعدم الرضا بها ويمكن أن يقال إنهما حاصلان فيها لأن إرادة الآمر غير مؤثرة فيها وإنما باعها فراراً من الضرر نظير من يبيع داره فراراً من ضرر الجار.
(ثانيها): خوف المكرَه من الوعد المذكور خوفاً يوجب إندفاع النفس نحو ما إكرهت عليه من ترك أو فعل، سواء كان الشخص كثير الخوف كالجبان أو لم يكن وسواء كان المقام لا يحصل منه الخوف لغيره أو لا وسواء حصل عنده الظن الراجح يترتب الضرر
أو لم يحصل فإن الميزان هو الخوف من الضرر الذي وعد عليه لو خالف المكرِه (بالكسر) فلو كان المتوعد بالضرر رجل عادي لا يحصل من وعده خوف يوجب العمل بقوله لم يصدق الإكراه، وعبر المتأخرون عن هذا الأمر الثالث بالرهبة في النفس يتبعها الإكراه فتحمل المكرَه على العمل والعبرة في المقام بالخوف النفسي الفعلي وإن كان الضرر المتوعد عليه ليس بفوري.
(ثالثها): كون الضرر المتوعد به مضر بحالة أو حال من يهمه أمره من نفس أو عرض أو مال. والميزان هو أن يكون الضرر الذي توعد به يكرهه كراهة تزيد على كراهة الفعل على وجه يختار الفعل في سبيل التخلص منه دفعاً للأفسد بالفاسد، ويحكى عن عمنا الأعلى صاحب أنوار الفقاهة الشيخ حسن إنه لو توعد بقتل أحد الشيعة بل بقتل مسلم إذا لم يفعل كان من الإكراه. ولا يخفى عليك ما فيه فإنه لا يصدق عليه الإكراه عرفاً ولا لغةً إلا إذا بلغ حال الإنسان بحيث يتأثر على ذلك مثل تأثره على ولده حتى يتحقق عنوان القهر والإلجاء. ومن هنا ظهر لك أنه لو توعده بضرر لا يعود للمكره كما لو توعده بضرر شخص أجنبي عنه لم يكن من الإكراه في شيء كأن قال له بعني دارك وإلا قتلت زيداً وزيد أجنبي عنه أو توعد بضرر نفسه وهو أجنبي عنه كما لو قال له بعني دارك وإلا قتلت نفسي وهو أجنبي عنه لم يكن من الإكراه في شيء. ثم إن الضرر المتوعد عليه لا بد من أن يكون غير مخالفة تكليف شرعي محض فلو قال له إفعل كذا وإلا ألزمك بشرب الخمر أو أمنعك من