الصلاة أو من عمل المستحبات فإنه ليس إكراهاً لأنه لو منعه منها لا يكون آثماً فلا ضرر في مخالفته للمكرِه، نعم لا يجوز له عدم الفعل لو كان أمراً بسيطاً وضرراً لا يعتد به فلو قال له أعطني درهماً وإلا منعتك من الصلاة وجب عليه إعطاء الدرهم من أجل إتيان الصلاة كما يعطي الدراهم من أجل إخراج الماء للوضوء ويكون إكراهاً حينئذٍ لأنه يأثم لو لم يعط بخلاف ما إذا قال له بع دارك وإلا منعتك من الصلاة فإنه له الإمتناع من بيع الدار لأنه ضرر كبير ومعتد به فلا يجب فعله من أجل الصلاة فله عدم بيع الدار وإن استلزم ترك الصلاة كما أنه لا يعد من الإكراه ما لو كان الضرر مستحقاً عليه كما لو قال إفعل كذا وإلا قتلتك قصاصاً أو طالبتك بديني عليك فإنه لا يعد إكراهاً لأن الفعل إنما أتى به دفعاً للضرر كان متوجهاً عليه قبل الأمر فهو مريد لدفعه عنه بكل وجه قبل أن يتوعد عليه إذا لم يفعل المعاملة لذا تصح المعاملة لو قال لا أبيعك هذا الدواء إلا أن تهبني هذه الجارية فإن الهبة تكون صحيحة فإن هذا يرجع إلى الوعد بالنفع، نعم قد يكون ذلك عذراً في عدم الإتيان بالواجب أو فعل المحرم كما لو قال لك كُلِ الميتة وإلا طالبتك بالقصاص فإن له العذر في ذلك لو أكلها.
(رابعها): عدم إمكان التفصي عن ارتكاب المكرَه عليه بغير ضرر عليه وعدم إمكان التخلص من ذلك ويعبر عنه في ألسنة الفقهاء بعدم المندوحة فقد إدعى جملة من فطاحل العلماء إعتباره في تحقق موضوع الإكراه بدعوى أن الإكراه لا يصدق لغة ولا عرفاً مع إمكان
التخلص بغير الضرر والوجه في ذلك أن الخوف لا يتحقق مع إمكان التخلص من شر المكرِه فإن من أكره على شرب الخمر وأمكنه التخلص بأمر غلمانه بالدفاع عنه أو بالخروج من المكان فإنه لو شرب الخمر لم يكن مكرهاً عليه لعدمه خوفه من ترك شربه بدفاع غلمانه عنه أو خروجه من الدار بخلاف إمكان التخلص بالضرر على النفس أو المال أو العرض لا يمنع من صدق الإكراه لأن الخوف من الضرر حاصل بإتيان ما أكره عليه أو بالتخلص عنه فإن امكنه أن يترك شرب الخمر في المثال المذكور في المضاربة والمقارعة بالسيف يصدق عليه الإكراه على شرب الخمر.
نعم محل الإشكال في تعيين مقدار التخلص الذي يمنع من تحقق الإكراه إذ قد عرفت أنه ليس كل تخلص وتفصي يمنع من تحقق الإكراه. والظاهر أن المقدار المعتبر فيه هو أن لا يكون التفصي بأمر لا يضر بحاله ضرراً معتداً به بحيث يكون إرتكاب ما يتفصى به أصعب وأشق من ارتكاب ما أكره عليه في نظره لا بنظر العرف وذلك لما عرفت من أن الميزان هو خوف المكرَه الضرر بترك المكرَه عليه وهو في هذه الحال يخاف الضرر بتركه المكرَه عليه أما بما توعد عليه من الضرر أو ما يتفصى به من الضرر، والخوف إنما يحصل لو كان الأمر كذلك في نظره، نعم لو كان التفصي عن ذلك بإرتكاب ضرر يسير لا يعتد به في نظره لا يتحقق الإكراه لعدم الخوف من مثل هذا الضرر. هذا وقد يقال إن الإكراه لا يعتبر فيه العجز عن التفصي بل إن الإكراه يتحقق حتى مع القدرة على التفصي فإن من أكره
على شرب الخمر يصدق في حقه أنه مكرَه عليه حتى لو تمكن من التفصي عنه بالخروج من الدار أو بنداء عبيده، وهكذا لو أكره على الطلاق وكان يتمكن من الخلاص منه بالتورية فإنه لا يقع منه الطلاق لتحقق الإكراه عليه ففي المحكي عن كشف اللثام لو طلّق المكرَه ولم يورّي مع الإلتفات منه إلى التورية وعدم الدهشة بالإكراه لم يقع منه الطلاق لتحقق الإكراه وإنتفاء القصد إلى الطلاق وقد يستدل به بخبر ابن سنان قال: قال أبو عبد الله (ع): (لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه)، قال: قلت اصلحك الله فما الفرق بين الإكراه والجبر قال (ع): (الجبر من السلطان والإكراه من الزوجة والأب والأم) وليس ذلك بشيء فإنه (ع) قد جعل الإكراه من الثلاثة المذكورين ومن المعلوم أن الإكراه منهم يمكن التفصي منه. ولا يخفى عليك ما فيه فإن الإكراه لغةً وعرفاً كما عرفت هو قهر الغير للشخص على الفعل أو الترك بنحو التوعيد بالضرر ومع إمكان التخلص لا يكون الغير مقهوراً كما تقدم تفصيلًا.
وأما الخبر المذكور إضافةً إلى ضعفه بعبد الله بن قاسم الراوي له عن ابن سنان عدم عمل الأصحاب به فإن الإكراه من الثلاثة المذكورين لو أخذ على إطلاقه لم يقل أحد به فإنه لم يقل أحد بأن مجرد توعيد الأم بالضرر مع إمكان التخلص موجب لسقوط التكليف بترك الصلاة وإن له أن يشرب الخمر لو أكرهته على ذلك
مع إمكان التفصي مع أنّا لا نسلم أن الإكراه من الثلاثة يراد به القهر مع إمكان التفصي بل إنما يكون المراد بالإكراه منهم هو معناه الحقيقي أعني القهر مع عدم إمكان التفصي فإنه من الممكن تحققه منهم والفرق بين الإكراه والجبر أن الإكراه يكون معه الإختيار دون الجبر فإنه يكون معه الإنسان مسلوب الإختيار وهذا لا يكون إلا من السلطان في أغلب الأحوال ولذا ضرب (ع) المثل به كما أنه لا يكون الأغلب من الأب ونحوه إلا الإكراه على العمل لا الجبر عليه هذا ولو سلمنا ذلك فهو إنما يدل على الإكراه في خصوص اليمين ولا يدل عليه في سائر المعاملات فهو يكون مخصص لأدلة الإكراه. كما أن المثال المذكور إشتبه فيه الخصم بين الكراهة بمعنى البغض والإكراه بمعنى الخوف والرهبة.
ثم إن الشيخ الأنصاري (ره) قد فصّل في الإكراه بين المعاملات كالإكراه على البيع والتكاليف الشرعية كالإكراه على شرب الخمر فاعتبر العجز عن التخلص في الإكراه على التكاليف لأن الإكراه المسوّغ لمخالفتها هو الجبر وهو لا يكون مع إمكان التخلص ولم يعتبره في المعاملات لأن الإكراه المسوغ لرفع أثر المعاملة هو عدم طيب النفس بها وهو قد يكون مع إمكان التخلص فإن الإنسان قد لا يطيب نفسه بالشيء ويأتي به مع إمكانه التخلص منه مثل ما لو جلس أحد في مكان خاص خال عن غيره متفرغاً للعبادة أو للمطالعة فجاءه من أكرهه على بيع شيء مما عنده وهو في هذه
الحال غير قادر على دفع ضرره وكاره للخروج عن محله لكنه لو خرج كان الخدم يكفونه شر المكرِه فإن الظاهر صدق الإكراه عليه ويحكم بعدم ترتب الأثر على بيعه لعدم طيب نفسه لو باع ذلك الشيء ولو فرض أنه أكرهه الشخص المذكور على أمر محرم كشرب الخمر في تلك الحال فإنه لايعذر في شربه للخمر لإمكانه الخروج من محله المذكور ودفع الخدم الضرر عنه واستدل على ذلك بخبر ابن سنان المتقدم حيث إن الظاهر منه أن الإكراه من الأب والأم والزوجة رافع لأثر المعاملة مع أنه في إكراههم لم يكن إلا عدم طيب النفس ولا يخاف المكرَه منهم الضرر وبأن طلاق المداراة لعياله فاسد مع أن لا خوف عليه من الضرر من عياله. ويحكى أن صاحب المقابيس (ره) قد سبق الشيخ (ره) في هذا التفصيل. ولا يخفى عليك ما فيه فإنك قد عرفت أن الإكراه لغة وعرفاً مأخوذ فيه الخوف والرهبة من مخالفة الغير وهو لا يتحقق إلا مع العجز عن التخلص إذ مع التمكن من التخلص ليس المكرِه بقادر على الضرر والإيذاء فلا يخاف منه المكرَه فالأدلة المأخوذ فيها عنوان الإكراه شمولها للمعاملات والتكاليف الشرعية على حد سواء فالإكراه المسقط لأثر المعاملة هو الإكراه المجوّز لمخالفة التكليف نفسه في أن في كل منها يكون حمل الغير على الفعل أو الترك بواسطة التوعيد على الضرر الموجب للخوف والرهبة من المخالفة. والمعاملة المذكورة إن حصل فيها ذلك كانت فاسدة من جهة الأدلة المأخوذة فيها عنوان الإكراه
وإلا فليست فاسدة من هذه الجهة وليس الأمر كما ذكره (ره) من أن الإكراه يكون له معنيان أحدهما أعم من الآخر ففي المعاملات يكون أعم وفي التكاليف يكون أخص، وأما خبر ابن سنان فقد عرفت أن الإكراه فيه هو مستعمل في معناه إذ من الممكن تحقيقه من الزوجة والأب والأم فإن الزوج قد توعده الزوجة بالضرر المخوف على تقدير تركه لعمل أو لفعله وهكذا الأب والأم بل قد يجبرونه على ذلك كما يجبره السلطان ولكن الغالب هو حدوث الإكراه منهم لا الإجبار بخلاف السلطان.
هذا مضافاً إلى أنا لا نسلم وجود عدم الطيب بالبيع في المثال المذكور فإنه لو لم تطب نفسه به لخرج من المحل ولم يأتِ به، قال جدي الهادي (ره) إن ما ذكره الشيخ فيه منع إلا مع الحرج في الخروج- انتهى.
والحاصل إنا لا نسلم وجود عدم الطيب مع التمكّن من التخلص فإن من تمكن من التخلص ولم يتخلص لابد من أن تكون نفسه قد طابت بالعمل ولذا لم يتخلص منه، نعم لا ينكر وجود الكراهة بمعنى البغض وهي ليست بمحل الكلام وليس ذات أثر شرعي وإنما الكلام في الإكراه بمعنى الخوف والرهبة. ذكر السيد (قدس سره) أن مجرد كراهة الخروج من ذلك المكان لا يكفي في فساد المعاملة وإلا فيمكن مع حضور الخدم أيضاً قد يكره أن يأمرهم بدفع شر المكرِه. وأما ما ورد في فساد الطلاق للمداراة مع عياله فهو وارد
في صورة تحقق الإكراه فهو كسائر أخبار طلاق المكرَه وليس عندنا خبر يدل على بطلان طلاق المداراة مع فرض عدم الإكراه حتى يكون دليلًا على كفاية بطلان المعاملة بمجرد عدم طيب النفس، على أنه لو سلمنا ذلك كان أخص من المدعّى فيعمل به في مورده.
ومما ذكرناه وذكره فطاحل العلماء من خروج الفعل عن كونه مكرهاً عليه مع إمكان التخلص ووجود المندوحة يشكل الحال في التورية بل في كل ما كان يمكن التخلص به بنحو الخفاء والتشبيه على المكرِه كأن كان يمكنه التخلص من شرب الخمر بإراقته الخمر فيجيبه فيخيل للمكرَه عليه أنه قد شربه فإن اللازم من ذلك عدم صيرورة الفعل مكرهاً عليه عند التمكن من ذلك ولازمه عدم تحقق الإكراه في أغلب موارد البيع وسائر المعاملات والطلاق والنكاح والعتاق ونحوها والسب والكفر والبرائة من النبي (ص) والأئمة (ع) ضرورة أنه يتمكن من التورية فيها بأن يقصد الإخبار عند إجراء العقد لا الأنشاء فيقصد من (بعت) في مقام الإكراه على البيع هو الأخبار لا الإنشاء وعليه فلا يكون مكرهاً على البيع لتمكنه من عدم إيجاده بالتورية، نعم لو كان المكرَه (بالفتح) غير ملتفت إلى التورية أو كان المكرِه (بالكسر) مطلعاً على السرائر تحقق الإكراه حيث لم يتمكن المكرَه (بالفتح) من التورية وعليه فإذا كان الشخص مكرهاً على الطلاق أو البيع ولم يورّ مع قدرته على التورية كان الطلاق صحيحاً والبيع صحيحاً لإيجادهما بإختياره وهذا لا يمكن أن
يلتزم به أحد لكونه مخالفاً للإجماع بل لظواهر الأدلة حيث إنه ليس في النصوص ومعاقد الإجماعات لزوم التورية في مقام الإكراه على الإيقاعات والعقود تفصياً وتخلصاً، ففي المحكي عن الجواهر (ولا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكرَه عدم التمكن من التورية بأن ينوي غير زوجته أو طلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط ونحو ذلك وإن كان يحسن التورية ولم تحصل له الدهشة عنها فضلًا عن الجاهل بها أو المدهوش عنها لصدق الإكراه خلافاً لبعض العامة فأوجب التورية على القادر عليها انتهى).
والحاصل إن العجز عن التورية لو كان معتبراً في تحقق الإكراه لأشير إليه في الأخبار الكثيرة المجوزة للكفر والحلف كاذباً عند الإكراه وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة:
أحدها: إن العمل وإن كان بالتمكن من التورية يصير مختاراً فيه وغير مكرَه عليه ولكن الشارع رتب عليه آثار الإكراه لعدم الإشارة في الأخبار الواردة منه في رفع الآثار عن الأعمال المكرَه عليها إلى العجز عن التورية فإن الأخبار قد وردت في جواز الحلف بالله كاذباً عند الإكراه على الحلف من دون تقييدها بعدم إمكان التورية وهكذا باقي أخبار الإكراه بل وحتى الإجماعات في باب الإكراه لم تقيد بذلك معاقدها فإنه يعلم من ذلك أن الشارع قد عبّدنا بترتب آثار الإكراه على العمل المكرَه عليه ولو مع إمكان التفصي عن إتيانه بالتورية بل ما روي من قضية عمار بن ياسر