الفلانية لا يقدرون أن يخرجوا منها باعتبار أنهم مقيدون بحكم قانونهم عن الخروج عنها. وفيه إن مقتضى ذلك هو تقرير الشارع لسلب هذه القدرة المتعارفة من العبيد بالنسبة لمواليهم فإن الشارع لو ذكر مثل ذلك على سبيل التمثيل كان منه إمضاءاً له شرعاً وقد عرفت أن لازم سلب القدرة شرعاً هو حرمة الشيء تكليفاً ووضعاً.
الدليل الثالث: العمومات الناطقة بحرمة التصرف في مال غيره والعبد إذا فعل فعلًا وعمل عملًا فقد تصدق في نفسه ورقبته التي هي ملك لسيده من دون إذنه.
وفيه إنها منصرفة عن تصرف العبد في نفسه. نعم هي تدل على حرمة تصرف غيره في العبد تصرفاً يعتد به كما هو متبادر منها.
الدليل الرابع: الروايات الواردة في خصوص المقام منها الصحيح المروي عن كتاب من لا يحضره الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر (ع) وعن أبي عبد الله (ع) قالا: (المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيده)، قلت: فإن كان السيد زوجه بيد من الطلاق؟ قالا (ع): (بيد السيد [ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] أفشيء الطلاق؟) بتقريب أن (لا يجوز) عبارة عن نفي الجواز التكليفي الذي هو بمعنى الحرمة ويتم في باقي الأفعال بضميمة عدم القول بالفصل. على أن ظاهر الاستشهاد للمدعى بالآية الدالة على نفي القدرة على كل شيء هو عدم جواز كل شيء منه.
ومنها ما في موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال (ع): (ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما)، قلت: أصلحك الله إن الحكم بن عيينية وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون إن أصل النكاح فاسد ولا يحلله إجازة السيد، فقال (ع): (إنه لم يعصِ الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو جائز له).
ومنها ما روي عنه (ع) أيضاً في جواب من سأله عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم إطلّع على ذلك مولاه فقال (ع): (ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما وللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً فإن أجاز نكاحهما فهما على نكاحه الأول) فقلت لأبي جعفر (ع): فإنه في أصل النكاح كان عاصياً، فقال (ع): (إنما أتى شيئاً حلالًا وليس بعاصِ الله وإنما عصى سيده)، إن ذلك ليس كإتيانه ما حرّم الله عليه من نكاح في عده وأشباهه، بتقريب إنه عبر عن فعله بغير إذن سيده بالعصيان ومعلوم أن عصيان العبد لسيده حرام وأما نفي عصيانه لله فإنما هو باعتبار أنه ليس عصياناً لله إبتداءاً وليس من الأمور التي نهى الله تعالى عنها بخصوصياتها وعناوينها فلا ينافي عروض التحريم وكون معصيته لله باعتبار كونه عصياناً للسيد.
وجوابه إن الخصم لو سلم ذلك فهو إنما يقتضي الحرمة في الموارد المذكورة دون ماعداها ولا نسلم عدم القول بالفصل كيف والمسألة فيها أقوال كثيرة ولم تكن محررة على أن الرواية الأولى ظاهرة في نفي الجواز بمعنى الصحة والنفوذ فإن الظاهر من لفظ الجواز إذا أضيف للمعاملة هو النفوذ والصحة وأما الرواية الثانية ففيها: إن مجرد التعبير بلفظة عصى لا يفيد كونه محرماً إذ ليس متعلق العصيان هو الله تعالى حتى يكون حراماً وإنما متعلقه السيد ولم يكن في الحديث ما يدل على أن عصيان السيد محرم عند الله تعالى سلمنا لكن لم يصدر من السيد نهي عن نكاحه وإنما فعل العبد فعلًا بغير إذنه والعصيان بهذا المعنى ليس مما يسلّم حرمته فمعنى الحديث أنه إنما فعل فعلًا غير مأذون فيه فيكون قد خالف مقتضيات مولوية غيره له فعبر بالعصيان لأن المطلوب من العبد أن لا يخالف مقتضيات السيادة والمولوية عليه فلا يأتي بالعمل من دون إذن مولاه وسيده فإذا حصل من المولى الإذن بعد ذلك جاز لعدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق ههنا لأن بواسطة تحقق أحدهما لم يكن قد خالف مقتضيات السيادة والمولوية.
ومن المعلوم أن مجرد التعبير بلفظ العصيان لا يوجب كونه حراماً شرعاً كما في قوله تعالى: [وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى]، فهنا أولى لأن مفعول عصى في الآية هو الرب ومفعوله في الحديث هو السيد وإذا لم يكن التعبير بلفظ معصية الرب مستلزماً للحرمة فالتعبير بلفظ
معصية السيد أولى بل لعل الحديث ظاهر في عدم الحرمة التكليفية حيث نفى فيه معصية الله تعالى والمراد ثم هنا وجه آخر محتمل في الرواية وهي أن المراد بالحرمة هي الحرمة الوضعية والمراد بالعصيان هو العصيان الوضعي بمعنى ارتكاب ما هو فاسد فيكون المعنى أنه لم يأتِ بما هو فاسد من جهة السيد ويكون النهي إرشاداً إلى فساد المعاملة ثم إن في الحديث المذكور وما في معناه وجهاً آخر أفاده بعض الأواخر نظر إلى أنه وما في معناه معارض بصحيح منصور عن أبي عبد الله (ع) عن مملوك تزوج بغير إذن مولاه أعاصٍ لله تعالى؟ قال (ع): (عاصِ لمولاه)، قلت: حرام هو؟ قال (ع): ما أزعم أنه حرام، قل له أن لا يفعل)، فقد قيل أنه كالنص في إرادة خلاف الأولى مع سيده من معصيته وإنه ينبغي له أن لا يعقد من دون إذن سيده وبه مع عدم القول بالفصل بينه وبين باقي العقود ونحوها وقد تخص العمومات الناهية عن التصرف في مال الغير بدعوى أن نفسه ملك لغيره ونكاحه من دون إذن سيده تصرف في ملك غيره فيكون هذا الخبر مع عدم القول بالفصل يخصص هذه العمومات لو قلنا بأنها شاملة للعبد وغير منصرفة عن تصرفات العبد في نفسه.
ودعوى استشهاد العمل بها على وجه يقصر الصحيح عن تخصيصها محل نظر لا سيما مع عدم تعرض الأكثر لذلك ظاهراً. قال المرحوم المامغاني هذا الوجه وجيه بل أوجه مما قدمناه بعد ملاحظة صحيح منصور المذكور فإن الأخبار يكشف بعضها عن بعض
ولا غائلة في التمسك به من جهة اشتماله على لفظ الزعم الذي حكي فيه عن الأزهري أن أكثر ما يكون هو فيما يشك فيه ولا تتحقق وفي المصباح أنه قال بعضهم هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب. وقال ابن القوطية زعم زعماً قال خبراً لا يدري أحق هو أو باطل. قال الخطابي ولهذا قيل زعم مطية الكذب انتهى. لأن إرادة غير معنى الإعتقاد على تقدير ثبوت وضعه لما فيه ارتياب ونحوه غير مناسب لشأن المعصوم (ع) فصدور الكلام منه (ع) قرينة على إرادة الإعتقاد وقد صرّح في المصباح بإطلاقه على الإعتقاد، والحاصل أنه لا دليل على حرمة تصرفات العبد على وجه العموم إذ لم نظفر بدليل غير المذكورات وهي لو سلمت دلالتها فلا تدل على أزيد من حرمة التصرفات المنافية لخدمة المولى أو تضيع حقه وهذا هو الذي يساعد عليه كلماتهم وتقتضيه السيرة على جواز تصرف العبد في نفسه بما لا يخالف إرادة المولى وترك مراعاة حقوقه.
الإذن في التصرف سابقاً أو لاحقاً يرفع الحرمة التكليفية والوضعية والشك فيه:
لا ريب في أن الإذن السابق على التصرف والمقارن له يرفع الحرمة التكليفية والوضعية عن تصرف العبد للإجماع وللأخبار المتقدمة وأما الإذن اللاحق فقد قيل إنه يرفع الحرمة الوضعية فقط
دون التكليفية أما رفعه للحرمة الوضعية أعني رفعه لفساد المعاملة بمعنى أنها تكون مؤثرة إذا وقع بعدها الإذن فلما سيجيء إنشاء الله في مبحث اشتراط الإذن في المعاملة وأنه يستثنى من ذلك الطلاق بل وسائر الإيقاعات فإنه قد أدعي الإجماع على أن وقوع الإذن بعدها لا يصححها وأما عدم رفع الإذن اللاحق للحرمة التكليفية عن العبد فلأن الفعل إذا وقع على الصفة لم يتغير عما وقع عليه والفعل قد وقع على صفة العصيان لأنه وقع من دون إذن المولى فلا يتغير عما وقع عليه حتى لو لحقه إذن المولى.
إن قلت: على هذا يلزم أن يكون الإذن اللاحق لا يؤثر في صحة المعاملة لأنها قد وقعت على صفة الفساد؟
قلنا: ان النقل والإنتقال لا خارجية لهما إلا باعتبار من بيده إنفاذهما وإلا فمجرد قوله (بعت) لا يؤثر في الملكية للمشتري وحيث كانا باعتبار من بيده إنفاذهما فبكون تحققهما في الواقع مراعاً بإنفاذه فإذا أنفذهما فقد تحققا فهما قبل الإذن لم يتحققا في الواقع لعدم إنفاذهما ممن بيده الأمر وإن تخيل المنشيء أو السامع تحققهما وبعد الإذن اللاحق تحققا لإنفاذهما ممن بيده الأمر. وهذا بخلاف العصيان فإنه أمر واقعي فإذا اتصف العمل به فلا ينفع الإذن بعده. وفيه نظر فإنه يمكن أن يقال إن العصيان أمر منوط بنظر المولى ومراعاً بإذنه فهو في الواقع لم يتحقق إلا إذا لم يأذن المولى بالعمل فإذا أذن المولى به لم يتحقق العصيان وإن تخيل تحققه الفاعل ويرشد إلى ذلك قوله
(ع) في نكاح العبد من دون إذن سيده فإنه قال (ع): (إنه لم يعصِ الله وإنما عصى سيده) فإذا أجازه جاز ثم انه كما يكفي في المقام الإذن الصريح يكفي مجرد العلم بالرضا الحاصل من فحوى الأفعال وشهادة الحال لوضوح أن الإذن ليس له خصوصية كما أن العصيان لم يتحقق مع العلم بالرضا. ومع الشك في الإذن فإن كانت الشبهة مفهومية بأن شك في معنى الإذن وأنه يشمل الرضا القلبي من دون التصريح به فالمرجع هو عموم [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] لأن المخصص المنفصل يرجع عند إجماله وتردده بين الأقل والأكثر الى العام في مورد الشبهة وإن كانت الشبهة مصداقية فمع العلم بالحالة السابقة فالمرجع استصحابها ومع عدم العلم فالمرجع هو الأصول ولا يصح الرجوع إلى عموم [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
إشتراط الحرية في الكلام في التكليف بالعبادات المالية:
لا ريب في أن الحرية ليست شرطاً في العبادات البدنية كالطهارة والصلوة والصوم والاعتكاف، قيل وعدم وجوب الجهاد وصلوة الجمعة عليه إنما هو بالدليل، ووجه عدم الشرطية إن عموم ما دل على تكليف الناس والمؤمنين شامل للعبد كالحر والعبودية غير مانعة عن ذلك ولم يدل دليل على التخصيص وقوله (ع): (عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء) لا يشمل العبادات البدنية لأنه في
مقام التوبيخ على عدم إطاعة الله ورسوله فلا يعقل أن يدل على ترك الإطاعة مضافاً لما عرفت وستعرف إن شاء الله تعالى أنه ظاهر في الشيء الذي يخص شئون المولى ويتعارض مع سلطنة المولى عليه مضافاً للإجماع والسيرة على وجوب العبادات البدنية كالصلاة ونحوها عليه إلا ما خرج بدليل كما قيل في الجهاد وصلاة الجمعة.
وأما العبادات المالية كالزكاة والخمس والحج والصدقات فلا تتعلق بالعبد نظراً إلى أن العبد أما هو ليس مالكاً أي لا يقدر على التملك فلا يحصل شرط الوجوب في هذه العبادات إذ لا تجب الزكاة إلّا مع ملك النصاب وكذا الخمس لا يجب إلا بالملك وكذا الحج لا يجب إلا بتملك ما به الاستطاعة. وكذا الكفارة ونحوها إذ هي فرع القدرة على الأداء والدفع ومجرد حصول السبب لا يكفي في الوجوب ومن ليس مالكاً للمال غير متمكن من الكفارة المالية فالخطاب به يصير تكليفاً بما لا يطاق هذا على تقدير القول بعدم ملكية العبد للمال وأما على القول بان العبد ممنوع من التصرف وإن كان مالكاً للمال فعدم وجوب الزكاة ونحوها عليه من جهة أن شرط الوجوب التمكن من التصرف ولو فرض الوجوب فلا بدّ من كونه مشروطاً بإذن المولى وعلى تقدير إذنه لا كلام فيه والبحث في حصول التكليف الذي لا يحتاج إلى إذن المولى وهنا إشكالات:
أحدها: إنه أي فرق بين العبادات المالية والضمان والغرامة؟ فإن كانت القدرة على الدفع شرطاً بحيث مالم يكن هناك قدرة على