حاكمة ومقدمة على أدلة المباحات إذا كانت المستحبات والمكروهات من الأشياء التي تنافي خدمة السيد وفيها تعدي على حدود سيادته والخروج عن عبوديته وعليه فمع النهي لا يصح فعل المستحبات ولا إتيان المكروهات ولا صدور المباحات إذا كان المولى قد نهى عنها أو كانت منافية لخدمته وسيادته.
إشتراط الحرية في العقود والإيقاعات:
إن محل كلام الفقهاء في باب البيع في هذه المسألة أن مملوكية العبد لمولاه من حيث كونه مملوكاً هل مانعة عن نفوذ أمره ومضي عقده أم لا؟ فالكلام في هذه المسألة ممحض لبيان فساد المعاملة من حيث كونه عبداً لا من جهة كونه عاصياً لمولاه وإلا لدخل الكلام فيها في الكلام في أن النهي عن المعاملة موجب لفسادها أم لا، ولا من جهة كونه غير مالك لشيء فلا يصح بيعه وإلا لدخل الكلام فيها في الكلام عن صحة بيع الفضولي ولا من جهة كونه محجوراً عن التصرف على القول بملكه وحجره عن التصرف بملكه وإلا لدخل الكلام فيها في الكلام في معاملة السفيه والمفلس ممن هو محجور عليه فالكلام في المقام إنما هو في كون عبوديته مانعة عن صحة معاملته. إذا عرفت ذلك فنقول إنه قد ذكر المرحوم مرزا فتاح في شرحهِ على المكاسب إنه لم يظفر في كلام أحد من السلف اشتراط الحرية في العقود والإيقاعات سوى ما ذكره المحقق في الشرائع في مقام تعداد
شرائط المتعاقدين إنه قال لو باع المملوك أو اشترى بغير إذن سيده لم يصح- انتهى. وكيف كان فالتحقيق أن يقال إن الكلام تارة في الإيقاعات والعقود بما هي إنشاءات وألفاظ صادرة من العبد وأخرى بما هي تصرفات من تصرفات العبد بنقل وانتقال وكسب واكتساب. أما الكلام في المقام الأول فنقول إنه لا ريب في أن عبارة العبد في العقود والإيقاعات كالحر بمعنى أن العبد ليس كالمجنون لا اعتبار لعبادته بل العبد لفظه معتبر لو اجتمعت سائر الشرائط فإن عمومات العقود شاملة له، والإجماع المنقول على ذلك وعموم كون العبد لا يقدر على شيء غير شامل لألفاظ العقود لما ذكرناه من معنى الآية وإن عمومها غير مراد للزوم كثرة التخصيص المستهجن وإن المراد بها هو نفي قدرته الشرعية عن الأعمال التي تنافي عبوديته للمولى وفيها التعدي على حقوق المولى وعدم اعتبار إقرار العبد في بعض المقامات لكونه ضرراً على مولاه لا على نفسه فلو كان وكيلًا لشخص في إيقاع بحيث لا ينافي حق المولى صح. وأما الكلام في المقام الثاني أعني في العقود والإيقاعات بما هي تصرف من تصرفات العبد فنقول إن ما كان منها ما لا مالية له ولا يستلزم تصرفاً في مال المولى كالظهار والإيلاء واللعان والتوكل من غيره في عقد أو إيقاع أو الضمان لدين شخص بشرط أن يؤدي لصاحبه الدين عند انعتاقه وكبيعه ما لا يملكه من فاضل الضريبة أو إرش الجناية أو يتزوج على وجه يضمن النفقة والمهر في ذمته وغير ذلك مما لا يستتبع التصرف في ملك المولى ويتبع به بعد العتق ولا يزاحم به حق المولى فإنه يصح منه
من دون حاجة إلى إذن المولى لعدم المانع مع عموم الأدلة. مضافاً إلى الأدلة الخاصة وعموم لا يقدر على شيء غير آتٍ هنا لما تقدم من أن المراد به عدم القدرة على ما كان تصرفاً في شئون المولى ومنافياً لخدمته له وسلطنته عليه وتجاوزاً على حقوقه.
نعم لو نهاه المولى كان التصرف المذكور حراماً عليه لوجوب إطاعة مولاه عليه ولكن لم يكن العمل فاسداً لأن النهي في المعاملة لا يوجب الفساد. وأما ما اقتضى التصرف في نفسه أو فيما في يده أو في مال المولى سواء قلنا بأنه يملك أو لم نقل كما لو باع ما هو ملك للمولى أو أوقع عقد النكاح لنفسه فإنه يستتبع ألوطي المؤثر للضعف من بدنه ويستتبع المهر والنفقة على المولى فإن العبد في مثل ذلك ليس بمسلط بالإستقلال عليه إلا بإذن المولى للإجماع المنقول وللنصوص من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: [ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] فإنه تعالى وصف العبد بأنه مملوك لا يقدر على شيء والمتبادر منه إن التصرف والقدرة التي للملاك ليس للعبد وهو غير قادر على ذلك وذلك لوضوح أنه ليس المراد القدرة عقلًا لأن العبد قادر عقلًا بالوجدان والعيان بل المراد إما عدم القدرة في نظر الناس وبحسب العادة بأن يقال إن طريقة الناس قبل الشرع إن العبد مسلوب الإختبار عن نفسه يتصرف المولى فيه كيف يشاء وليس له أن يتصرف والشارع أراد بذلك هو تقرير ما عليه الناس إلا ما أخرجه الدليل نظير [أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ] فإنه قرر فيه
حلية البيع الموجود عند الناس إلا ما أخرجه الدليل كالربا أو يقال إن المراد عدم القدرة شرعاً فيكون معنى الآية هو عدم قدرة العبد على التصرفات شرعاً ولازم سلب القدرة الشرعية هو عدم نفوذها شرعاً وإلا كان قادراً عليها وكيف كان فالآية الشريفة دالة على أن حكم العبد ذلك أما على الثاني فواضح وأما على الأول فلأنه تقرير لما جرت عليه عادة العقلاء وهو مثبت للحكم وعموم الآية يشمل كل ما هو من باب تصرف الملاك فإن ذلك ليس للمملوك وليس المراد بالآية نفي القدرة بالنسبة إلى التصرفات المالية دون غيرها بقرينة قوله تعالى فيما بعد: [ومْنَ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُو يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً] كما توهم لأن المراد به إثبات كمال القدرة وأنه قادر على كل شيء بخلاف العبد ومنها ما في المروي عن الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) قالا: (المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيده) ويدل على المطلوب أيضاً إن معنى المملوكية كون الرقبة ملكاً غيره فيتبعها أفعاله فلا يجوز استقلاله فيها من دون إذن سيده وإجازته.
صحة العقود والإيقاعات من العبد بعد إذن المولى:
ظاهر الأصحاب في سائر الأبواب أن مع إذن المولى يصح تصرف العبد من اقتراض وتجارة ووصاية وغير ذلك من اللواحق ومنشأ المسألة أن الآية هل تدل على سلب أهلية العبد عن التصرف
كالمجنون والصبي بحيث لا ينفع الأذن فيه أولًا بل يدل على ممنوعيته من التصرف من أجل مولاه؟
وبعبارة أخرى هل تدل على عدم المقتضى أو وجود المانع؟ ظاهر الأصحاب الثاني كما نصّوا على الجواز مع الإذن في كثير من المقامات كالوكالة والوصايا والقضاء وغير ذلك.
وقد يتخيل أن ظاهر كلمة [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] سلب الأهلية لكن نقول إن ذكر المملوكية في الآية يشعر بأن هذا من جهة حق مالكه لا من جهة عدم قابلية ذاته مضافاً إلى أن أهليته للتصرف بعد العتق تدل أيضاً على كون المانع تسلط غيره عليه كذا ذكره بعضهم مع أن صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) قالا (المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده) ظاهر في صحة الطلاق والنكاح من العبد مع إذن السيد ويتم في الباقي بعدم القول بالفصل، مع أن طريقة الناس مع قطع النظر عن الآية الكريمة كون عبيدهم غير نافذي التصرف من دون إذنهم وأما معه فلا مانع من ذلك والآية لو لوحظت بالتأمل مسوقة لبيان عادة العقلاء وسيرة الناس وواردة في جهة التقرير لهذا المطلب فتنزل على ماهو المعتاد في الخارج ولا ريب في إرتفاع الحجر عندهم بالإذن مضافاً إلى الإجماع المنقول، وورود الأدلة الخاصة المتشتته في أبواب الفقه في خصوص العبد المأذون مع أنه لو لم يكن العبد أهلًا للتصرف حتى مع الإذن لانسد باب الإنتفاع بالمماليك إذ عمدته
المعاملات وإلا فالخدمة ليس نفسها مما يطلب غالباً.
ثم ان ظاهر الأدلة عدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق لإطلاق الأدلة المقررة لما عليه العرف وهم لا يفرقون بين الإذن السابق والإذن اللاحق ولما في الحسن عن زرارة عن ابي جعفر (ع) في صحة نكاح العبد إذا أجازه المولى من تعليل الصحة بقوله (ع): (إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز) فإنه يستفاد منه قاعدة كلية وهي إنه كلما أجاز السيد فهو جائز من الأعمال وإن أبيت فهو يتم بعدم القول بالفصل ما عدى الطلاق بل سائر الإيقاعات فإنه نقل الإجماع على عدم تأثير الإذن اللاحق في صحتها.
إن قلت إن العقد قد وقع مستقلًا وهو فاسد ويستحيل أن ينقلب عما وقع عليه وما صدر على وجه لا يتغير عما وقع عليه لعدم إمكان تبدل الماضي عما هو عليه؟ قلنا لا نسلم ان العقد قد وقع فاسداً بل العقد صحيح لأن الدليل المخرج لعقد العبد عن عمومات أدلة العقود إنما دلَّ على فساد عموم العقد الذي لا يكون للمولى إذن به أصلًا لا قبله ولا بعده وأما العقود التي ليست كذلك فهي باقية تحت العمومات ومن جملتها العقد المتعقب بالرضا ولو شك في بقاءه تحت العمومات وجب الأخذ بمقتضى العمومات لكونه شكاً في أصل التخصيص زائداً على ما علم تخصيصه فإن علم التخصيص به هو العقد المستقل أعني العقد غير المقترن بالرضا
فالتخصيص بالعقد المقترن بالرضا المتأخر تخصيص زائد وقد تقرر في محله أن عند الشك في التخصيص الزائد يتمسك بالعموم.
إن قلت إن المقام مقام استصحاب حكم المخصص حيث أن هذا العقد قبل صدور الرضا به من السيد لا يجب الوفاء به فتكون العمومات مخصصة به قطعاً وبعد رضا المولى المتأخر نشك في وجوب الوفاء به فلا يجوز التمسك بعموم وجوب الوفاء به لخروجه عنه وإنما يستصحب حينئذٍ المخصص.
قلنا: هذا في مثل ما لو قال أكرم العلماء العدول وكان زيد عالماً فاسقاً ثم صار عادلا اعني في صورة القطع بخروج الفرد عن العام ثم يشك في دخوله تحت العام وأما فيما نحن فيه فإنا لا نقطع بخروج العقد المذكور عن العام وإنما نحن نشك في خروجه من أول الأمر لأنه في الواقع كان عقداً بعده الرضا فلا نعلم بخروجه من العام وإنما الذي علمنا بخروجه هو العقد المستقل الذي ليس معه الرضا لا أولًا ولا آخيراً.
والحاصل أن العقد المتعقب للرضا نحن نشك في خروجه من أول الأمر فليست الحالة السابقة معلومة لدينا بل يمكن أن يُجاب عن الإشكال أيضاً بان العمومات لها عموم أفرادي بواسطة الوضع وإطلاق أحوالي بواسطة مقدمات الحكمة وما سقط عن الاعتبار هو عمومها الإفرادي دون إطلاقها الأحوالي فالفرد الذي كان فاسقاً ثم صار عادلًا لا يتمسك على وجوب إكرامه بعموم إكرام العلماء
الأفرادي لكن يتمسك على وجوب إكرامه بإطلاق الأحوالي فإن إطلاقها الأحوالي يقتضي وجوب إكرام العادل حتى لو سبق عليه الفسق.
إن قلت كيف يؤثر الإذن اللاحق في العقد اللازم فإنه يلزم منه تقدم المعلول على العلة وتأثير اللاحق في السابق؟
قلنا: قد أوضحنا صحة ذلك في العقد الفضولي وعقد المُكرَه. ثم إنه مع الشك في الإذن فإن كانت الشبهة مفهومية فالمرجع هو عموم [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] وإن كانت الشبهة مصداقية فالمرجع هو الحالة السابقة ومع عدم العلم بها فالمرجع هو الأصول وقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث اشتراط الإذن في إباحة أعمال العبد.
إشتِراط الحُريّة في مِلكيَّةِ الشَيء:
إختلف فقهائنا في اشتراط الحرية في ملكية المال فمنهم من قال باشتراطها وذهب إلى أن العبد لا يملك مطلقاً، ويحكى عن التذكرة نسبة هذا القول للمشهور، ومنهم من قال بأنه يملك مطلقاً ويحكى عن الدروس نسبته للمشهور أيضاً ومنهم من قال بأنه يملك فاضل الضريبة التي يفرضها مولاه عليه وأرش الجناية دون غيرهما فالمهم في المقام نقل الأخبار لأنها المرجع في المقام وبيان الجمع والتوفيق بينها وهي على أصناف عديدة: