حلية البيع الموجود عند الناس إلا ما أخرجه الدليل كالربا أو يقال إن المراد عدم القدرة شرعاً فيكون معنى الآية هو عدم قدرة العبد على التصرفات شرعاً ولازم سلب القدرة الشرعية هو عدم نفوذها شرعاً وإلا كان قادراً عليها وكيف كان فالآية الشريفة دالة على أن حكم العبد ذلك أما على الثاني فواضح وأما على الأول فلأنه تقرير لما جرت عليه عادة العقلاء وهو مثبت للحكم وعموم الآية يشمل كل ما هو من باب تصرف الملاك فإن ذلك ليس للمملوك وليس المراد بالآية نفي القدرة بالنسبة إلى التصرفات المالية دون غيرها بقرينة قوله تعالى فيما بعد: [ومْنَ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُو يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً] كما توهم لأن المراد به إثبات كمال القدرة وأنه قادر على كل شيء بخلاف العبد ومنها ما في المروي عن الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) قالا: (المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيده) ويدل على المطلوب أيضاً إن معنى المملوكية كون الرقبة ملكاً غيره فيتبعها أفعاله فلا يجوز استقلاله فيها من دون إذن سيده وإجازته.
صحة العقود والإيقاعات من العبد بعد إذن المولى:
ظاهر الأصحاب في سائر الأبواب أن مع إذن المولى يصح تصرف العبد من اقتراض وتجارة ووصاية وغير ذلك من اللواحق ومنشأ المسألة أن الآية هل تدل على سلب أهلية العبد عن التصرف
كالمجنون والصبي بحيث لا ينفع الأذن فيه أولًا بل يدل على ممنوعيته من التصرف من أجل مولاه؟
وبعبارة أخرى هل تدل على عدم المقتضى أو وجود المانع؟ ظاهر الأصحاب الثاني كما نصّوا على الجواز مع الإذن في كثير من المقامات كالوكالة والوصايا والقضاء وغير ذلك.
وقد يتخيل أن ظاهر كلمة [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] سلب الأهلية لكن نقول إن ذكر المملوكية في الآية يشعر بأن هذا من جهة حق مالكه لا من جهة عدم قابلية ذاته مضافاً إلى أن أهليته للتصرف بعد العتق تدل أيضاً على كون المانع تسلط غيره عليه كذا ذكره بعضهم مع أن صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) قالا (المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده) ظاهر في صحة الطلاق والنكاح من العبد مع إذن السيد ويتم في الباقي بعدم القول بالفصل، مع أن طريقة الناس مع قطع النظر عن الآية الكريمة كون عبيدهم غير نافذي التصرف من دون إذنهم وأما معه فلا مانع من ذلك والآية لو لوحظت بالتأمل مسوقة لبيان عادة العقلاء وسيرة الناس وواردة في جهة التقرير لهذا المطلب فتنزل على ماهو المعتاد في الخارج ولا ريب في إرتفاع الحجر عندهم بالإذن مضافاً إلى الإجماع المنقول، وورود الأدلة الخاصة المتشتته في أبواب الفقه في خصوص العبد المأذون مع أنه لو لم يكن العبد أهلًا للتصرف حتى مع الإذن لانسد باب الإنتفاع بالمماليك إذ عمدته
المعاملات وإلا فالخدمة ليس نفسها مما يطلب غالباً.
ثم ان ظاهر الأدلة عدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق لإطلاق الأدلة المقررة لما عليه العرف وهم لا يفرقون بين الإذن السابق والإذن اللاحق ولما في الحسن عن زرارة عن ابي جعفر (ع) في صحة نكاح العبد إذا أجازه المولى من تعليل الصحة بقوله (ع): (إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز) فإنه يستفاد منه قاعدة كلية وهي إنه كلما أجاز السيد فهو جائز من الأعمال وإن أبيت فهو يتم بعدم القول بالفصل ما عدى الطلاق بل سائر الإيقاعات فإنه نقل الإجماع على عدم تأثير الإذن اللاحق في صحتها.
إن قلت إن العقد قد وقع مستقلًا وهو فاسد ويستحيل أن ينقلب عما وقع عليه وما صدر على وجه لا يتغير عما وقع عليه لعدم إمكان تبدل الماضي عما هو عليه؟ قلنا لا نسلم ان العقد قد وقع فاسداً بل العقد صحيح لأن الدليل المخرج لعقد العبد عن عمومات أدلة العقود إنما دلَّ على فساد عموم العقد الذي لا يكون للمولى إذن به أصلًا لا قبله ولا بعده وأما العقود التي ليست كذلك فهي باقية تحت العمومات ومن جملتها العقد المتعقب بالرضا ولو شك في بقاءه تحت العمومات وجب الأخذ بمقتضى العمومات لكونه شكاً في أصل التخصيص زائداً على ما علم تخصيصه فإن علم التخصيص به هو العقد المستقل أعني العقد غير المقترن بالرضا
فالتخصيص بالعقد المقترن بالرضا المتأخر تخصيص زائد وقد تقرر في محله أن عند الشك في التخصيص الزائد يتمسك بالعموم.
إن قلت إن المقام مقام استصحاب حكم المخصص حيث أن هذا العقد قبل صدور الرضا به من السيد لا يجب الوفاء به فتكون العمومات مخصصة به قطعاً وبعد رضا المولى المتأخر نشك في وجوب الوفاء به فلا يجوز التمسك بعموم وجوب الوفاء به لخروجه عنه وإنما يستصحب حينئذٍ المخصص.
قلنا: هذا في مثل ما لو قال أكرم العلماء العدول وكان زيد عالماً فاسقاً ثم صار عادلا اعني في صورة القطع بخروج الفرد عن العام ثم يشك في دخوله تحت العام وأما فيما نحن فيه فإنا لا نقطع بخروج العقد المذكور عن العام وإنما نحن نشك في خروجه من أول الأمر لأنه في الواقع كان عقداً بعده الرضا فلا نعلم بخروجه من العام وإنما الذي علمنا بخروجه هو العقد المستقل الذي ليس معه الرضا لا أولًا ولا آخيراً.
والحاصل أن العقد المتعقب للرضا نحن نشك في خروجه من أول الأمر فليست الحالة السابقة معلومة لدينا بل يمكن أن يُجاب عن الإشكال أيضاً بان العمومات لها عموم أفرادي بواسطة الوضع وإطلاق أحوالي بواسطة مقدمات الحكمة وما سقط عن الاعتبار هو عمومها الإفرادي دون إطلاقها الأحوالي فالفرد الذي كان فاسقاً ثم صار عادلًا لا يتمسك على وجوب إكرامه بعموم إكرام العلماء
الأفرادي لكن يتمسك على وجوب إكرامه بإطلاق الأحوالي فإن إطلاقها الأحوالي يقتضي وجوب إكرام العادل حتى لو سبق عليه الفسق.
إن قلت كيف يؤثر الإذن اللاحق في العقد اللازم فإنه يلزم منه تقدم المعلول على العلة وتأثير اللاحق في السابق؟
قلنا: قد أوضحنا صحة ذلك في العقد الفضولي وعقد المُكرَه. ثم إنه مع الشك في الإذن فإن كانت الشبهة مفهومية فالمرجع هو عموم [لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] وإن كانت الشبهة مصداقية فالمرجع هو الحالة السابقة ومع عدم العلم بها فالمرجع هو الأصول وقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث اشتراط الإذن في إباحة أعمال العبد.
إشتِراط الحُريّة في مِلكيَّةِ الشَيء:
إختلف فقهائنا في اشتراط الحرية في ملكية المال فمنهم من قال باشتراطها وذهب إلى أن العبد لا يملك مطلقاً، ويحكى عن التذكرة نسبة هذا القول للمشهور، ومنهم من قال بأنه يملك مطلقاً ويحكى عن الدروس نسبته للمشهور أيضاً ومنهم من قال بأنه يملك فاضل الضريبة التي يفرضها مولاه عليه وأرش الجناية دون غيرهما فالمهم في المقام نقل الأخبار لأنها المرجع في المقام وبيان الجمع والتوفيق بينها وهي على أصناف عديدة:
منها ما يدل على ملكية المملوك وكونه ذا مال ضمناً فإنها ظاهرة في صحة تملك العبد المملوك كالأخبار الواردة في عدم وجوب الزكاة على المملوك مثل ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (ليس في مال المملوك شيء ولو كان له ألف ألف ولو احتاج لم يعطِ من الزكاة شيء).
ومثل ما رواه أيضاً عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال سأله رجل وأنا حاضر عن مال المملوك أعليه زكاة؟ قال: (لا، ولو كان له ألف ألف درهم ولو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء).
ومثل ما ورد في باب العتق من رواية أبي جرير قال سألت أبا جعفر (ع) عن رجل قال لمملوكه أنت حرٌ ولي مالك، قال (ع): (لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول: لي مالك وأنت حرٌ برضا المملوك فإن ذلك أحب ألي)، وهذا أظهر دلالة وأبين شهادة من الخبرين السابقين على تملك المملوك فإن فيه تصريحاً كما تفطّن بعض الأعلام بأن العتق بأزاء المال فإذا رضى المملوك بذلك انعتق وصار المال للمولى وهذا لا يتم إلا بمالكية المملوك.
ومثل ما ورد في أحكام البيع من صحيحة فضل بن يسار قال: قال غلام سندي لأبي عبد الله (ع) إني قلت لمولاي: بعني
بسبعمائة درهم وأنا أعطيك ثلاثمائة درهم، فقال أبو عبد الله (ع): (إن كان يوم شرطت لك مال فعليك أن تعطيه وإن لم يكن لك يومئذٍ مال فليس عليك شيء) وهذه الرواية أيضاً ظاهرة في تملك المملوك.
وبالجملة فالمستفاد من هذا الصنف من الأخبار صحة مالكية المملوك بل كونها من المسلمات كما يرشد إلى ذلك ملاحظة الأسئلة المذكورة التي فرض فيهاملكية العبد ولم يردع الإمام (ع) عن ذلك وملاحظة جواب الإمام (ع) عنها مع تقرير كون العبد يملك المال.
ومنها ما يدل على ملكية المملوك بالصراحة والنصوصية في فاضل الضريبة.
مثل صحيحة عمر بن يزيد قال سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أراد أن يعتق مملوكاً له وقد كان مولاه يأخذ ضريبة ضربها عليه في كل سنة ورضي بذلك المولى فاصاب الملوك في تجارته مالًا سوى ما كان يأخذ مولاه من الضريبة، قال: فقال (ع): (إذا أدى إلى سيده ما فرض عليه مما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك)، قال: قال أبو عبد الله (ع): (أليس فرض الله تعالى على العباد فرائض فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها)، قلت: للملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها
إلى سيده، قال: (نعم، وأجر ذلك له)، قلت: فإن أعتق مملوكاً مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء العتق؟ قال فقال: (يذهب فيتولى إلى من أحب فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه ووارثه)، قلت: أليس قال رسول الله (ص): (الولاء لمن أعتق)، قال فقال: (هذا سائبة لايكون ولاءه لعبد مثله). قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه أيلزم ذلك؟ قال فقال: (لا يجوز ذلك ولا يرث عبد حراً). قال الحاج محمود: ولا يخفى على أولي الأذهان السليمة والأفهام المستقيمة ما في هذه الصحيحة الشريفة من أتمية الدلالة واكديتها على المطلوب والمقصود من صحة مالكية المملوك لاشتمالها على فقرات عديدة كل فقرة كافية في إثبات المطلوب.
وقد حكي عن صاحب الجواهر (أعلى الله مقامه) المناقشة في الاستدلال بهذه الرواية ما هذا لفظه: ونوقش بأنه مع قصوره عن معارضة غيره مما عرفت من وجوه ولو بإطلاق العموم ومنافاته لما دلّ على الحجر عن التصرف على تقدير الملك قابل للحمل على إرادة إباحة التصرف له بإذن المالك لا من أجل الملك لعدم اختصاص اللام لغة به والحكم فيها بصحة العتق والتصدق عن العبد يمكن أن يكون كذلك أيضاً لأن توقفها عن الملك ليس بمعنى عدم صحتها من غير المالك مطلقاً بل مع عدم الإذن منه في التصرف والإذن هنا متحقق بالفرض وأما إختصاص الأجر به فلأن العبد هو المباشر للعتق والسبب التام فيه لأن المالك لم يقصد شيئاً منها بعينه