وإلا فليست فاسدة من هذه الجهة وليس الأمر كما ذكره (ره) من أن الإكراه يكون له معنيان أحدهما أعم من الآخر ففي المعاملات يكون أعم وفي التكاليف يكون أخص، وأما خبر ابن سنان فقد عرفت أن الإكراه فيه هو مستعمل في معناه إذ من الممكن تحقيقه من الزوجة والأب والأم فإن الزوج قد توعده الزوجة بالضرر المخوف على تقدير تركه لعمل أو لفعله وهكذا الأب والأم بل قد يجبرونه على ذلك كما يجبره السلطان ولكن الغالب هو حدوث الإكراه منهم لا الإجبار بخلاف السلطان.
هذا مضافاً إلى أنا لا نسلم وجود عدم الطيب بالبيع في المثال المذكور فإنه لو لم تطب نفسه به لخرج من المحل ولم يأتِ به، قال جدي الهادي (ره) إن ما ذكره الشيخ فيه منع إلا مع الحرج في الخروج- انتهى.
والحاصل إنا لا نسلم وجود عدم الطيب مع التمكّن من التخلص فإن من تمكن من التخلص ولم يتخلص لابد من أن تكون نفسه قد طابت بالعمل ولذا لم يتخلص منه، نعم لا ينكر وجود الكراهة بمعنى البغض وهي ليست بمحل الكلام وليس ذات أثر شرعي وإنما الكلام في الإكراه بمعنى الخوف والرهبة. ذكر السيد (قدس سره) أن مجرد كراهة الخروج من ذلك المكان لا يكفي في فساد المعاملة وإلا فيمكن مع حضور الخدم أيضاً قد يكره أن يأمرهم بدفع شر المكرِه. وأما ما ورد في فساد الطلاق للمداراة مع عياله فهو وارد
في صورة تحقق الإكراه فهو كسائر أخبار طلاق المكرَه وليس عندنا خبر يدل على بطلان طلاق المداراة مع فرض عدم الإكراه حتى يكون دليلًا على كفاية بطلان المعاملة بمجرد عدم طيب النفس، على أنه لو سلمنا ذلك كان أخص من المدعّى فيعمل به في مورده.
ومما ذكرناه وذكره فطاحل العلماء من خروج الفعل عن كونه مكرهاً عليه مع إمكان التخلص ووجود المندوحة يشكل الحال في التورية بل في كل ما كان يمكن التخلص به بنحو الخفاء والتشبيه على المكرِه كأن كان يمكنه التخلص من شرب الخمر بإراقته الخمر فيجيبه فيخيل للمكرَه عليه أنه قد شربه فإن اللازم من ذلك عدم صيرورة الفعل مكرهاً عليه عند التمكن من ذلك ولازمه عدم تحقق الإكراه في أغلب موارد البيع وسائر المعاملات والطلاق والنكاح والعتاق ونحوها والسب والكفر والبرائة من النبي (ص) والأئمة (ع) ضرورة أنه يتمكن من التورية فيها بأن يقصد الإخبار عند إجراء العقد لا الأنشاء فيقصد من (بعت) في مقام الإكراه على البيع هو الأخبار لا الإنشاء وعليه فلا يكون مكرهاً على البيع لتمكنه من عدم إيجاده بالتورية، نعم لو كان المكرَه (بالفتح) غير ملتفت إلى التورية أو كان المكرِه (بالكسر) مطلعاً على السرائر تحقق الإكراه حيث لم يتمكن المكرَه (بالفتح) من التورية وعليه فإذا كان الشخص مكرهاً على الطلاق أو البيع ولم يورّ مع قدرته على التورية كان الطلاق صحيحاً والبيع صحيحاً لإيجادهما بإختياره وهذا لا يمكن أن
يلتزم به أحد لكونه مخالفاً للإجماع بل لظواهر الأدلة حيث إنه ليس في النصوص ومعاقد الإجماعات لزوم التورية في مقام الإكراه على الإيقاعات والعقود تفصياً وتخلصاً، ففي المحكي عن الجواهر (ولا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكرَه عدم التمكن من التورية بأن ينوي غير زوجته أو طلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط ونحو ذلك وإن كان يحسن التورية ولم تحصل له الدهشة عنها فضلًا عن الجاهل بها أو المدهوش عنها لصدق الإكراه خلافاً لبعض العامة فأوجب التورية على القادر عليها انتهى).
والحاصل إن العجز عن التورية لو كان معتبراً في تحقق الإكراه لأشير إليه في الأخبار الكثيرة المجوزة للكفر والحلف كاذباً عند الإكراه وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة:
أحدها: إن العمل وإن كان بالتمكن من التورية يصير مختاراً فيه وغير مكرَه عليه ولكن الشارع رتب عليه آثار الإكراه لعدم الإشارة في الأخبار الواردة منه في رفع الآثار عن الأعمال المكرَه عليها إلى العجز عن التورية فإن الأخبار قد وردت في جواز الحلف بالله كاذباً عند الإكراه على الحلف من دون تقييدها بعدم إمكان التورية وهكذا باقي أخبار الإكراه بل وحتى الإجماعات في باب الإكراه لم تقيد بذلك معاقدها فإنه يعلم من ذلك أن الشارع قد عبّدنا بترتب آثار الإكراه على العمل المكرَه عليه ولو مع إمكان التفصي عن إتيانه بالتورية بل ما روي من قضية عمار بن ياسر
وأبويه حيث أكرِهوا على الكفر فامتنع أبواه فقتلا وأظهر لهم عمار ما أرادوا فسلم فجاء باكياً لرسول الله (ص) فنزلت آية: [مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ] فقال له رسول (ص): (إن عادوا عليك فعد) ولم ينبهه على التورية فلو كان التخلص بالتورية واجباً لنبهه (ص) على أنهم إن عادوا فَوَرّي مع الإمكان لا أنه يأمره بالإعادة مطلقاً.
ولا يخفى عليك ما في هذا الجواب فإن ظاهر تلك الأخبار إن العلة في رفع أثر تلك الأعمال هو الإكراه ومع إمكان التفصي بالتورية لا إكراه.
والحاصل أنه قد أخذ في موضوعها الإكراه وقد عرفت أنه لا إكراه مع إمكان التخلص. فالعجز عن التخلص مأخوذ في موضوع الإكراه بحيث لا يصدق لغة ولا عرفاً من دون العجز عن التخلص، نعم لو قلنا بأنه غير مأخوذ في موضوع الإكراه فالحق إنه لم يكن مأخوذاً في حكم الإكراه فإن حكم الإكراه لم يقيد بالعجز عن التخلص لما عرفت من أن الإجماعات والأخبار لم يقيد فيها حكم الإكراه بالعجز فما ذكره الخصم إنما ينفع لو قلنا بأن العجز عن التفصي مأخوذ في حكم الإكراه فعند ذا ينفع ما ذكره الخصم من عدم إشتمال أدلة الإكراه على القيد بالعجز عن التفصي ولكنا نقول إنه مأخوذ في موضوع الإكراه وحقيقته فعدم ذكره في أدلة الإكراه لا يقتضي إعتباره فيها وبهذا يظهر الجواب عن خبر عمار بن ياسر
فإنه إنما أمره (ص) بالعود عند الإكراه ومع إمكان التخلص لا يكون إكراهاً.
ثانيها: الفرق بين إمكان التفصي بالتورية وإمكان التفصي بغيرها في نظر العرف حيث أنهم يحكمون بتحقق الإكراه في الأول دون الثاني وهذا يكفي في ترتب آثار الإكراه على الأول دون الثاني لأن الأخبار الصادرة على حسب التفاهم العرفي.
والجواب عنه:
أولًا: أن لا نسلم أن العرف يرى تحقق الإكراه في الأول بل يمكن للخصم أن يدّعي أن العرف لا يرى ذلك.
وثانياً: إن العرف إنما يتبع في تعيين مداليل الألفاظ لا في تعيين مصاديقها فمثلًا العرف يتبع في معنى القبلة أنها جهة الكعبة ولا يتبع في أن جهة الكعبة في هذا البلد هي جهة الشرق أو الغرب وهكذا يتبع في أن الخمر هو المسكر المائع المتخذ من التمر ونحوه ولا يتبع في هذا المائع خمر أم ماء رمان وفيما نحن فيه مدلول الإكراه معلوم عند العرف أنه هو القهر والإجبار فإذا رأى العرف شيئاً وتخيل أنه مصداق للقهر والإجبار ونحن نعلم أنه ليس بمصداق للقهر وإن العرف مشتبه فلا يتبع العرف. وعليه ففي صورة التمكن من التفصي بالتورية وإن سلمنا أن العرف يرى تحقق القهر والإجبار ولكن نحن نرى أنه الإجبار ولا قهر على المعاملة لإمكان عدم قصد الإنشاء أو نحو ذلك فلا يتبع العرف.
ثالثها: إن الأشياء التي يكون المكرَه (بالفتح) بسببها مختاراً في إيجاد المكرَه عليه بحيث لا يخاف من تركه الضرر على قسمين قسم يكون إرتكابه سبباً لرفع الإكراه عن أصله بحيث لو اطلع المكرِه (بالكسر) على فعله وترك ما أكرهه عليه لا يترتب على ترك ما أكره عليه منه ضرراً لعدم تمكنه حينئذٍ من إضراره مثل لو ما أكره على شرب الخمر وكان متمكناً من ترك الشرب بالخروج عن الدار فإنه لو اطلع المكرِه أن يضرّه ولا يخاف المكرَه بعمله هذا من المكرِه. وقسم يكون سبباً لرفع الإكراه لكن لا عن أصله بحيث لو اطلع المكرِه على فعله وترك ما أكرهه عليه أضره كما في صورة ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأمكنه التخلص من ذلك بأن يريقه في جيبه فإنه لو أراقه في جيبه واطلع المكرِه على ذلك أضره بالضرر الذي وعده به ويخاف منه المكرَه ولا ريب أن التخلص بالتورية أو بالحيلة يكون من هذا القبيل.
والحاصل أنه في هذا القسم الثاني يكون التخلص عن المكرَه عليه بعمل لو اطلع عليه المكرِه (بالكسر) لأضره ويكون المكرَه يخاف الضرر من المكرِه لو اطلع عليه المكرِه.
وإن شئت قلت إنه يتخلص بما يوهم للمكرِه أنه هو العمل المكرَه عليه وفي هذا القسم لا يكون المكرَه قادراً على دفع الإكراه بحيث لو أوجد المكرَه عليه ولم يتخلص بالعمل المذكور يصدق عليه أنه مكرَه عليه حقيقة عند العرف إذ ليس معنى الإكراه أن لا يكون
مختاراً في أصل الفعل بل المراد أن تكون إرادته مقهورة لإرادة شخص آخر بحيث لا يكون مستقلًا في العمل ولا ريب في أن التخلص بنحو القسم الثاني غير الموجب لاستقلال إرادته وذلك لكونه مقهوراً على إيجاد العمل أو ما يشبهه فأيهما يصدر عنه كان عن إكراه مثل مالو أكرهه على أحد الشيئين فإنه أي منهما أوجده صدق عليه أنه مكره عليه فإذن في هذا القسم إمكان التخلص لا يرفع صدق الإكراه على العمل وهو المطلوب وباب التورية من هذا القبيل فإنه لو اطلع عليها المكرِه لأضّر المكرَه هذا غاية ما يمكن من تقريب هذا الوجه وهو الظاهر من كلام المرحوم الهمداني إختياره. وقد كنت أورد عليه بأن دعواه تحقق الإكراه في القسم الثاني إن كان المراد به أنه مقهوريته على الإتيان بالعمل أو بما يشبهه ففي القسم الأول أيضاً كذلك فإنه أيضاً مقهور على الإتيان بالعمل أو بما يتخلص منه وإن كان المراد أن المقهورية على العمل نفسه لا تزول في القسم الثاني فهو فاسد فإنه لا إشكال أنه لا مقهورية له على العمل نفسه لإمكان التخلص بإتيان ما يشبهه ولكن الحق أن الإيراد غير وارد عليه لأنه في القسم الأول لم يكن يخاف إذا تخلص بالعمل الآخر حتى لو اطلع المكرِه على إرتكابه لعدم تمكنه من إيقاع الضرر به وعليه فلا يتحقق إكراهه على العمل بخلاف القسم الثاني فإنه لمّا كان يخاف من الضرر عند اطلاع المكرِه على ما يتخلص به كان ما يتخلص به أيضاً مكرهاً على تركه وكان المقام يرجع على الإكراه على الشيء والإكراه على ترك ما يتخلص به منه نظير الإكراه
على الشيء مع فعل بعض المحرمات فإذا أكرهه على شرب الخمر فقد أكرهه على شربه وعلى تركه الحيلة بإراقته في شق ثوبه وعليه فلا يجب أن يتخلص من شربه بإراقته في ثوبه ولكن التحقيق أن هذا الوجه غير صحيح فيما لو علم المكرَه أن المكرِه لا يطلع على التورية أو الحيلة فإنه إذ ذاك لا يكون مكرهاً على ترك التخلص بالتورية أو بالحيلة لعدم خوفه من التخلص بهما وحينئذ إذا لم يتخلص بهما كان العمل واقفاً بتمام إختياره ويترتب عليه آثاره وليس المقام من قبيل الإكراه على أحد الشيئين فإن المكرِه لم يكرهه على إرتكاب شرب الخمر أو التخلص منه وإنما أكرهه على الشرب وعلى ترك التخلص منه بالحيلة ولذا في مقام الإكراه على أحد الشيئين لو فعل أي منهما بإطلاع المكرِه أمن الضرر بخلاف ما نحن فيه فإنه لو تخلص بالتورية أو بالحيلة واطلع المكرِه لم يأمن الضرر، وأما في صورة العلم بعدم إطلاع المكرِه فقد عرفت أنه مع التمكن من التخلص لا إكراه على العمل لعدم خوفه من تركه بالتخلص المذكور ونحن إنما نقول بأن التخلص يرفع الإكراه فيما إذا أمكن من دون الضرر.
رابعها: إن الإكراه على العمل المركب يكون إكراهاً على جميع أجزاءه وشرائطه فالمعاملات والإيقاعات أحد أجزاءها أو شرائطها المهمة هو اللفظ الذي تُنشأ به فإذا أُكره عليها يكون هذا اللفظ الذي تُنشأ به مكرَهاً عليه سواء قصد به التورية أم لم يقصد. وإن شئت قلت إن الإكراه على المعاملات والإيقاعات إنما هو في الحقيقة إكراه على إيجاد السبب أعني لفظ العقد أو الإيقاع وأما