كيفية ضمان العبد:
قال صاحب العناوين قد اختلف في كيفية الضمان في المملوك بحسب المقامات وقد اختلفت الفتوى في ذلك بل النصوص الخاصة أيضاً مختلفة في بعض المقامات فلابد من تأسيس قاعدة يرجع إليها عند عدم الدليل أو التعارض. والوجوه المحتملة أمور:
أحدها: أن يكون في ذمة العبد يتبع به بعد العتق.
وثانيها: أن يكون في كسبه.
وثالثها: أن يكون في رقبته.
ورابعها: أن يكون في مال المولى مطلقاً بمعنى أنه يؤدي من أي شيء شاء وعلى تقدير قصور الرقبة أو الكسب يجيء أيضاً وجوه.
وخامسها: أن يكون في ذمة المولى لا في ماله ومتضى القاعدة أن كل مقام حصل الضمان بإذن المولى على نحو يصدق السبب بالنسبة إليه كأمره في اقتراض أو نكاح بمهر أو شراء بثمن أو استيجار بأجرة ونحو ذلك فالضمان على المولى لأنه صاحب اليد والعبد كالوكيل في ذلك ولذلك حكم الأصحاب بذلك في كل ما هو كذلك وما لا يصدق فيه على المولى أنه السبب أو كان في مقام يتعلق على المباشر كالقتل ونحوه فكونه من مال المولى سواء كان رقبة العبد أو كسبه أو غير ذلك أو في ذمة المولى مخالف للقاعدة لعدم صدق الدليل ولأن القاعدة أنه (لا تزر وازرة وزر أخرى) ومقتضى الأصل
البراءة فيتعلق بذمة العبد يتبع به بعد عتقه كالكفارات التي يدفعها بعد ذلك أيضاً والمراد بذمته كونه مطالباً بذلك عند تمكنه منه. وما دل الدليل على تعلقه برقبته ونحو ذلك في مثل أرش الجناية ونحوه فهو خارج بالدليل فتدبر.
الشك في الحرية:
لو شك في الحرية وعدمها فالأصل هو الحرية لأن الملك أمر حادث والأصل عدمه ويكفي في الحرية عدم كونه مملوكاً والأصل في ذلك هو أن أصالة الحرية أمر مجمع عليه بين الأصحاب لا يخرج عنها إلا بإقرار أو بينة أو نحو ذلك. ولهذا لا يجوز بيع من شك في رقيته إلا إذا كان مسبوقاً بالرقية.
ومن هنا ذكر صاحب العناوين فيما لو كان هناك يد عرفية على إنسان فادعى صاحب اليد الرقية وأدعى هو حرية نفسه بأن الظاهر أن القول قوله حتى تثبت الرقية إذ اليد هنا لا عبرة فيها لأن الحر لا يدخل تحت اليد فيكون النزاع في تحقيق أصل اليد فيرجع النزاع بين المتخاصمين في الحرية والرقية إلى النزاع في أنه له يد عليه أم لا فيقدم المنكر. ولذا ذكر الأصحاب إن الإنسان لا يملك إلا بالسبي مع الكفر الأصلي أو يملك أصوله الموجبة لمملوكية الأولاد وإلا فهو بحسب الأصل حر.
الشرط الثالث عشر للأحكام الرشد
الرشد هو قوة نفسانية تبعث صاحبها على التصرف في شئون حياته بنحو الإصلاح وعدم الإفساد وتمنعه من التصرف في نوع أمواله وقواه في غير الوجوه اللائقة بحال العقلاء كتضيعه للمال ووضعه في غير محله. وبهذا ظهر لك أن الرشد ملكة وهذا المعنى هو الثابت لغة وعرفاً للرشد للتبادر. وتفسير الرشد بالحفظ في بعض الأخبار يراد به الحفظ بنحو الدوام إلا ما شذ وإلا فالحفظ آناً ما لم يكن رشداً ومن المعلوم أن الدوام يستند للملكة المذكورة ويقابل الرشد السفه لعدم تلك الملكة. كما ظهر لك أن الإفساد في بعض الأحيان النزرة لا ينافي الرشد إذا كانت الملكة المذكورة موجودة.
ويعرف وجود الرشد بمشاهدة الإصلاح غالباً كل بحسبه. وبالإختيار بما يلائمه من الحرف والصنائع والمعاملات والنفقات كل بحسبه ففي الرجل بحسبه وفي الأنثى بحسبها وفي الأولاد بحسبهم ويعرف أيضاً بالبينة وينسب للشيخ (ره) إعتبار العدالة في الرشد ويحكى عن ابن زهرة إختياره ودعواه الإجماع على ذلك ولعل مستندهم في ذلك هو أن الرشد يقابله السفه. والعاصي سفيه لقوله تعالى: [سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ] ولما ورد أن شارب الخمر سفيه.
ولا قائل بالفصل ولأن الرشد في أمور الدنيا يقابله السفه وأن الرشد في أمور الدين يقابله الغي.
ولما حكي عن ابن عباس من أن الرشد هو الوقار والحلم والعقل، وفيها ما لا يخفى. أما دعوى الإجماع ففاسدة لذهاب الأكثر على عدم اعتبار العدالة في الرشد وأما إطلاق السفيه على العاصي فهو مجاز لصحة سلب السفيه عن العاصي فإن من العصاة ما يكونون بأعلى مراتب الرشد أما أن الغي يقابل الرشد فالذي يقابل الرشد بمعناه الحقيقي هو السفه وليس الغي بمقابل له إلا إذا أريد بالرشد المعنى المجازي الذي يشمل العصاة وما حكي عن ابن عباس فلا دلالة فيه على اعتبار العدالة في الرشد أصلًا مع عدم ثبوت حجته لو سلم صحة نسبته إليه فالحق ما هو المشهور حتى كاد أن يكون إجماعاً من عدم اعتبار العدالة وليس العاصي والفاسق بمسلوب عنه الرشد فيجوز دفع ماله له إلا أن يكون فسقه يستلزم السفه كما لو علم منه صرفه في المحرمات عملًا بالأصل والإطلاقات من غير معارض وتحرزاً من الظلم في تأخير دفع المال إلى مالكه إلى أن تعلم منه العدالة على أن السيرة جارية على معاملة الفساق والكفار والظلمة من غير تقييد بالعدالة.
طريق معرفة الرشد
يعرف الرشد بالإختبار ويختبر الشخص في معرفة رشده بما
يلائمه من التصرفات فولد التاجر يختبر بالبيع والشراء أو بدفع نفقته مدة من الزمن إليه فإن صرفها في مواضعها فهو رشيد، وتختبر الأنثى بما يناسب حالها. ولا خلاف في وجوب هذا الإختبار من الأولياء حيث لا يثبت رشده بغيره عندهم للتحرز من الظلم وللأمر به في قوله تعالى: [وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إليهم امْوَالَهُم] والمراد من الإبتلاء هو إختبار الرشد على ما فهمه أكثر الأصحاب والمفسرين. والمشهور بين الأصحاب أن وقت الإختبار قبل البلوغ بل لايعرف الخلاف فيه إلَّا عن بعض المخالفين فحكم بأن وقته بعد البلوغ. إن قلت إن ذلك ينافيه تصريحهم باختباره بالبيع والشراء؟ قلنا يمكن أن يراد اختباره بمقدماتها أو كان المتولي للعقد وليه ولعل الآية يستفاد منها الإختبار قبل البلوغ للتعبير باليتم وهو يكون قبل البلوغ. وكيف كان فإنفاق المال في الأطعمة النفيسة واللباس الممتاز أمارة على السفه وهكذا، والظاهر أن اتفاق تمام المال أو أكثره بحيث لا يبقى له قدر النفقه في الخيرات من السفه والتبذير إذا لم يكن ذلك لائقاً بحاله عادة لقوله تعالى: [وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ] ولصدق السفه عليه حقيقة عرفاً ولغة، نعم إذا كان ذلك لائقاً بحاله لم يكن من السفه كما ينقل ذلك عن الحسن (ع) وعن بعض الصحابة من خروجهم عن أموالهم في سبيل الخير. وبعرف الرشد بقيام البينة عليه كما لو شهدت أربع نساء على رشد المرأة أو رجلين على رشد الرجل أو
امرأتين ورجل، قيل إن الظاهر عدم ثبوت، أن الرشد ليس شرطاً في عدم شرطية الرشد للأحكام الوصفية والتكليفية وشرطيته للتصرفات المالية في الوضعيات نظير البلوغ والعقل لشمول أدلتها لغير الرشد من دون خلاف في ذلك ولا شرطاً في التكاليف فإن البالغ العاقل غير الرشيد داخل في عموم الخطابات من دون مخصص ولا خلاف فيه ولا شرطاً في صحة العبادات.
والحاصل أنه لا دليل على اعتبار الرشد فيما ذكر فأدلتها تشملها بلا معارض ولا شرطاً في صحة العقود والإيقاعات ولا الإكتساب بإحتطاب وإحتشاس وإيجار نفسه بمال أو خلع زوجته على مال ونحو ذلك فهو بحكم الرشيد من غير خلاف في ذلك ولا إشكال عملا بالأصل ولا من دليل الحجر المختص بمنعه عن التصرف بماله خاصة وإنما هو شرط في التصرفات الماليه كالبيع والشراء على ما هو المشهور بل المحكي عن مجمع البرهان دعوى الإجماع عليه، إلَّا أن التحقيق أن يقال إن اعتبار الرشد في التصرفات الماليه إن كان من جهة كون السفيه محجراً عليه كما هو ظاهر بعض الأدله فلازم ذلك أن لايكون الرشد شرطاً وإنما يكون التحجير مانعاً وعليه فيكون السفيه قبل التحجير عليه بناءاً على توقف التحجير على حكم الحاكم تصرفاته الماليه صحيحه لعدم وجود المانع من صحتها. مع أنه ليس برشيد وكذا بعد التحجير عليه مع إذن الحاكم في التصرف أو إجازته له فإن تصرفاته الماليه صحيحه مع أنه ليس برشيد.
والحاصل أنه على هذا تكون صحة التصرفات المالية من البيع ونحوه إنما تبطل بتحجير الحاكم وعدم إذنه في التصرف من دون اختصاص بالسفيه بل يعم المفلس والرق والمريض وغيرهم من المحجر عليهم ولا موجب لاشتراط الرشد في المقام إن لم يكن اشتراطه مخلًا بالمرام. نعم إذا قلنا إن الرشد في حد ذاته شرطاً لصحة التصرفات المالية من هبة أو بيع أو شراء أو نحو ذلك لم يصح تصرفات غير الرشيد فلا بد من مراجعة الأدلة في المقام وقد اعتمدنا في هذا المقام على صاحب العناوين تلميذ جدنا الأعلى الشيخ علي (قدس سره).
أما عدم اشتراط الرشد في اعتبار اللفظ فلأن عمومات العقود والإيقاعات أنواعاً وأجناساً شاملة لمعاملات السفيه وألفاظه الصادرة عنه من حيث هو عقد فلا مانع من صحته لعدم المعارض كما أن السفه ليس شرطاً في التصرفات الواقعة على غير ماله فإنه محجور عن ماله فقط فيصح أن تقع منه العقود على سبيل الوكالة لشمول الأدلة لها أما كون الرشد شرطاً في التصرف المالي من الهبات والمعاوضات النفقات الزائدة على قدر الحاجة ونحو ذلك مما هو مظنة التضييع للمال فيستدل عليه بأمور:
أحدها: الإجماع المحصل من كلام الأصحاب على كون السفيه محجوراً عليه كما ذكروه في كتاب الحجر ونصوا على اشتراط الرشد في التصرفات المالية في أبواب العقود كالبيع والقرض والرهن
والإجارة والمزارعة والمساقات ومهر النكاح وعوض الخلع وغير ذلك من دون نكر في ذلك.
وثانيها: منقول الإجماع حد الإستفاضة بل المتواترة المعتضد بالشهرة العظيمة.
وثالثها: إن التصرف في المال إنما هو مستند إلى عموم (الناس مسلطون على أموالهم) ونحو ذلك ويمكن منع شمول ذلك للسفيه فإن المتبادر من الناس أشخاص مصلحون لأموالهم فلا يشمل السفيه.
ورابعها: إنا نعلم أن حجر الصبي غير البالغ والمجنون إنما هو لعدم كمال العقل الموجب لإصلاح المال وهو موجود في السفيه أيضاً فإنه ناقص العقل فينبغي أن يحجر عليه كما يحجر على الصبي والمجنون.
وخامسها:إن من المعلوم من الشارع هو جعله الأحكام لحفظ النفس والمال والنسب ولا ريب في أن تسليط الشارع السفيه على ماله تضييع للمال وهو خلاف ما جعل له الشرع فينبغي الحجر عليه حفظاً له.
وسادسها: ظواهر الآيات الشريفة منها قوله تعالى: [فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إليهم امْوَالَهُم] فإنه دال على عدم دفع المال مع عدم معلومية الرشد واختصاصه باليتامى غير قادح بعد