ولا قائل بالفصل ولأن الرشد في أمور الدنيا يقابله السفه وأن الرشد في أمور الدين يقابله الغي.
ولما حكي عن ابن عباس من أن الرشد هو الوقار والحلم والعقل، وفيها ما لا يخفى. أما دعوى الإجماع ففاسدة لذهاب الأكثر على عدم اعتبار العدالة في الرشد وأما إطلاق السفيه على العاصي فهو مجاز لصحة سلب السفيه عن العاصي فإن من العصاة ما يكونون بأعلى مراتب الرشد أما أن الغي يقابل الرشد فالذي يقابل الرشد بمعناه الحقيقي هو السفه وليس الغي بمقابل له إلا إذا أريد بالرشد المعنى المجازي الذي يشمل العصاة وما حكي عن ابن عباس فلا دلالة فيه على اعتبار العدالة في الرشد أصلًا مع عدم ثبوت حجته لو سلم صحة نسبته إليه فالحق ما هو المشهور حتى كاد أن يكون إجماعاً من عدم اعتبار العدالة وليس العاصي والفاسق بمسلوب عنه الرشد فيجوز دفع ماله له إلا أن يكون فسقه يستلزم السفه كما لو علم منه صرفه في المحرمات عملًا بالأصل والإطلاقات من غير معارض وتحرزاً من الظلم في تأخير دفع المال إلى مالكه إلى أن تعلم منه العدالة على أن السيرة جارية على معاملة الفساق والكفار والظلمة من غير تقييد بالعدالة.
طريق معرفة الرشد
يعرف الرشد بالإختبار ويختبر الشخص في معرفة رشده بما
يلائمه من التصرفات فولد التاجر يختبر بالبيع والشراء أو بدفع نفقته مدة من الزمن إليه فإن صرفها في مواضعها فهو رشيد، وتختبر الأنثى بما يناسب حالها. ولا خلاف في وجوب هذا الإختبار من الأولياء حيث لا يثبت رشده بغيره عندهم للتحرز من الظلم وللأمر به في قوله تعالى: [وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إليهم امْوَالَهُم] والمراد من الإبتلاء هو إختبار الرشد على ما فهمه أكثر الأصحاب والمفسرين. والمشهور بين الأصحاب أن وقت الإختبار قبل البلوغ بل لايعرف الخلاف فيه إلَّا عن بعض المخالفين فحكم بأن وقته بعد البلوغ. إن قلت إن ذلك ينافيه تصريحهم باختباره بالبيع والشراء؟ قلنا يمكن أن يراد اختباره بمقدماتها أو كان المتولي للعقد وليه ولعل الآية يستفاد منها الإختبار قبل البلوغ للتعبير باليتم وهو يكون قبل البلوغ. وكيف كان فإنفاق المال في الأطعمة النفيسة واللباس الممتاز أمارة على السفه وهكذا، والظاهر أن اتفاق تمام المال أو أكثره بحيث لا يبقى له قدر النفقه في الخيرات من السفه والتبذير إذا لم يكن ذلك لائقاً بحاله عادة لقوله تعالى: [وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ] ولصدق السفه عليه حقيقة عرفاً ولغة، نعم إذا كان ذلك لائقاً بحاله لم يكن من السفه كما ينقل ذلك عن الحسن (ع) وعن بعض الصحابة من خروجهم عن أموالهم في سبيل الخير. وبعرف الرشد بقيام البينة عليه كما لو شهدت أربع نساء على رشد المرأة أو رجلين على رشد الرجل أو
امرأتين ورجل، قيل إن الظاهر عدم ثبوت، أن الرشد ليس شرطاً في عدم شرطية الرشد للأحكام الوصفية والتكليفية وشرطيته للتصرفات المالية في الوضعيات نظير البلوغ والعقل لشمول أدلتها لغير الرشد من دون خلاف في ذلك ولا شرطاً في التكاليف فإن البالغ العاقل غير الرشيد داخل في عموم الخطابات من دون مخصص ولا خلاف فيه ولا شرطاً في صحة العبادات.
والحاصل أنه لا دليل على اعتبار الرشد فيما ذكر فأدلتها تشملها بلا معارض ولا شرطاً في صحة العقود والإيقاعات ولا الإكتساب بإحتطاب وإحتشاس وإيجار نفسه بمال أو خلع زوجته على مال ونحو ذلك فهو بحكم الرشيد من غير خلاف في ذلك ولا إشكال عملا بالأصل ولا من دليل الحجر المختص بمنعه عن التصرف بماله خاصة وإنما هو شرط في التصرفات الماليه كالبيع والشراء على ما هو المشهور بل المحكي عن مجمع البرهان دعوى الإجماع عليه، إلَّا أن التحقيق أن يقال إن اعتبار الرشد في التصرفات الماليه إن كان من جهة كون السفيه محجراً عليه كما هو ظاهر بعض الأدله فلازم ذلك أن لايكون الرشد شرطاً وإنما يكون التحجير مانعاً وعليه فيكون السفيه قبل التحجير عليه بناءاً على توقف التحجير على حكم الحاكم تصرفاته الماليه صحيحه لعدم وجود المانع من صحتها. مع أنه ليس برشيد وكذا بعد التحجير عليه مع إذن الحاكم في التصرف أو إجازته له فإن تصرفاته الماليه صحيحه مع أنه ليس برشيد.
والحاصل أنه على هذا تكون صحة التصرفات المالية من البيع ونحوه إنما تبطل بتحجير الحاكم وعدم إذنه في التصرف من دون اختصاص بالسفيه بل يعم المفلس والرق والمريض وغيرهم من المحجر عليهم ولا موجب لاشتراط الرشد في المقام إن لم يكن اشتراطه مخلًا بالمرام. نعم إذا قلنا إن الرشد في حد ذاته شرطاً لصحة التصرفات المالية من هبة أو بيع أو شراء أو نحو ذلك لم يصح تصرفات غير الرشيد فلا بد من مراجعة الأدلة في المقام وقد اعتمدنا في هذا المقام على صاحب العناوين تلميذ جدنا الأعلى الشيخ علي (قدس سره).
أما عدم اشتراط الرشد في اعتبار اللفظ فلأن عمومات العقود والإيقاعات أنواعاً وأجناساً شاملة لمعاملات السفيه وألفاظه الصادرة عنه من حيث هو عقد فلا مانع من صحته لعدم المعارض كما أن السفه ليس شرطاً في التصرفات الواقعة على غير ماله فإنه محجور عن ماله فقط فيصح أن تقع منه العقود على سبيل الوكالة لشمول الأدلة لها أما كون الرشد شرطاً في التصرف المالي من الهبات والمعاوضات النفقات الزائدة على قدر الحاجة ونحو ذلك مما هو مظنة التضييع للمال فيستدل عليه بأمور:
أحدها: الإجماع المحصل من كلام الأصحاب على كون السفيه محجوراً عليه كما ذكروه في كتاب الحجر ونصوا على اشتراط الرشد في التصرفات المالية في أبواب العقود كالبيع والقرض والرهن
والإجارة والمزارعة والمساقات ومهر النكاح وعوض الخلع وغير ذلك من دون نكر في ذلك.
وثانيها: منقول الإجماع حد الإستفاضة بل المتواترة المعتضد بالشهرة العظيمة.
وثالثها: إن التصرف في المال إنما هو مستند إلى عموم (الناس مسلطون على أموالهم) ونحو ذلك ويمكن منع شمول ذلك للسفيه فإن المتبادر من الناس أشخاص مصلحون لأموالهم فلا يشمل السفيه.
ورابعها: إنا نعلم أن حجر الصبي غير البالغ والمجنون إنما هو لعدم كمال العقل الموجب لإصلاح المال وهو موجود في السفيه أيضاً فإنه ناقص العقل فينبغي أن يحجر عليه كما يحجر على الصبي والمجنون.
وخامسها:إن من المعلوم من الشارع هو جعله الأحكام لحفظ النفس والمال والنسب ولا ريب في أن تسليط الشارع السفيه على ماله تضييع للمال وهو خلاف ما جعل له الشرع فينبغي الحجر عليه حفظاً له.
وسادسها: ظواهر الآيات الشريفة منها قوله تعالى: [فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إليهم امْوَالَهُم] فإنه دال على عدم دفع المال مع عدم معلومية الرشد واختصاصه باليتامى غير قادح بعد
عدم القول بالفصل ووروده مورد الغالب من كون مال اليتيم في يد غيره فيدفع إليه بعد رشده بخلاف غير اليتيم وحمل الرشد فيه على البلوغ خلاف ظاهر اللفظ وخلاف مقتضى سياق الآية فإن البلوغ هو بلوغ النكاح وهو مذكور في الآية قبل ذلك.
ومنها قوله تعالى: [وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمْ الَّتي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لُهُمْ قَوْلًا مَعْروفاً] وهذه الآية محتملة لمعنيين:
(أحدهما): أن يراد بأموالكم أموال السفهاء لا أموال الأولياء وهو الذي نسب إلى أكثر المفسرين نظراً إلى أنه لو لم يكن كذلك لزم وجوب إنفاق الأولياء على السفهاء لأن ضمير وإرزقوهم راجع إلى السفهاء ولا يقول به أحد أو لابد من التقدير بقولنا وارزقوهم أن كانوا ممن يجب نفقتهم ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف مضافاً إلى أن المراد من قول المعروف أن يقال لهم إنكم إذا رشدتم وأصلحتم مالكم ونحو ذلك أدفع إليكم مالكم ونظيره مما يرغب في الرشد والإصلاح وهذا يدل على كون الخطاب للولي الذي بيده مال السفهاء وإن المنع عن الدفع إنما هو في هذا المال وإضافة الأموال إلى الأولياء حينئذ يكون لتصرفهم فيها كالملاك وكونهم قوامين عليها وهو كاف في الإضافة. قيل ويكون إشارة إلى لزوم حفظه كحفظ مال أنفسهم، أو يراد من أموالكم جنس الأموال التي بها قيام الكل كما في قوله تعالى: [وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم] إذ المراد به عدم قتل بعضهم
بعضاً ويلائم هذا المعنى كون الآية في سياق الكلام في خصوص أحكام الأيتام والرشد ومن بيده المال وهذا المعنى صريح في كون السفيه ممنوعاً من التصرف في ماله إلى أن يرشد.
و (ثانيهما): ما أشير إليه من كون المراد أموال الأولياء فنهوا عن إعطاء ذلك للسفهاء بل أمروا بالإنفاق والقول المعروف وهذا أيضاً يدل على عدم كون السفيه أهلا لتسليطه على المال وهو كاف في المدعى أو يقال إن حجره عن مال غيره المبذول له مجاناً بحيث لا ضرر عليه في تلفه وإتلافه يدل على حجره في مال نفسه بالأولوية.
ومنها قوله تعالى: [فَإنْ كانَ الَّذي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أو ضَعِيفاً أَو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيهُ بِالعَدْلِ] فإنه أيضاً دال على أن السفيه مُوَلَّى عليه ولو لم يكن محجوراً في التصرف لكان له أن يملل هو بنفسه.
وسابعها: ظواهر الروايات الدالة على كون السفيه محجوراً في التصرف المالي.
منها ما مر في أخبار البلوغ: (إذا بلغ الغلام أشده جاز له كل شيء إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً) فإن هذا الخبر دال على عدم نفوذ تصرف السفيه وهو معنى الحجر والمراد بالجواز هنا النفوذ والصحة دون الإباحة والرخصة إذ هو غير مختص بالبلوغ.
ومنها موثقة عبد اللّه بن سنان قال: إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت عليه السيئات وجاز أمره في كل شيء إلا أن يكون سفيهاً
أو ضعيفاً، فقال: وما السفيه؟ فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه، قال: وما الضعيف؟ فقال: الأبله، ولما في صحيحة هشام بن سالم: وإن احتلم ولم يؤنس منه رشداً كان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليه ماله وغير ذلك من الروايات الدالة على الحجر على السفيه.
معرفة التصرف المالي الذي هو محل الحجر
قال صاحب العناوين بتصرف منا يسير: إن تمييز التصرف المالي عن غيره حتى يعلم موضع الحجر هو أن ما كان مالياً صرفاً كالبيع والإجارة فأمره واضح ومثله الصلح على المال أو على الحق المالي كالشفعة والخيار والهبة والعارية والوديعة والمزارعة والمساقاة والشركة والقراض والسكنى والوقف والضمان والحوالة والقرض وهكذا التصرف بنحو الكفالة فإنه وإن لم يكن مالياً إبتداءاً ولكنه من جهة كونه مستلزماً لأداء المال لو لم يتمكن من إحضار المكفول أو لم يفعل فهو داخل في المالية بهذا الإعتبار ويمكن هنا التفكيك والقول بصحة كفالة وعدم توجه ضمان المال عليه وثمرته إلزامه بإحضار المكفول كما في بعض الكفالات التي لا تعود إلى المال ككفالة القاتل عمداً في القصاص. ومن ذلك ظهر أن فيما كان هناك جهتان مالية وغيرها يبطل تصرفه في الأولى دون الثانية كما في إقراره بالنسب الموجب للنفقة فان النفقة لا تثبت بذلك لعدم قبول إقراره على المال وأما في النسب فهو مقبول وأما التصرف منه فيما ليس مالياً كالطلاق والظهار واللعان والإيلاء والإقرار بما يوجب