بعضاً ويلائم هذا المعنى كون الآية في سياق الكلام في خصوص أحكام الأيتام والرشد ومن بيده المال وهذا المعنى صريح في كون السفيه ممنوعاً من التصرف في ماله إلى أن يرشد.
و (ثانيهما): ما أشير إليه من كون المراد أموال الأولياء فنهوا عن إعطاء ذلك للسفهاء بل أمروا بالإنفاق والقول المعروف وهذا أيضاً يدل على عدم كون السفيه أهلا لتسليطه على المال وهو كاف في المدعى أو يقال إن حجره عن مال غيره المبذول له مجاناً بحيث لا ضرر عليه في تلفه وإتلافه يدل على حجره في مال نفسه بالأولوية.
ومنها قوله تعالى: [فَإنْ كانَ الَّذي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أو ضَعِيفاً أَو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيهُ بِالعَدْلِ] فإنه أيضاً دال على أن السفيه مُوَلَّى عليه ولو لم يكن محجوراً في التصرف لكان له أن يملل هو بنفسه.
وسابعها: ظواهر الروايات الدالة على كون السفيه محجوراً في التصرف المالي.
منها ما مر في أخبار البلوغ: (إذا بلغ الغلام أشده جاز له كل شيء إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً) فإن هذا الخبر دال على عدم نفوذ تصرف السفيه وهو معنى الحجر والمراد بالجواز هنا النفوذ والصحة دون الإباحة والرخصة إذ هو غير مختص بالبلوغ.
ومنها موثقة عبد اللّه بن سنان قال: إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت عليه السيئات وجاز أمره في كل شيء إلا أن يكون سفيهاً
أو ضعيفاً، فقال: وما السفيه؟ فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه، قال: وما الضعيف؟ فقال: الأبله، ولما في صحيحة هشام بن سالم: وإن احتلم ولم يؤنس منه رشداً كان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليه ماله وغير ذلك من الروايات الدالة على الحجر على السفيه.
معرفة التصرف المالي الذي هو محل الحجر
قال صاحب العناوين بتصرف منا يسير: إن تمييز التصرف المالي عن غيره حتى يعلم موضع الحجر هو أن ما كان مالياً صرفاً كالبيع والإجارة فأمره واضح ومثله الصلح على المال أو على الحق المالي كالشفعة والخيار والهبة والعارية والوديعة والمزارعة والمساقاة والشركة والقراض والسكنى والوقف والضمان والحوالة والقرض وهكذا التصرف بنحو الكفالة فإنه وإن لم يكن مالياً إبتداءاً ولكنه من جهة كونه مستلزماً لأداء المال لو لم يتمكن من إحضار المكفول أو لم يفعل فهو داخل في المالية بهذا الإعتبار ويمكن هنا التفكيك والقول بصحة كفالة وعدم توجه ضمان المال عليه وثمرته إلزامه بإحضار المكفول كما في بعض الكفالات التي لا تعود إلى المال ككفالة القاتل عمداً في القصاص. ومن ذلك ظهر أن فيما كان هناك جهتان مالية وغيرها يبطل تصرفه في الأولى دون الثانية كما في إقراره بالنسب الموجب للنفقة فان النفقة لا تثبت بذلك لعدم قبول إقراره على المال وأما في النسب فهو مقبول وأما التصرف منه فيما ليس مالياً كالطلاق والظهار واللعان والإيلاء والإقرار بما يوجب
القصاص وعفوه عما ليس بمال كالقصاص يمض تصرفه وكون حق القصاص مما يصالح عليه بمال لا يجعله مالياً حتى يمنع منه بخلاف ما لو كان عفوه عن أمر مالي كالخيار والشفعة فليس له العفو عنه وفي حق الإختصاص في المشتركات كالمسجد والسوق والرباط يجوز عفوه إذ ليس مالًا. وفي وصيته وتدبره خلاف معروف ولا ريب في كونهما تصرفا مالياً داخلًا في عموم الدليل على الظاهر ولم نقف على دليل خاص بهما. وذكر صاحب الكفاية في وصية السفيه أقوالًا ثلاثة ولم يذكر نصاً فيه فيما عندي من النسخة. إن قلت إن أدلة الحجر العامة لا تشمل مثل الوصيه لأنها لا توجب تصرفاً عند الحياة وإنما توجب التصرف بعد الممات فالمال معها باقٍ على حاله حال الحياة وعليه فلا مانع من نفوذ لتصرفه فيه مضافاً إلى أن الحجر إنما هو لتضييع المال ولا تضييع هنا؟
قلنا: إن تصرفه هنا أيضاً تصرف في المال حال الحياة غاية الأمر يكون وقت التصرف بعد الممات نظير تصرفه في المال بعد سنة وإن شئت قلت إنه كما أن إتلاف المال على نفسه موجب لحجره فكذلك إتلافه على وارثه أو في غير الوجوه اللائقة مطلقاً وكون ذلك بعد الوفاة غير نافع إذ الغرض من الحجر صون المال عن التلف فيما لا يليق به وهذا الوجه موجود في الوصية إذ لو جوزناها مطلقاً فقد يصرفه السفيه في الوصية في موضع غير لائق فتدبر. وكأن من فصل بين وجوه البر والمعروف وغيرها لاحظ هذا المعنى.
وأما الإكتساب البدني من احتطاب أو احتشاش أو كونه أجيراً لغيره أو بطريقة جعالة ونحوه فلا حجر فيه بل يملك المال ويحجر عليه بعد ذلك.
ومما ذكرنا ظهر لك استنباط حكم السفيه في كل باب ما لم يدل دليل خاص على خلافه.
زوال حجر السفيه
قال صاحب العناوين إن حجر السفيه هل يزول بأذن الولي أو إجازته بمعنى أن الولي إذا رضى بتصرفاته قبل وقوعها أو بعدها فهل تقع صحيحة كما في حجر العبد فانه يزول بعد إذن المولى أو ليس كذلك بل هو كحجر الصبي والمجنون الذي لا ينفع فيه إذن الولي؟ وقد أشار إلى هذين الإحتمالين الشهيد (ره) في القواعد وفرع عليهما البطلان والصحة مع إذن الولي ومنشأ ذلك ملاحظة أدلة الحجر فان كان أدلة الحجر فيها عموم أو إطلاق بحيث تصير القاعدة هي الحجر مطلقاً بحسب ظاهر الدليل وعليه فلا ريب في أن قضية الإطلاق هو بقاء الحجر حتى مع إذن الولي وعدم ارتفاعه حيث لادليل على ارتفاعه، وأما إن كانت أدلة الحجر مجملة من هذه الجهة فتصير القاعدة عدم الحجر لعموم تسلط الناس على أموالهم غاية ما دل عليه أدلة الحجر إنما هو في صورة عدم إذن الولي وأما مع إذنه فلم يثبت الحجر والأصل عدمه فيصير الإذن وعدمه من مشخصات موضوع الحجر.
لا يقال إنه على فرض عدم العموم في دليل الحجر أيضاً نقول بالحجر! لأنا نفرض سفيهاً غير مأذون فيكون محجوراً ثم نفرض طريان الإذن عليه فيصير شكاً في زوال الحجر السابقة إذ إنا لم نعلم ثبوت حجر على هذا الفرض ولا يمكن منع الإستصحاب هنا بتغير الموضوع إذ لا شبهة في عدم كون الإذن مغيراً لموضوع السفيه كما أنه لا يمكن القول بأن الدليل قد قضى بعدم الحجر لأن أدلة حجر السفيه إذا قيل باختصاصها بصورة عدم الإذن فهو من جهة الإنصراف لكنه انصراف إطلاقها إلى ذلك لا من جهة تقييدها بشرط أو وصف أو غاية والإنصراف المذكور بدوي ليس بحجة فلا ينافي الإستصحاب فيصير الحالة اللاحقة موجبة للشك في البقاء ويستصحب وإذا ثبت في الفرض فيثبت في السفيه المقارن سفهه للإذن بحيث لم يسبقه له حالة خالية عن الإذن حتى يحجر عليه قطعاً لعدم القول بالفصل لأنا نقول مضافاً إلى أن عدم القول بالفصل لا ينفع فيما ثبت بالأصل الحق أن بعد القول بعدم العموم في أدلة الحجر يصير بعد حصول الإذن التعارض بين الإستصحاب وعموم ما دل على تسلط الناس على أموالهم وغير ذلك مما دل على صحة المعاملات والتصرفات ولا ريب في أن الإستصحاب لا يعارض الدليل وإن كان خاصاً على ما يراه أكثر الأصحاب وقد مر نظيره في مقامات. ومن هذا الباب فورية الخيارات القهرية. مضافاً إلى أن هذا الكلام قابل للقلب فنقول في السفيه المأذون من أول الأمر نشك في شمول أدلة السفيه لمثل ذلك وعموم أدلة التسليط قاض بعدم الحجر
بلا معارض وإذا ثبت فيه فيثبت في المأذون بعد حصول الحجر بعدم القول بالفصل.
وبالجملة في المدار على ملاحظة عموم دليل السفه ولا ريب في أن ظواهر الآيات والأخبار الدالة على حجر السفيه مطلقه في المنع بل ظاهرة في عدم جواز إذنه في المعاملة والتصرف وهي العمدة في أدلة الحجر فلا ريب في أن الحكم بحجره ولو بعد الإذن أقوى.
ولكن ينبغي أن يعلم أن غرضنا من الحجر بعد الإذن أيضاً معناه أن الولي إذا أذن له في التصرفات فأخذ المال بيده وبنى على التصرف كيف شاء فهو غير ماض أما لو كان التصرف من الولي وهو كان مأذونا في إجراء العقد فلا مانع عنه كما أنه لو تصرف مع الإذن أو من دونه في أصل المال لم يقع العقد باطلًا من أصله فيصير كالفضولي لأن عبارته غير مسلوبة على ما أوضحناه فيكون صحيحاً بالإجازة وباطلًا بعدمها فتدير.
الشك في الرشد والسفه
أنه لو شك في السفه والرشد وعدمها فإن كانت الشبهة مفهومية فالظاهر لزوم البناء على مقتضى العمومات القاضيه بالصحة والإقتصار في مانعيه السفه وشرطية الرشد على المتيقن منهما وإن كانت الشبهة مصداقية فإن علم بالحالة السابقة بنى عليها وإن كانت الشبهة بدويه فيبنى على الصحة للسيره المستمرة على
البناء على الرشد مع ظهور حاله في الرشد ولأن السفه عيب والأصل في الأعيان الخارجية الصحة. ودعوى استصحاب عدم الرشد باعتبار أنه لما كان صغيراً لم يكن رشيداً ففيها: إن عدم الرشد في الصغر عبارة عن عدم الإدراك لما فيه الإصلاح والإفساد فإنه هو المحرز في حال الصغر وفي الكبر عبارة عن عدم الملكة الباعثة له على التصرف بما فيه الإصلاح. وهذا الإستصحاب لو تم لصح استصحاب الجنون عند الكبر لأنه في الصغر لم يدرك الحسن والقبح لفقدان العقل وفي الكبر أيضاً لم يميز بينهما لفقدان العقل ولكن لما كان فقدان العقل في الصغر لعدم الأهلية بخلافه في الكبر لم يصح الإستصحاب ولو توارد عليه الحالات رشد وسفه ولم يعلم السّبق واللّحوق فإن كان الرشد شرطاً فيبنى على الفساد لأصالة عدمه ولا يعارضها أصالة عدم السفه إذ لا تثبت الصحة، وإن كان السفه مانعاً فأصالة عدمه جارية إذا قلنا بجريان أصالة عدم المانع وإلَّا فالمرجع أصالة عدم حصول النقل والإنتقال. نعم يمكن إن يقال أن ظاهر قوله تعالى: [وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً]- الآية فإن الأمر بالإبتلاء والإمتحان ظاهر في كون الرشد شرطاً في ارتفاع الحجر عنهم وأنه مما يجب إحرازه والعلم بحصوله، ويحتمل التفصيل بين من كان في أوائل سن البلوغ وغيره فيشترط العلم بالرشد في الأول للآية الكريمة ولا يجب ذلك في الثاني للسيرة المستمرة.
الشرط الرابع عشر للأحكام العدالة
قد ذكرنا في الجزء الثاني من النور الساطع العدالة وشرحنا حقيقتها وطرق إثباتها فمن أراد معرفة ذلك فليراجعه ومحل البحث هنا في شرطية العدالة للأحكام الشرعية فنقول: إنه لا ريب في إعتبار العدالة في بعض الأحكام الشرعية التي قام الدليل عليها إلَّا أن التحقيق إنها ليست من شرائط الأحكام العامة كالعقل والبلوغ، قال صاحب العناوين: ليست العدالة شرطاً لا في تكليف ولا في ضمان ولا في غرامة ولا في صحة العبادة ولا في العقود والإيقاعات من حيث هي لعموم ما دل على التكاليف والضمانات وصحة العقود والعبادات من دون دليل دال على الإشتراط فأصالة الإطلاق سليمة عن المعارض معتضدة بالفتوى.
وما يترائى من الشيخ (ره) أنه اعتبر العدالة في التصرفات المالية إدراجاً للفاسق تحت السفيه المحجور عليه فيصير اشتراط العدالة من جملة أجزاء اشتراط الرشد ففيه ما لا يخفى:
أولًا: خروجه عن الفرض إذ الكلام في اعتبار العدالة من حيث نفسها.
وثانياً: عدم تسليم أن الفاسق يدخل في السفه المحجر عليه.