فإنه إنما أمره (ص) بالعود عند الإكراه ومع إمكان التخلص لا يكون إكراهاً.
ثانيها: الفرق بين إمكان التفصي بالتورية وإمكان التفصي بغيرها في نظر العرف حيث أنهم يحكمون بتحقق الإكراه في الأول دون الثاني وهذا يكفي في ترتب آثار الإكراه على الأول دون الثاني لأن الأخبار الصادرة على حسب التفاهم العرفي.
والجواب عنه:
أولًا: أن لا نسلم أن العرف يرى تحقق الإكراه في الأول بل يمكن للخصم أن يدّعي أن العرف لا يرى ذلك.
وثانياً: إن العرف إنما يتبع في تعيين مداليل الألفاظ لا في تعيين مصاديقها فمثلًا العرف يتبع في معنى القبلة أنها جهة الكعبة ولا يتبع في أن جهة الكعبة في هذا البلد هي جهة الشرق أو الغرب وهكذا يتبع في أن الخمر هو المسكر المائع المتخذ من التمر ونحوه ولا يتبع في هذا المائع خمر أم ماء رمان وفيما نحن فيه مدلول الإكراه معلوم عند العرف أنه هو القهر والإجبار فإذا رأى العرف شيئاً وتخيل أنه مصداق للقهر والإجبار ونحن نعلم أنه ليس بمصداق للقهر وإن العرف مشتبه فلا يتبع العرف. وعليه ففي صورة التمكن من التفصي بالتورية وإن سلمنا أن العرف يرى تحقق القهر والإجبار ولكن نحن نرى أنه الإجبار ولا قهر على المعاملة لإمكان عدم قصد الإنشاء أو نحو ذلك فلا يتبع العرف.
ثالثها: إن الأشياء التي يكون المكرَه (بالفتح) بسببها مختاراً في إيجاد المكرَه عليه بحيث لا يخاف من تركه الضرر على قسمين قسم يكون إرتكابه سبباً لرفع الإكراه عن أصله بحيث لو اطلع المكرِه (بالكسر) على فعله وترك ما أكرهه عليه لا يترتب على ترك ما أكره عليه منه ضرراً لعدم تمكنه حينئذٍ من إضراره مثل لو ما أكره على شرب الخمر وكان متمكناً من ترك الشرب بالخروج عن الدار فإنه لو اطلع المكرِه أن يضرّه ولا يخاف المكرَه بعمله هذا من المكرِه. وقسم يكون سبباً لرفع الإكراه لكن لا عن أصله بحيث لو اطلع المكرِه على فعله وترك ما أكرهه عليه أضره كما في صورة ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأمكنه التخلص من ذلك بأن يريقه في جيبه فإنه لو أراقه في جيبه واطلع المكرِه على ذلك أضره بالضرر الذي وعده به ويخاف منه المكرَه ولا ريب أن التخلص بالتورية أو بالحيلة يكون من هذا القبيل.
والحاصل أنه في هذا القسم الثاني يكون التخلص عن المكرَه عليه بعمل لو اطلع عليه المكرِه (بالكسر) لأضره ويكون المكرَه يخاف الضرر من المكرِه لو اطلع عليه المكرِه.
وإن شئت قلت إنه يتخلص بما يوهم للمكرِه أنه هو العمل المكرَه عليه وفي هذا القسم لا يكون المكرَه قادراً على دفع الإكراه بحيث لو أوجد المكرَه عليه ولم يتخلص بالعمل المذكور يصدق عليه أنه مكرَه عليه حقيقة عند العرف إذ ليس معنى الإكراه أن لا يكون
مختاراً في أصل الفعل بل المراد أن تكون إرادته مقهورة لإرادة شخص آخر بحيث لا يكون مستقلًا في العمل ولا ريب في أن التخلص بنحو القسم الثاني غير الموجب لاستقلال إرادته وذلك لكونه مقهوراً على إيجاد العمل أو ما يشبهه فأيهما يصدر عنه كان عن إكراه مثل مالو أكرهه على أحد الشيئين فإنه أي منهما أوجده صدق عليه أنه مكره عليه فإذن في هذا القسم إمكان التخلص لا يرفع صدق الإكراه على العمل وهو المطلوب وباب التورية من هذا القبيل فإنه لو اطلع عليها المكرِه لأضّر المكرَه هذا غاية ما يمكن من تقريب هذا الوجه وهو الظاهر من كلام المرحوم الهمداني إختياره. وقد كنت أورد عليه بأن دعواه تحقق الإكراه في القسم الثاني إن كان المراد به أنه مقهوريته على الإتيان بالعمل أو بما يشبهه ففي القسم الأول أيضاً كذلك فإنه أيضاً مقهور على الإتيان بالعمل أو بما يتخلص منه وإن كان المراد أن المقهورية على العمل نفسه لا تزول في القسم الثاني فهو فاسد فإنه لا إشكال أنه لا مقهورية له على العمل نفسه لإمكان التخلص بإتيان ما يشبهه ولكن الحق أن الإيراد غير وارد عليه لأنه في القسم الأول لم يكن يخاف إذا تخلص بالعمل الآخر حتى لو اطلع المكرِه على إرتكابه لعدم تمكنه من إيقاع الضرر به وعليه فلا يتحقق إكراهه على العمل بخلاف القسم الثاني فإنه لمّا كان يخاف من الضرر عند اطلاع المكرِه على ما يتخلص به كان ما يتخلص به أيضاً مكرهاً على تركه وكان المقام يرجع على الإكراه على الشيء والإكراه على ترك ما يتخلص به منه نظير الإكراه
على الشيء مع فعل بعض المحرمات فإذا أكرهه على شرب الخمر فقد أكرهه على شربه وعلى تركه الحيلة بإراقته في شق ثوبه وعليه فلا يجب أن يتخلص من شربه بإراقته في ثوبه ولكن التحقيق أن هذا الوجه غير صحيح فيما لو علم المكرَه أن المكرِه لا يطلع على التورية أو الحيلة فإنه إذ ذاك لا يكون مكرهاً على ترك التخلص بالتورية أو بالحيلة لعدم خوفه من التخلص بهما وحينئذ إذا لم يتخلص بهما كان العمل واقفاً بتمام إختياره ويترتب عليه آثاره وليس المقام من قبيل الإكراه على أحد الشيئين فإن المكرِه لم يكرهه على إرتكاب شرب الخمر أو التخلص منه وإنما أكرهه على الشرب وعلى ترك التخلص منه بالحيلة ولذا في مقام الإكراه على أحد الشيئين لو فعل أي منهما بإطلاع المكرِه أمن الضرر بخلاف ما نحن فيه فإنه لو تخلص بالتورية أو بالحيلة واطلع المكرِه لم يأمن الضرر، وأما في صورة العلم بعدم إطلاع المكرِه فقد عرفت أنه مع التمكن من التخلص لا إكراه على العمل لعدم خوفه من تركه بالتخلص المذكور ونحن إنما نقول بأن التخلص يرفع الإكراه فيما إذا أمكن من دون الضرر.
رابعها: إن الإكراه على العمل المركب يكون إكراهاً على جميع أجزاءه وشرائطه فالمعاملات والإيقاعات أحد أجزاءها أو شرائطها المهمة هو اللفظ الذي تُنشأ به فإذا أُكره عليها يكون هذا اللفظ الذي تُنشأ به مكرَهاً عليه سواء قصد به التورية أم لم يقصد. وإن شئت قلت إن الإكراه على المعاملات والإيقاعات إنما هو في الحقيقة إكراه على إيجاد السبب أعني لفظ العقد أو الإيقاع وأما
الأمور المعنوية من قصد الإنشاء فهي لا يعقل الإكراه عليها لعدم الإطلاع عليها إلا من العالم بالسرائر وهكذا الحال في الحلف فإن الإكراه عليه إنما يكون إكراهاً على ألفاظه. ولاريب في أن تلك الألفاظ هي الجزء المقوم للمعاملات والأيمان، وبالإكراه على تلك الألفاظ المستعملة فيها تخرج تلك الألفاظ في نظر الشارع عن صلاحيتها وقابليتها لترتب الأثر عليها سواءً قصد التورية بها أم لم يقصد وعليه فإمكان التخلص بالتورية لا يرتفع به الإكراه على ألفاظ المعاملة سواء قصد به التورية أم لا وعند ذا لا حاجة للتورية، وبهذا الوجه يظهر لك أن إمكان التخلص إذا كان بالتورية فهو غير لازم لأن الفساد لازم للعقد سواء تخلص بها أم لم يتخلص وأما إذا كان بغيره من الحيل كأراقته الخمر في الجيب خفية عن المكرِه يكون واجباً ولا يسوغ معه شرب الخمر لأن الحرمة غير لازمة مع التخلص بإلقاءه في الجيب. وقد يورد على هذا بأنه يشكل ما ذكروه من أنه لو أكره على إيقاع البيع صحيحاً أو فاسداً فاختار الصحيح لعدم حصول الإكراه بالنسبة إليه مع أنه لا شبهه في كون لفظ (بعت) الذي أنشأه لإيقاع الصحيح كان مكرهاً عليه لكونه الجامع بينهما وارتفاع أثره موجب لتحقق البيع في الخارج ولو في ضمن الصحيح مع أنهم لا يلتزمون به.
وبالجملة الظاهر عدم كون ذلك مناطاً في رفع الأثر بل المناط هو صدق كون الفعل مكرهاً عليه ولا يصدق ذلك بعد اختيارية واحد من مقدماته فإن الفعل إذا كانت أحد مقدماته إختيارية كان
إختيارياً ولذا الملقي بنفسه من الشاهق يكون موته مختاراً فيه لأن أحد مقدماته كانت باختياره والسر في ذلك واضح لأنه إذا كانت إحدى المقدمات إختيارية كان بقدرته تركها فلا يتحقق العمل.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه ما ذكرناه لا يقتضي عدم الفرق بين ما نحن فيه وبين صورة الإكراه على البيع الصحيح أو الفاسد لأنه فيما نحن فيه صار الإكراه على العقد نفسه فإن المكرِه يريد التلفظ به سواء قصد المعنى أم لم يقصد إذ لا قدرة له على أن يجعله قاصداً لمعنى المعاملة بخلاف الصورة المذكورة فإن العقد في ضمن الصحيح غير مكرَه عليه ويستطيع عدم إتيانه فالمقام يشبه ما إذا أكرِه على العقد نفسه مطلقاً فإنه لا ريب عندهم في عدم صحة البيع حتى لو قصد به الصحيح وأما كون الفعل لا يخرج عن الإختيار به لو كانت إحدى مقدماته إختيارية فهو إنما يتم في المقدمات الخارجية دون الداخلية أعني الأجزاء فإن العمل إذا كانت أحد أجزاءه غير إختياري كان كله غير إختياري. ولا ريب في أن الإنشاء للمعاملة جزء منها كما في اليمين. ولكن لا يخفى عليك ما فيه؛ أولًا بالنقض فإنه لو أكره على مطلق الشرب فهل يصح له أن يشرب الخمر؟ وثانياً بالحل فإنه إذا أكره على القدر الجامع كان إختياره للفرد المحرم منها أو ذي الأثر يرجع أمره إليه ويستطيع تركه من دون ضرر عليه فلم يكن مكره عليه لإستطاعته التخلص منه من دون أي ضرر بإتيان الفرد الآخر الذي هو ليس بمحرم ولا ذي أثر، نعم لو كانت الأفراد المكره عليها كلها محرمة أو ذات أثر فأي منها اختاره جاز له
ولا يترتب عليه الأثر لأن كل واحد منها لو تخلص منه فلا بد له من الإتيان بالآخر الذي فيه الحرمة أو فيه الأثر فهو لا يمكنه دفع المكرِه إلا بارتكاب ما هو المحرم أو ما به الأثر. والعمل متى ما صار أحد شرائطه أو أجزاءه بالإختيار كان مختاراً لأنه حين ذاك كان بيده إن شاء إتيانه بإختياره للجزء أو الشرط الذي هو تحت إختياره وإن شاء تركه بترك ذلك الجزء أو الشرط الذي هو تحت إختياره وبتعبير أخصر إن إختياره للفرد الذي هو ذو الأثر يقتضي طيب نفسه به فيقع صحيحاً ولذا لو أكره على مطلق الشرب سواء كان لماء الرمان أو الخمر فإختار شرب الخمر أُثِم وعوقب.
خامسها: إن المعتبر في المعاملات إنما هو طيب النفس. والإكراه إنما أوجب فساد المعاملة لأنه يرفع طيب النفس بها. والتمكن من التورية لا يوجب طيب النفس بها لو أوقعها مكرهاً عليها من دون التورية.
نعم المحرمات وترك الواجبات لما كان المعتبر في تجويزها هو الإكراه عليها كان التمكن من التخلص منها موجباً لعدم تجويزها. وحيث إن التورية إنما هي يتخلص بها في الإمور المعتبر فيها اللفظ وهي المعاملات لذا قلنا بعدم اعتبار التخلص بها. والحاصل إن التخلص بالتورية إنما يتأتى في المعاملات لا في غيرها وهو لا ينفع في صحة المعاملة المكره عليها لأن شرط صحتها هو طيب النفس بها والفرض أنه لم تطب نفسه بالمعاملة حتى مع عدم التورية وتمكنه
منها. وهذا الوجه هو الذي يظهر من كلام الشيخ الأنصاري (ره) إختياره وقد حكي أنه سبقه إليه التستري صاحب المقابيس (ره).
وفيه ما لا يخفى فإنه لا يجيء في مثل الطلاق والعتق ونحوهما مما قامت الأدلة على إعتبار عدم الإكراه فيهما لا اعتبار طيب النفس بهما. وهكذا لا يجيء في بعض المحرمات المتقومة بالألفاظ كالبرائة من الله أو المعصومين (ع) هذا مضافاً إلى أن طيب النفس المعتبر في المعاملات ليس هو المحبوبية لها فإنه كثيراً من المعاملات ليست بمحبوبه لفاعلها مع أنها صحيحة كبيع الإنسان كتبه وداره لشدة إحتياجه وإنما المراد بالطيب هو مجرد الرضا وكون الفاعل مختاراً في فعله بنفسه غير مقهور في إرادته وإختياره للمعاملة على أن من الأدلة ما دلت على إعتبار عدم الإكراه في المعاملة كحديث الرفع الذي عدّ فيه (مااستكرهوا عليه).
سادسها: إن الألفاظ بعد وضعها تكون دلالتها ذاتية فإن (قام زيد) يدل دلالة تصورية على قيام زيد حتى لو صدر من المجنون ولذا يقال إن المجنون أخبر بقيام زيد حتى أن بعضهم كان يتنبأ بأخبار بعض المجانين وهكذا النائم وهكذا الساهي فإن دلالة الألفاظ على معانيها دلالة تصورية لا تصديقية فإنها لا تخرج عن كونها توجب إخطار المعنى وإحضاره في الذهن سواء قصد معنى المتكلم أم لم يقصده غاية الأمر أن الأثر لا يترتب عليه عقلًا ككلام المجنون فإن