لا يقال إنه على فرض عدم العموم في دليل الحجر أيضاً نقول بالحجر! لأنا نفرض سفيهاً غير مأذون فيكون محجوراً ثم نفرض طريان الإذن عليه فيصير شكاً في زوال الحجر السابقة إذ إنا لم نعلم ثبوت حجر على هذا الفرض ولا يمكن منع الإستصحاب هنا بتغير الموضوع إذ لا شبهة في عدم كون الإذن مغيراً لموضوع السفيه كما أنه لا يمكن القول بأن الدليل قد قضى بعدم الحجر لأن أدلة حجر السفيه إذا قيل باختصاصها بصورة عدم الإذن فهو من جهة الإنصراف لكنه انصراف إطلاقها إلى ذلك لا من جهة تقييدها بشرط أو وصف أو غاية والإنصراف المذكور بدوي ليس بحجة فلا ينافي الإستصحاب فيصير الحالة اللاحقة موجبة للشك في البقاء ويستصحب وإذا ثبت في الفرض فيثبت في السفيه المقارن سفهه للإذن بحيث لم يسبقه له حالة خالية عن الإذن حتى يحجر عليه قطعاً لعدم القول بالفصل لأنا نقول مضافاً إلى أن عدم القول بالفصل لا ينفع فيما ثبت بالأصل الحق أن بعد القول بعدم العموم في أدلة الحجر يصير بعد حصول الإذن التعارض بين الإستصحاب وعموم ما دل على تسلط الناس على أموالهم وغير ذلك مما دل على صحة المعاملات والتصرفات ولا ريب في أن الإستصحاب لا يعارض الدليل وإن كان خاصاً على ما يراه أكثر الأصحاب وقد مر نظيره في مقامات. ومن هذا الباب فورية الخيارات القهرية. مضافاً إلى أن هذا الكلام قابل للقلب فنقول في السفيه المأذون من أول الأمر نشك في شمول أدلة السفيه لمثل ذلك وعموم أدلة التسليط قاض بعدم الحجر
بلا معارض وإذا ثبت فيه فيثبت في المأذون بعد حصول الحجر بعدم القول بالفصل.
وبالجملة في المدار على ملاحظة عموم دليل السفه ولا ريب في أن ظواهر الآيات والأخبار الدالة على حجر السفيه مطلقه في المنع بل ظاهرة في عدم جواز إذنه في المعاملة والتصرف وهي العمدة في أدلة الحجر فلا ريب في أن الحكم بحجره ولو بعد الإذن أقوى.
ولكن ينبغي أن يعلم أن غرضنا من الحجر بعد الإذن أيضاً معناه أن الولي إذا أذن له في التصرفات فأخذ المال بيده وبنى على التصرف كيف شاء فهو غير ماض أما لو كان التصرف من الولي وهو كان مأذونا في إجراء العقد فلا مانع عنه كما أنه لو تصرف مع الإذن أو من دونه في أصل المال لم يقع العقد باطلًا من أصله فيصير كالفضولي لأن عبارته غير مسلوبة على ما أوضحناه فيكون صحيحاً بالإجازة وباطلًا بعدمها فتدير.
الشك في الرشد والسفه
أنه لو شك في السفه والرشد وعدمها فإن كانت الشبهة مفهومية فالظاهر لزوم البناء على مقتضى العمومات القاضيه بالصحة والإقتصار في مانعيه السفه وشرطية الرشد على المتيقن منهما وإن كانت الشبهة مصداقية فإن علم بالحالة السابقة بنى عليها وإن كانت الشبهة بدويه فيبنى على الصحة للسيره المستمرة على
البناء على الرشد مع ظهور حاله في الرشد ولأن السفه عيب والأصل في الأعيان الخارجية الصحة. ودعوى استصحاب عدم الرشد باعتبار أنه لما كان صغيراً لم يكن رشيداً ففيها: إن عدم الرشد في الصغر عبارة عن عدم الإدراك لما فيه الإصلاح والإفساد فإنه هو المحرز في حال الصغر وفي الكبر عبارة عن عدم الملكة الباعثة له على التصرف بما فيه الإصلاح. وهذا الإستصحاب لو تم لصح استصحاب الجنون عند الكبر لأنه في الصغر لم يدرك الحسن والقبح لفقدان العقل وفي الكبر أيضاً لم يميز بينهما لفقدان العقل ولكن لما كان فقدان العقل في الصغر لعدم الأهلية بخلافه في الكبر لم يصح الإستصحاب ولو توارد عليه الحالات رشد وسفه ولم يعلم السّبق واللّحوق فإن كان الرشد شرطاً فيبنى على الفساد لأصالة عدمه ولا يعارضها أصالة عدم السفه إذ لا تثبت الصحة، وإن كان السفه مانعاً فأصالة عدمه جارية إذا قلنا بجريان أصالة عدم المانع وإلَّا فالمرجع أصالة عدم حصول النقل والإنتقال. نعم يمكن إن يقال أن ظاهر قوله تعالى: [وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً]- الآية فإن الأمر بالإبتلاء والإمتحان ظاهر في كون الرشد شرطاً في ارتفاع الحجر عنهم وأنه مما يجب إحرازه والعلم بحصوله، ويحتمل التفصيل بين من كان في أوائل سن البلوغ وغيره فيشترط العلم بالرشد في الأول للآية الكريمة ولا يجب ذلك في الثاني للسيرة المستمرة.
الشرط الرابع عشر للأحكام العدالة
قد ذكرنا في الجزء الثاني من النور الساطع العدالة وشرحنا حقيقتها وطرق إثباتها فمن أراد معرفة ذلك فليراجعه ومحل البحث هنا في شرطية العدالة للأحكام الشرعية فنقول: إنه لا ريب في إعتبار العدالة في بعض الأحكام الشرعية التي قام الدليل عليها إلَّا أن التحقيق إنها ليست من شرائط الأحكام العامة كالعقل والبلوغ، قال صاحب العناوين: ليست العدالة شرطاً لا في تكليف ولا في ضمان ولا في غرامة ولا في صحة العبادة ولا في العقود والإيقاعات من حيث هي لعموم ما دل على التكاليف والضمانات وصحة العقود والعبادات من دون دليل دال على الإشتراط فأصالة الإطلاق سليمة عن المعارض معتضدة بالفتوى.
وما يترائى من الشيخ (ره) أنه اعتبر العدالة في التصرفات المالية إدراجاً للفاسق تحت السفيه المحجور عليه فيصير اشتراط العدالة من جملة أجزاء اشتراط الرشد ففيه ما لا يخفى:
أولًا: خروجه عن الفرض إذ الكلام في اعتبار العدالة من حيث نفسها.
وثانياً: عدم تسليم أن الفاسق يدخل في السفه المحجر عليه.
الموارد التي يعتبر فيها العدالة
ظاهر الأصحاب اشتراط العدالة في كل مقام يكون فعل شخص أو قوله مسقطاً عن غيره أو حجة عليه أو كان يده مسلطة على مال غيره أو كان مؤتمناً على مال غيره أو حقه من غير مالكه ويندرج فيها عدالة المجتهد وعدالة المخبر بالحكم الشرعي وعدالة الشاهد حتى في الطلاق وفي الحقوق وفي الحلال وفي عزل الوكيل وفي دخول الوقت وعدالة القاضي والكاتب والمترجم وعامل الصدقة والمقوم للمال وبائع الأمة في استبرائها ونائب العبادات كلها عن حي أو ميت باستنابة نفس المنوب عنه نفسه أو باستنابة وكيله وغير ذلك وأمين الحاكم على مال الأيتام والغائب والمجانين وعلى قبض الحقوق المالية ومنصوبه في نظارة أو وقف أو في وصياته والوصي على مال الأطفال والمجانين ومفرق الحقوق المالية إذا دفع إليه المالك ولو كان وكيلًا والودعي الذي يوضع عنده مال غيره عند حصول عذر للمستودع والمستأجر من المستأجر إذا أراد قبض العين منه لو قلنا بعدم اشتراط إذن المالك كما هو قضية صحيحة على بن جعفر وعدالة إمام الجماعة ونظائر ذلك.
وبالجملة فالضابط أما كون قوله مسقطاً عن غيره أو حجة عليه وكون فعله كذلك أو كون يده مسلطة على مال غيره من غير مالكه فإن في هذه المقامات تشترط العدالة وإن كان بعض الفقهاء قد يعبر
عنها في بعض هذه المواضع بالوثوق وبالعفة وبالصون وبالصلاح وبالخير وبالرضا وبالأمان إلَّا أن الظاهر أن مرادهم هو الملكة التي تمنعه من ارتكاب الجرائم والمنشأ في ذلك ما دل من الآية الشريفة على أن الفاسق يجب التبين في خبره فلا يسمع قوله ولا يكون حجة من حيث هو قوله وإنما يكون قوله حجة من جهة حصول العلم أو من جهة حصول الظن حيث يعتبر فيه الظن كعدد الركعة والمرض المبيح للإفطار، وما دل من النصوص على عدم كون الفاسق أهلًا للأمانة. مضافاً إلى ما ورد في مذمة الفساق بما يقضى بسقوط درجتهم فضلًا عن ائتمان الشارع لهم على مال أو نحو ذلك وكيف ينهى الشارع عن الركون إلى الذين ظلموا ثم يرخص في الاعتماد عليهم أو يعتمد عليهم في أموال الناس وما في حكمها وكل فاسق ظالم ولو لنفسه فتدبر، وعدم سماع قوله وعدم جواز الركون إليه يكفي في اشتراط العدالة في هذه المقامات الثلاث الجامعة للفروع السابقة كلها فتبصّر. مضافاً إلى ما ورد من الأدلة الخاصة في كثير من هذه المقامات مع إشعاره باعتبار العدالة لعدم سماع خبر الفاسق وعدم جواز الركون إليه الدال على تأسيس القاعدة مع أن تتبع ما ورد فيه النص وقام عليه الإجماع مورث استقراء مفيد الإلحاق المشكوك فيه بالغالب ثم قال (ره): بقى هنا كلام وهو أن الوكيل في ما يجوز فيه الوكالة كالعقود والإيقاعات وتطهير الثوب ونحو ذلك من قبض وإذن لا يشترط عدالته مع أن فعله أو قوله ينبأ عن صحة العمل ومسقط عن الموكل بمعنى أن كل ما فعله فهو بمنزلة ما فعله
الموكل فينبغي اشتراط عدالته أيضاً إذ لعله يخبر عما هو ليس بواقع من بيع أو نكاح أو تطهير أو غير ذلك وأي فرق بين هذه الأمور وبين النيابة في العبادة كالحج أو نحوه حيث يشترط فيها العدالة وعللوا عدم سماع قول النائب في العبادة في إتيانه العمل على وجه صحيح بعدم اطلاع غيره على أفعاله إذ من جملة الشرائط قصد القربة ولا يطلع عليها أحد فلا يحصل العلم ببراءة الذمة مع أن هذا الوجه يجري في المعاملات أيضاً فإن قوله غير مسموع واطلاع غيره غير ممكن إذ من جملة شرائطه القصد وهو مما لا يمكن الاطلاع عليه فلعله كان غير قاصد.
ودفع ذلك أما بأن يقال إن مقتضى القاعدة كان اشتراط العدالة ولكن خرج باب الوكالة بالإجماع وإطلاق النصوص وكون فعل الوكيل منزلًا منزلة فعل الموكل مطلقاً، وأما بأن يقال إن فعل الوكيل تثبت صحة في هذه الأمور بأصالة الصحة في فعل المسلم أو بأصالة الصحة في معاملته ويكتفى بها الموكل أيضاً.
ولو قيل إن هذا الكلام يجري في العبادات أيضاً فإن النائب إذا فعل فعلًا فأصالة الصحة تثبت كون ذلك الفعل جامعاً للشرائط فيكون كافياً للمنوب عنه ولا يحتاج إلى سماع خبره كما في الواجبات الكفائية فإنه إذا رأيت من يشتغل بغسل الميت تكتفي بذلك في السقوط عنك بأصالة الصحة وإن لم يكن عادلًا فلم تشترط في نائب العبادة العدالة. قلنا الفرق بين النيابة والواجب الكفائي واضح فإن
فاعل الواجب الكفائي آت به من جهة نفسه ولا ريب في أن عمل المسلم في حق نفسه محمول على الصحة فإذا كان كذلك فيوجب السقوط لأنه فعل صحيح وأما النائب فهو آت للفعل عن المنوب عنه وليس هناك أصالة صحة فعل مسلم عن مسلم آخر بمعنى ترتب الآثار عليه إذ أدلة صحة فعل المسلم لا تعم ذلك وأما الفرق بين العبادات والمعاملات فبأن الذمة إذا اشتغلت فلا تفرغ إلَّا بيقين والمتيقن هو نيابة العدل وأما في المعاملة فليس هناك اشتغال ذمة بشيء بل هو إقدام على فعل لولا قول الوكيل لما أقدم عليه ولو لم يثبت بقول الوكيل جواز ذلك الفعل للموكل إلَّا أنه لما كان بعد قول الوكيل لم يعلم بتحريمه أيضاً فيشك في حرمته بعد قول الوكيل وأصالة البراءة تقتضي جوازه وفيه نظر واضح.
وأما بأن يقال إن سماع قول الوكيل في المعاملات إنما هو من جهة كونه زائداً على ما أخبر عنه وقول ذي اليد مسموع ولو كان فاسقاً. ولكن هذا لا يطرد في الأشياء التي ليست مما يدخل تحت اليد كالنكاح والطلاق فلا بد من القول بعدم سماع قول الوكيل في ذلك إلًّا بعد الثبوت. وأما من جهة الفرق بين العبادة والمعاملة بأن العبادة عمدتها النية وهي لا تعلم بالإطلاع فلا بد من اعتبار كون النائب عدلًا ليحصل الوثوق به والمعاملة وإن اعتبر فيها القصد وهو أيضاً لا يعلم لكن الشارع جعل ألفاظ العقود كاشفة عن القصود فإن من قال بعت ثم ادعى إني ما كنت قاصداً لا يسمع منه ذلك لأن ظاهر