البناء على الرشد مع ظهور حاله في الرشد ولأن السفه عيب والأصل في الأعيان الخارجية الصحة. ودعوى استصحاب عدم الرشد باعتبار أنه لما كان صغيراً لم يكن رشيداً ففيها: إن عدم الرشد في الصغر عبارة عن عدم الإدراك لما فيه الإصلاح والإفساد فإنه هو المحرز في حال الصغر وفي الكبر عبارة عن عدم الملكة الباعثة له على التصرف بما فيه الإصلاح. وهذا الإستصحاب لو تم لصح استصحاب الجنون عند الكبر لأنه في الصغر لم يدرك الحسن والقبح لفقدان العقل وفي الكبر أيضاً لم يميز بينهما لفقدان العقل ولكن لما كان فقدان العقل في الصغر لعدم الأهلية بخلافه في الكبر لم يصح الإستصحاب ولو توارد عليه الحالات رشد وسفه ولم يعلم السّبق واللّحوق فإن كان الرشد شرطاً فيبنى على الفساد لأصالة عدمه ولا يعارضها أصالة عدم السفه إذ لا تثبت الصحة، وإن كان السفه مانعاً فأصالة عدمه جارية إذا قلنا بجريان أصالة عدم المانع وإلَّا فالمرجع أصالة عدم حصول النقل والإنتقال. نعم يمكن إن يقال أن ظاهر قوله تعالى: [وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً]- الآية فإن الأمر بالإبتلاء والإمتحان ظاهر في كون الرشد شرطاً في ارتفاع الحجر عنهم وأنه مما يجب إحرازه والعلم بحصوله، ويحتمل التفصيل بين من كان في أوائل سن البلوغ وغيره فيشترط العلم بالرشد في الأول للآية الكريمة ولا يجب ذلك في الثاني للسيرة المستمرة.
الشرط الرابع عشر للأحكام العدالة
قد ذكرنا في الجزء الثاني من النور الساطع العدالة وشرحنا حقيقتها وطرق إثباتها فمن أراد معرفة ذلك فليراجعه ومحل البحث هنا في شرطية العدالة للأحكام الشرعية فنقول: إنه لا ريب في إعتبار العدالة في بعض الأحكام الشرعية التي قام الدليل عليها إلَّا أن التحقيق إنها ليست من شرائط الأحكام العامة كالعقل والبلوغ، قال صاحب العناوين: ليست العدالة شرطاً لا في تكليف ولا في ضمان ولا في غرامة ولا في صحة العبادة ولا في العقود والإيقاعات من حيث هي لعموم ما دل على التكاليف والضمانات وصحة العقود والعبادات من دون دليل دال على الإشتراط فأصالة الإطلاق سليمة عن المعارض معتضدة بالفتوى.
وما يترائى من الشيخ (ره) أنه اعتبر العدالة في التصرفات المالية إدراجاً للفاسق تحت السفيه المحجور عليه فيصير اشتراط العدالة من جملة أجزاء اشتراط الرشد ففيه ما لا يخفى:
أولًا: خروجه عن الفرض إذ الكلام في اعتبار العدالة من حيث نفسها.
وثانياً: عدم تسليم أن الفاسق يدخل في السفه المحجر عليه.
الموارد التي يعتبر فيها العدالة
ظاهر الأصحاب اشتراط العدالة في كل مقام يكون فعل شخص أو قوله مسقطاً عن غيره أو حجة عليه أو كان يده مسلطة على مال غيره أو كان مؤتمناً على مال غيره أو حقه من غير مالكه ويندرج فيها عدالة المجتهد وعدالة المخبر بالحكم الشرعي وعدالة الشاهد حتى في الطلاق وفي الحقوق وفي الحلال وفي عزل الوكيل وفي دخول الوقت وعدالة القاضي والكاتب والمترجم وعامل الصدقة والمقوم للمال وبائع الأمة في استبرائها ونائب العبادات كلها عن حي أو ميت باستنابة نفس المنوب عنه نفسه أو باستنابة وكيله وغير ذلك وأمين الحاكم على مال الأيتام والغائب والمجانين وعلى قبض الحقوق المالية ومنصوبه في نظارة أو وقف أو في وصياته والوصي على مال الأطفال والمجانين ومفرق الحقوق المالية إذا دفع إليه المالك ولو كان وكيلًا والودعي الذي يوضع عنده مال غيره عند حصول عذر للمستودع والمستأجر من المستأجر إذا أراد قبض العين منه لو قلنا بعدم اشتراط إذن المالك كما هو قضية صحيحة على بن جعفر وعدالة إمام الجماعة ونظائر ذلك.
وبالجملة فالضابط أما كون قوله مسقطاً عن غيره أو حجة عليه وكون فعله كذلك أو كون يده مسلطة على مال غيره من غير مالكه فإن في هذه المقامات تشترط العدالة وإن كان بعض الفقهاء قد يعبر
عنها في بعض هذه المواضع بالوثوق وبالعفة وبالصون وبالصلاح وبالخير وبالرضا وبالأمان إلَّا أن الظاهر أن مرادهم هو الملكة التي تمنعه من ارتكاب الجرائم والمنشأ في ذلك ما دل من الآية الشريفة على أن الفاسق يجب التبين في خبره فلا يسمع قوله ولا يكون حجة من حيث هو قوله وإنما يكون قوله حجة من جهة حصول العلم أو من جهة حصول الظن حيث يعتبر فيه الظن كعدد الركعة والمرض المبيح للإفطار، وما دل من النصوص على عدم كون الفاسق أهلًا للأمانة. مضافاً إلى ما ورد في مذمة الفساق بما يقضى بسقوط درجتهم فضلًا عن ائتمان الشارع لهم على مال أو نحو ذلك وكيف ينهى الشارع عن الركون إلى الذين ظلموا ثم يرخص في الاعتماد عليهم أو يعتمد عليهم في أموال الناس وما في حكمها وكل فاسق ظالم ولو لنفسه فتدبر، وعدم سماع قوله وعدم جواز الركون إليه يكفي في اشتراط العدالة في هذه المقامات الثلاث الجامعة للفروع السابقة كلها فتبصّر. مضافاً إلى ما ورد من الأدلة الخاصة في كثير من هذه المقامات مع إشعاره باعتبار العدالة لعدم سماع خبر الفاسق وعدم جواز الركون إليه الدال على تأسيس القاعدة مع أن تتبع ما ورد فيه النص وقام عليه الإجماع مورث استقراء مفيد الإلحاق المشكوك فيه بالغالب ثم قال (ره): بقى هنا كلام وهو أن الوكيل في ما يجوز فيه الوكالة كالعقود والإيقاعات وتطهير الثوب ونحو ذلك من قبض وإذن لا يشترط عدالته مع أن فعله أو قوله ينبأ عن صحة العمل ومسقط عن الموكل بمعنى أن كل ما فعله فهو بمنزلة ما فعله
الموكل فينبغي اشتراط عدالته أيضاً إذ لعله يخبر عما هو ليس بواقع من بيع أو نكاح أو تطهير أو غير ذلك وأي فرق بين هذه الأمور وبين النيابة في العبادة كالحج أو نحوه حيث يشترط فيها العدالة وعللوا عدم سماع قول النائب في العبادة في إتيانه العمل على وجه صحيح بعدم اطلاع غيره على أفعاله إذ من جملة الشرائط قصد القربة ولا يطلع عليها أحد فلا يحصل العلم ببراءة الذمة مع أن هذا الوجه يجري في المعاملات أيضاً فإن قوله غير مسموع واطلاع غيره غير ممكن إذ من جملة شرائطه القصد وهو مما لا يمكن الاطلاع عليه فلعله كان غير قاصد.
ودفع ذلك أما بأن يقال إن مقتضى القاعدة كان اشتراط العدالة ولكن خرج باب الوكالة بالإجماع وإطلاق النصوص وكون فعل الوكيل منزلًا منزلة فعل الموكل مطلقاً، وأما بأن يقال إن فعل الوكيل تثبت صحة في هذه الأمور بأصالة الصحة في فعل المسلم أو بأصالة الصحة في معاملته ويكتفى بها الموكل أيضاً.
ولو قيل إن هذا الكلام يجري في العبادات أيضاً فإن النائب إذا فعل فعلًا فأصالة الصحة تثبت كون ذلك الفعل جامعاً للشرائط فيكون كافياً للمنوب عنه ولا يحتاج إلى سماع خبره كما في الواجبات الكفائية فإنه إذا رأيت من يشتغل بغسل الميت تكتفي بذلك في السقوط عنك بأصالة الصحة وإن لم يكن عادلًا فلم تشترط في نائب العبادة العدالة. قلنا الفرق بين النيابة والواجب الكفائي واضح فإن
فاعل الواجب الكفائي آت به من جهة نفسه ولا ريب في أن عمل المسلم في حق نفسه محمول على الصحة فإذا كان كذلك فيوجب السقوط لأنه فعل صحيح وأما النائب فهو آت للفعل عن المنوب عنه وليس هناك أصالة صحة فعل مسلم عن مسلم آخر بمعنى ترتب الآثار عليه إذ أدلة صحة فعل المسلم لا تعم ذلك وأما الفرق بين العبادات والمعاملات فبأن الذمة إذا اشتغلت فلا تفرغ إلَّا بيقين والمتيقن هو نيابة العدل وأما في المعاملة فليس هناك اشتغال ذمة بشيء بل هو إقدام على فعل لولا قول الوكيل لما أقدم عليه ولو لم يثبت بقول الوكيل جواز ذلك الفعل للموكل إلَّا أنه لما كان بعد قول الوكيل لم يعلم بتحريمه أيضاً فيشك في حرمته بعد قول الوكيل وأصالة البراءة تقتضي جوازه وفيه نظر واضح.
وأما بأن يقال إن سماع قول الوكيل في المعاملات إنما هو من جهة كونه زائداً على ما أخبر عنه وقول ذي اليد مسموع ولو كان فاسقاً. ولكن هذا لا يطرد في الأشياء التي ليست مما يدخل تحت اليد كالنكاح والطلاق فلا بد من القول بعدم سماع قول الوكيل في ذلك إلًّا بعد الثبوت. وأما من جهة الفرق بين العبادة والمعاملة بأن العبادة عمدتها النية وهي لا تعلم بالإطلاع فلا بد من اعتبار كون النائب عدلًا ليحصل الوثوق به والمعاملة وإن اعتبر فيها القصد وهو أيضاً لا يعلم لكن الشارع جعل ألفاظ العقود كاشفة عن القصود فإن من قال بعت ثم ادعى إني ما كنت قاصداً لا يسمع منه ذلك لأن ظاهر
كلامه مكذب له بخلاف العبادة اذ ليس فيها ما يدل على وقوعها مع نية القربة ولذا لو قال ما نويت القربة قبل كلامه. وأما أصالة الصحة فلا تدل على وقوعها مع نية القربة لأن أصالة الصحة لا تكون حجة على غير الفاعل وهذا بخلاف العقد فإنه دال على القصد وحجة عليه وإلَّا فلم يمكن المعاملة أصلًا لأن أحد المتعاقدين لا يدري بأن الآخر قاصد في الإيجاب أو القبول أم لا.
وما ربما بتوهم من الفرق بين أدلة الوكالة وبين أدلة النيابة في العبادة بأن الأولى مطلقة شاملة لتوكيل الفاسق أيضاً فلا مناص عن اتباع قوله فيما أخبر به من جهة الوكالة والثانية مجملة دالة على جواز الإستنابة أو وجوبها والمتيقن هو استنابة العدل فهو فاسد لأن الإطلاق لو كان فهو في المقامين والإجمال لو كان فهو في المقامين.
الشك في العدالة والفسق والإيمان والفسق
قد عرفت أن العدالة هي الملكة، وأن حسن الظاهر كاشف عنها وقيل إن الفسق أمر عدمي وهو عدم العدالة عما هو قابل لها ولا واسطة بينهما واعتبار الأصحاب ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة في الفسق إنما هو ليكون كاشفاً عن عدم الملكة وهو بعيد.
والحق كون تقابلهما تقابل التضاد وثبوت الواسطة والمشكوك إن كانت الشبهة مفهومية فيرجع في حكمه إلى العمومات المبينة لمفهومها وإن كانت مصداقية فالمرجع فيها إلى الأصل. نظير ما اخترناه في الإسلام والكفر وهكذا الكلام في الإيمان والفسق.
أدلة الأحكام الشرعية ومستندها ومداركها
إن اللّه عز وجل لما كان يريد من عباده الإتيان بأحكامه وتنفيذ قوانينه وهو موقوف على معرفتهم لها والمعرفة موقوفة على الدليل لزم على الفاعل من باب اللطف إيجاد الدليل عليها.
مبحث الدليل وشرح حقيقته:
قبل الخوض في ذكر الأدلة الشرعية يستحسن أن نتكلم عن أصل الدليل الدليل في اللغة المرشد والدال على المطلوب وقد يطلق على ما فيه صلاحية الإرشاد وفي اصطلاح الأصوليين ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري سواء كانت دليليته بنفسه كحكم العقل فإن حكم العقل بقبح الظلم يتوصل منه عند النظر والتفكير فيه إلى حرمة الظلم شرعاً ودليليته بذاته أو كانت دليليته بواسطة قيام الدليل على دليليته كالإجماع والسنة والكتاب. ولذا كانت الأدلة المحمولة من الشارع التي لها الكشف عن الواقع كالأمارات والطرق يسمى عندهم بالأدلة بل بعضهم توسع فأطلق اسم الدليل على أصل البراءة والإحتياط والتخيير مع أنها ليست لها توصلية وكاشفية عن الواقع. وقولنا إلى مطلوب خبري ولم نقل إلى