أدلة الأحكام الشرعية ومستندها ومداركها
إن اللّه عز وجل لما كان يريد من عباده الإتيان بأحكامه وتنفيذ قوانينه وهو موقوف على معرفتهم لها والمعرفة موقوفة على الدليل لزم على الفاعل من باب اللطف إيجاد الدليل عليها.
مبحث الدليل وشرح حقيقته:
قبل الخوض في ذكر الأدلة الشرعية يستحسن أن نتكلم عن أصل الدليل الدليل في اللغة المرشد والدال على المطلوب وقد يطلق على ما فيه صلاحية الإرشاد وفي اصطلاح الأصوليين ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري سواء كانت دليليته بنفسه كحكم العقل فإن حكم العقل بقبح الظلم يتوصل منه عند النظر والتفكير فيه إلى حرمة الظلم شرعاً ودليليته بذاته أو كانت دليليته بواسطة قيام الدليل على دليليته كالإجماع والسنة والكتاب. ولذا كانت الأدلة المحمولة من الشارع التي لها الكشف عن الواقع كالأمارات والطرق يسمى عندهم بالأدلة بل بعضهم توسع فأطلق اسم الدليل على أصل البراءة والإحتياط والتخيير مع أنها ليست لها توصلية وكاشفية عن الواقع. وقولنا إلى مطلوب خبري ولم نقل إلى
العلم بمطلوب خبري لتدخل الدلائل الشرعية بأسرها فإن أكثرها أمارات لا تفيد العلم وقيد الإمكان دون التوصل بالفعل ليدخل المغفول عنه فإنه ليس مما يتوصل فيه بالفعل ولكن يمكن أن يتوصل فيه. والحاصل أن الدليل بما هو هو لا يعتبر فيه التوصل بالفعل بحيث لو لم ينظر فيه أحد يخرج عن كونه دليلًا فاعتبر الإمكان لإدخال مثل ذلك.
والمراد من النظر فيه ما يشمل النظر في نفسه وصفاته وأحواله فيشمل المقدمات التي بحيث إذا رتبت أدت إلى المطلوب الخبري والمفرد الذي إذا نظر في أحواله أوصل إلى المطلوب كالعالم. وقيد الصحيح لإخراج الفاسد فإنه ليس سبباً للتوصل إلى المطلوب وإن أفضى إليه اتفاقاً. والمراد بصحيح النظر أن يكون مشتملًا على شرائط النظر مادة وصورة.
وقيد الخبري في التعريف لإخراج القول الشارح والحد فإنه ليس موصلًا إلى مطلوب خبري كما أن عدم أخذه في الحد موجب لشموله الموصل مطلقاً. هذا تعريف الدليل عند الأصوليين.
وأما عند المنطقيين فالمحكي عن بعضهم أنه يطلق على الحد الوسط إلَّا أن المشهور والمصطلح عليه عندهم هو القول المركب من قضيتين فصاعداً متى سلمت يستلزم منه قولًا آخر وعلى هذا فيكون
مجموع قولنا رد الوديعة حسن عقلًا وكل حسن عقلًا واوجب عند الشرع دليلًا على وجوب رد الوديعة شرعاً.
وتوحيد الضمير في (منه) للإشعار بأن الهيئة التركيبية لها مدخل في الإيصال إلى القول الآخر أي من هذا المجموع الذي عرضت له الهيئة التركيبية وذكروا فصاعداً لتناول القياس المركب بقسميه.
والتعريف المذكور للمنطقيين لا يختص بالقياس البرهاني بل يدخل فيه الجدلي المركب من القضايا المشهورة المسلمة لإلزام الخصم حفظاً للأوضاع أو هدماً لها والخطابي المتألف من القضايا الظنية مقبولة أو غيرها لإقناع من هو قاصر عن إدراك البرهان والشعري المركب من قضايا مخيلة لإفادة القبض والبسط في الإحجام والإقدام والمغالطي الذي يتركب من القضايا المشبهة بالمشهورة وتسمى شغباً أو بأوليات وتسمى سفسطة لشمول التعريف جميع ذلك.
وأعلم أن الظاهر من كلام القوم أن الأصوليين يطلقون الدليل على القضايا وعلى المفردات فعندهم الدخان دليل على النار دليل قطعي وكون الغيم مظلم رطب دليل على المطر ظنياً وإن العالم دليل على إثبات الصانع كما يطلق عندهم على المركب من قضايا كقولهم الطهارة من الماء طاهر مع قولهم الطاهر من الماء يصح الوضوء به مشكوك فإنه دليل على أن مشكوك الطهارة من الماء يصح الوضوء به
وعند المنطقيين يكون الدليل هو خصوص المركب من القضايا كقولنا العالم حادث وكل حادث له صانع. فإن ثبت هذا وجب حمل قولنا النظر فيه في تعريف الدليل عند الأصوليين على النظر أعم من أن يكون في ذاته أو في صفاته وأحواله ليتناول الدليل المفرد والدليل المركب من المقدمات، ولكن التحقيق أن الدليل لابد من أن يتركب من مقدمتين أو أكثر لأن الدليل من حيث أنه يتوصل به إلى ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه قضيتين فصاعداً يكون في إحداها إثبات أمر للمحكوم عليه وفي الأخرى إثبات المحكوم به لذلك الأمر ليلزم من ثبوته له ثبوت للمحكوم عليه فيكون الناتج مطلوباً خبرياً لكن وجوب المقدمتين عند المنطقيين ظاهر على مذهبهم وعند الأصوليين يمكن أن يستفاد أيضاً من أخذهم النظر في تعريف الدليل لأن النظر هو ترتيب أمور معلومه لتحصيل أمر مجهول ولا ريب في أن المجهول الخبري إنما يكون بترتيب الأمور المعلومة لتحصيله إذا كان بنحو ترتيب الصغرى والكبرى.
كيفية حصول النتيجة من الدليل:
إختلفوا في كيفية حصول النتيجة فذهب المعتزلة إلى أنه بطريق التوليد لأن الأفعال الإختيارية عندهم قسمان قسم واقع بالمباشرة وقسم بالتوليد فما يفعل ابتداءاً كنطق الإنسان مثلًا يسمى فعلًا مباشراً، وما يقع بتوسط فعل آخر يسمى توليداً، كحركة المفتاح
بسبب حركة اليد فالنظر لما كان فعل العبد واقعاً بمباشرته كان ما يحصل بعده من العلم بالنتجية بطريق التوليد وسمي العلم بالنتيجة فعل باعتبار أنه أثر حاصل بسبب الفعل وإلَّا فهو ليس بفعل لعدم كون العلم فعلا من الأفعال.
وذهب الحكماء إلى أن حصول العلم بالنتيجة بعد النظر واجب بناءاً على أصلهم من أن المبدأ الفياض موجب بالذات وفيضان الممكنات موقوف على الاستعدادات والتخلف لعدم الاستعداد فمتى حصل الموقوف عليه بتمامه وجب حصول الموقوف.
وأما الأشاعرة فذهبت إلى أن حصول العلم بالنتيجة بعد النظر بطريق العادة بمعنى أن العادة قد جرت بإيجاد العلم بها من غير استلزام بينهما لأن حصول العلم بعد النظر ممكن ولا مؤثر في الوجود إلَّا اللّه تعالى ولما كان العلم بالنتيجة متكرر دائمي بعد وجود النظر صار أمراً عادياً فلا فرق بين الظني والقطعي في عدم الاستلزام عندهم لكن بينهما فرق وهو أن البرهان مما يمتنع عادة تخلف النتيجة عنه وإن جاز عقلًا بخلاف الأمارة فإنها مما يجوز التخلف عنها عادة أيضاً وليس للبحث في ذلك كثير أهمية ومن أراد معرفة الحق فليراجع كتبنا الفلسفية.
الدليل عند الفقهاءأو
مصادر الأحكام الشرعية الفرعية طرق استنباطها منها
إن الأدلة على الأحكام الفقهية أعني التي يستنبط منها الأحكام قد اختلف في كميتها فعند مالك أحد عشر هي الكتاب، والسنة، وفتوى الصحابي، والإجماع وعمل أهل المدينة، والقياس والإستحسان، والإستصحاب، والمصالح المرسلة، والذرائع، والعرف، فإن مالكاً كان يعتمد عليها في استنباطاته للفروع الفقهية، وعند أبي حنيفة سبعة: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والإجماع والقياس والإستحسان والعرف، وعند أحمد بن حنبل ثمانية: الكتاب والسنة والإجماع وفتاوى الصحابة والقياس والإستصحاب والمصالح المرسلة والذرائع، وعند الشافعي خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقول بعض الصحابة إذا لم يعرف أحد خالفه ومع المخالفة فيؤخذ القول الاقرب إلى الكتاب والسنة أو يرجحه قياس وسيجيء إن شاء الله تعالى في مبحث تقسم الدليل إلى عقلي ونقلي أن مخالفينا عندهم أدلة أكثر من ذلك ولعل بعضها يرجع إلى ذلك وأما أصحابنا الإمامية فهي عندهم أربعة: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل. ويندرج في دليل العقل الإستصحاب والبراءة الأصلية وأصالة الإشتغال المسماة بالإحتياط وأصالة التخيير ونحو ذلك إن قام الدليل العقلي على صحتها وأما إن قام الدليل على صحتها من الكتاب والسنة أو الإجماع فهي مندرجة في ذلك الدليل فهي تابعة لدليل اعتبارها وليست بدليل مستقل في مقابل
الأدلة الأربعة وقد اتفق أصحابنا على المنع من العمل بالقياس. ثم السنة عند الإمامية ليس المراد بها قول النبي (ص) أو فعله أو تقريره فقط بل أقوال أئمتنا (ع) وكذا أفعالهم وتقريراتهم التي لا تقية منها.
والتحقيق أن الأدلة عند الفقهاء بأجمعهم عبارة عن الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل وما عداها يرجع إليها فمثل قول الصحابي يرجع للسنة باعتبار أنه حكاية عنها وعمل أهل المدينة إن لم يرجع للإجماع فهو يرجع للسنة لأنه حاكي عن فعل النبي (ص) أو قوله أو تقريره كعمل الصحابي في العرف يرجع للسنة لأنه حاكي عن تقرير النبي (ص) وأما القياس والإستحسان والمصالح المرسلة والذرائع فهي ترجع لحكم العقل القطعي أو الظني كما سنذكره في دليل العقل، وأما الإستصحاب فهو تابع لدليله إن كان من العقل فهو تابع للعقل وإن كان من السنة فهو منها كأصالة التخير والإحتياط والبراءة وهناك أدلة أخرى للأحكام الشرعية ذكرها الأصوليون ترجع إلى الأدلة الأربعة أيضاً وإليك بيان الأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء على سبيل الإجمال:
الأول: الكتاب وهو القرآن المجيد.
الثاني: السنة وهو قول المعصوم أو فعله أو تقريره وهي ثبتت بالمشاهدة لها أو بالحاكي عنها كخبر العدل ونحوه.
الثالث: الإجماع وهو الإتفاق من العلماء على أن حكم المسألة الشرعي هو هذا ولم يكن له نقل عن الكتاب أوالسنة أو دليل آخر.
الرابع:حكم العقل إستقلالًا أو مفهوماً أو استلزاماً بالحكم الشرعي كالحكم بوجوب رد الوديعة استقلالًا والإنتفاء عند الإنتفاء في الجملة الشرطية وكوجوب مقدمة الواجب.
الخامس: القياس وهو حكم العقل بثبوت الحكم الشرعي في واقعة لم يقم دليل على حكمها الشرعي لوجود علة الحكم فيها سيجيء إن شاء الله أن هذا يرجع لدليل العقلي غير المستقل المسمى بالإستلزام.
السادس: الإستحسان وهو الدليل في مقابلة القياس الجلي عن القياس الذي تسبق إليه الأفهام فإن الدليل الذي يعارض هذا القياس ويكون أقوى منه يسمى بالإستحسان سواء كان نصاً من الكتاب أو السنة أو إجماعاً أو قياساً خفياً أقوى من ذلك القياس الجلي أو الدليل المخصص أو المقيد لقاعدة كلية وبهذا نعرف أن الإستحسان يرجع للأدلة الأربعة المتقدمة.
السابع: المصالح المرسلة في السنة المالكية ويسميه الغزالي بالإستصلاح والأصوليون بالمناسب المرسلة الملائم وهو وجود المصالح التي يريدها الشارع من حفظ النفس والعقل والنسل والمال