وعند المنطقيين يكون الدليل هو خصوص المركب من القضايا كقولنا العالم حادث وكل حادث له صانع. فإن ثبت هذا وجب حمل قولنا النظر فيه في تعريف الدليل عند الأصوليين على النظر أعم من أن يكون في ذاته أو في صفاته وأحواله ليتناول الدليل المفرد والدليل المركب من المقدمات، ولكن التحقيق أن الدليل لابد من أن يتركب من مقدمتين أو أكثر لأن الدليل من حيث أنه يتوصل به إلى ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه قضيتين فصاعداً يكون في إحداها إثبات أمر للمحكوم عليه وفي الأخرى إثبات المحكوم به لذلك الأمر ليلزم من ثبوته له ثبوت للمحكوم عليه فيكون الناتج مطلوباً خبرياً لكن وجوب المقدمتين عند المنطقيين ظاهر على مذهبهم وعند الأصوليين يمكن أن يستفاد أيضاً من أخذهم النظر في تعريف الدليل لأن النظر هو ترتيب أمور معلومه لتحصيل أمر مجهول ولا ريب في أن المجهول الخبري إنما يكون بترتيب الأمور المعلومة لتحصيله إذا كان بنحو ترتيب الصغرى والكبرى.
كيفية حصول النتيجة من الدليل:
إختلفوا في كيفية حصول النتيجة فذهب المعتزلة إلى أنه بطريق التوليد لأن الأفعال الإختيارية عندهم قسمان قسم واقع بالمباشرة وقسم بالتوليد فما يفعل ابتداءاً كنطق الإنسان مثلًا يسمى فعلًا مباشراً، وما يقع بتوسط فعل آخر يسمى توليداً، كحركة المفتاح
بسبب حركة اليد فالنظر لما كان فعل العبد واقعاً بمباشرته كان ما يحصل بعده من العلم بالنتجية بطريق التوليد وسمي العلم بالنتيجة فعل باعتبار أنه أثر حاصل بسبب الفعل وإلَّا فهو ليس بفعل لعدم كون العلم فعلا من الأفعال.
وذهب الحكماء إلى أن حصول العلم بالنتيجة بعد النظر واجب بناءاً على أصلهم من أن المبدأ الفياض موجب بالذات وفيضان الممكنات موقوف على الاستعدادات والتخلف لعدم الاستعداد فمتى حصل الموقوف عليه بتمامه وجب حصول الموقوف.
وأما الأشاعرة فذهبت إلى أن حصول العلم بالنتيجة بعد النظر بطريق العادة بمعنى أن العادة قد جرت بإيجاد العلم بها من غير استلزام بينهما لأن حصول العلم بعد النظر ممكن ولا مؤثر في الوجود إلَّا اللّه تعالى ولما كان العلم بالنتيجة متكرر دائمي بعد وجود النظر صار أمراً عادياً فلا فرق بين الظني والقطعي في عدم الاستلزام عندهم لكن بينهما فرق وهو أن البرهان مما يمتنع عادة تخلف النتيجة عنه وإن جاز عقلًا بخلاف الأمارة فإنها مما يجوز التخلف عنها عادة أيضاً وليس للبحث في ذلك كثير أهمية ومن أراد معرفة الحق فليراجع كتبنا الفلسفية.
الدليل عند الفقهاءأو
مصادر الأحكام الشرعية الفرعية طرق استنباطها منها
إن الأدلة على الأحكام الفقهية أعني التي يستنبط منها الأحكام قد اختلف في كميتها فعند مالك أحد عشر هي الكتاب، والسنة، وفتوى الصحابي، والإجماع وعمل أهل المدينة، والقياس والإستحسان، والإستصحاب، والمصالح المرسلة، والذرائع، والعرف، فإن مالكاً كان يعتمد عليها في استنباطاته للفروع الفقهية، وعند أبي حنيفة سبعة: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والإجماع والقياس والإستحسان والعرف، وعند أحمد بن حنبل ثمانية: الكتاب والسنة والإجماع وفتاوى الصحابة والقياس والإستصحاب والمصالح المرسلة والذرائع، وعند الشافعي خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقول بعض الصحابة إذا لم يعرف أحد خالفه ومع المخالفة فيؤخذ القول الاقرب إلى الكتاب والسنة أو يرجحه قياس وسيجيء إن شاء الله تعالى في مبحث تقسم الدليل إلى عقلي ونقلي أن مخالفينا عندهم أدلة أكثر من ذلك ولعل بعضها يرجع إلى ذلك وأما أصحابنا الإمامية فهي عندهم أربعة: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل. ويندرج في دليل العقل الإستصحاب والبراءة الأصلية وأصالة الإشتغال المسماة بالإحتياط وأصالة التخيير ونحو ذلك إن قام الدليل العقلي على صحتها وأما إن قام الدليل على صحتها من الكتاب والسنة أو الإجماع فهي مندرجة في ذلك الدليل فهي تابعة لدليل اعتبارها وليست بدليل مستقل في مقابل
الأدلة الأربعة وقد اتفق أصحابنا على المنع من العمل بالقياس. ثم السنة عند الإمامية ليس المراد بها قول النبي (ص) أو فعله أو تقريره فقط بل أقوال أئمتنا (ع) وكذا أفعالهم وتقريراتهم التي لا تقية منها.
والتحقيق أن الأدلة عند الفقهاء بأجمعهم عبارة عن الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل وما عداها يرجع إليها فمثل قول الصحابي يرجع للسنة باعتبار أنه حكاية عنها وعمل أهل المدينة إن لم يرجع للإجماع فهو يرجع للسنة لأنه حاكي عن فعل النبي (ص) أو قوله أو تقريره كعمل الصحابي في العرف يرجع للسنة لأنه حاكي عن تقرير النبي (ص) وأما القياس والإستحسان والمصالح المرسلة والذرائع فهي ترجع لحكم العقل القطعي أو الظني كما سنذكره في دليل العقل، وأما الإستصحاب فهو تابع لدليله إن كان من العقل فهو تابع للعقل وإن كان من السنة فهو منها كأصالة التخير والإحتياط والبراءة وهناك أدلة أخرى للأحكام الشرعية ذكرها الأصوليون ترجع إلى الأدلة الأربعة أيضاً وإليك بيان الأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء على سبيل الإجمال:
الأول: الكتاب وهو القرآن المجيد.
الثاني: السنة وهو قول المعصوم أو فعله أو تقريره وهي ثبتت بالمشاهدة لها أو بالحاكي عنها كخبر العدل ونحوه.
الثالث: الإجماع وهو الإتفاق من العلماء على أن حكم المسألة الشرعي هو هذا ولم يكن له نقل عن الكتاب أوالسنة أو دليل آخر.
الرابع:حكم العقل إستقلالًا أو مفهوماً أو استلزاماً بالحكم الشرعي كالحكم بوجوب رد الوديعة استقلالًا والإنتفاء عند الإنتفاء في الجملة الشرطية وكوجوب مقدمة الواجب.
الخامس: القياس وهو حكم العقل بثبوت الحكم الشرعي في واقعة لم يقم دليل على حكمها الشرعي لوجود علة الحكم فيها سيجيء إن شاء الله أن هذا يرجع لدليل العقلي غير المستقل المسمى بالإستلزام.
السادس: الإستحسان وهو الدليل في مقابلة القياس الجلي عن القياس الذي تسبق إليه الأفهام فإن الدليل الذي يعارض هذا القياس ويكون أقوى منه يسمى بالإستحسان سواء كان نصاً من الكتاب أو السنة أو إجماعاً أو قياساً خفياً أقوى من ذلك القياس الجلي أو الدليل المخصص أو المقيد لقاعدة كلية وبهذا نعرف أن الإستحسان يرجع للأدلة الأربعة المتقدمة.
السابع: المصالح المرسلة في السنة المالكية ويسميه الغزالي بالإستصلاح والأصوليون بالمناسب المرسلة الملائم وهو وجود المصالح التي يريدها الشارع من حفظ النفس والعقل والنسل والمال
في واقعة لم يقم على حكمها دليل فإنه يستفاد من ذلك حكم الشارع بمقتضى تلك المصلحة وبعضهم قسم المصالح إلى ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة وهي التي شرع الشارع أحكاماً لتحقيقها ودل الدليل على أنه قصدها عند تشريعها وهذه لا إشكال في وجود الحكم عند وجودها، الثانية المصلحة الملغاة و هي المصالح التي ألغاها الشارع كمساواة المرأة للرجل في الإرث وهذه لا خلاف بين العلماء في عدم وجود الحكم بوجودها، الثالثة المصلحة المرسلة وهي التي لم يعلم من الشارع أنه ألغاها أواعتبرها وهي محل الكلام وكيف كان فهذا الدليل يرجع لحكم العقل بالإستلزام.
الثامن: سد الذرائع وفتحها والمراد بهذا الدليل هو ما يتوصل به ويكون ذريعة ووسيلة لشيء معلوم الحكم فإنه يكون تابعاً لما يتوصل به إليه في الحكم فاذا حرم الشارع شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه وتوصل إليه تكون تلك الوسائل والذرائع محرمة عند الشارع ومنسدة عنده تحقيقاً لحرمة ذلك الشيء وتثبيتاً لها إذ إن إباحتها من الشارع نقضاً لتحريمه لذلك الشيء وإغراءاً للنفوس بفعله وهو خلاف عدله تعالى وحكمته وهكذا ذرائع الواجبات تكون واجبة عند الشارع ومفتوح فعلها وهكذا ذرائع المستحبات والمكروهات فإنها تابعة لما هي ذريعة له في الحكم الشرعي ولكن القوم ركزوا البحث عن خصوص ذرائع المحرمات لاكتفائهم عن البحث في ذرائع غيرها بمبحث مقدمة الواجب. وأنت خبير بأن هذا البحث يرجع للدليل العقلي الإستلزامي كما سيأتي ان شاء الله
تعالى في تقسيم الدليل إلى عقلي ونقلي.
التاسع: العرف وهو ما تعارف الناس واعتاد بين الناس فعله أو تركه أو قوله وهو المسمى بالعادة العامة مع عدم ردع الشارع عنه، ومن المعلوم أن هذا الدليل يرجع للسنة لأن منها تقرير المعصوم.
العاشر: التلازم القطعي الثابت من الشرع بين أمرين مثل قوله (ص): (كلما قصرت أفطرت) فإذا ثبت التقصير في مورد ثبت الإفطار فيه وهذا يرجع للسنة لثبوت التلازم بواسطتها وإن أرجعه بعضهم لدليل العقل باعتبار إنضمام حكم العقل إليه من امتناع إنفكاك المتلازمين وكيف كان فهو لا يخرج عن دليلي العقل والسنة.
الحادي عشر: عدم الدليل دليل عدم الحكم فيما يعم به البلوى. وهو يرجع لحكم العقل المستقل بأنه لو كان الحكم موجوداً لوصل إلينا لعموم البلوى.
الثاني عشر: التسامح في أدلة السنن وهو يرجع للسنة لأنه لادليل عليه إلا الأخبار الدالة على أن من بلغه ثواب عمل فأتى به فله ذلك الثواب وأما إذا قلنا بأنه مستفاد من العقل باعتبار حكم العقل بحسن جلب المنفعة المحتملة فهو من الدليل العقلي الإستلزامي بإعتبار أن بلوغ الثواب يستلزم ذلك لحسن كمال اهتمام العبد في استرضاء مولاه عقلًا.
الثالث عشر: الإستقراء فإنه يرجع لحكم العقل الإستلزامي الظني باعتبار أن ثبوت الحكم لأغلب أفراد الكلي يستلزم عقلًا ثبوته لباقي أفراده.
الرابع عشر: ثبوت الحكم في الشرائع الالهية السابقة كالنصرانية واليهودية وهو يرجع للسنة إن كان من باب التقرير وللاستصحاب إن لم يكن من باب التقرير فيكون حكمه حكم الاستصحاب.
الخامس عشر: مذهب الصحابي وهو القول والعمل الذي يصدر من الصحابي من دون أن يعرف له مستند في الواقعة فإنه يدل على حكمها وهذا الدليل يرجع للسنة لأنه إنما يكون حجة باعتبار حكاية مذهب الصحابي لفعل رسول (ص) أو قوله (ص) أو تقريره فهو نظير خبر الواحد.
السادس عشر: تنقيح المناط وهو معرفة تمام علة الحكم للواقعة فإنه لو وجد في غيرها لتثبت الحكم فيه وهو يرجع للقياس وقد عرفت أنه من دليل العقلي الإستلزامي.
السابع عشر: البراءة من التكليف المشكوك وجوده وهذا الدليل يرجع لحكم العقل المستقل إن قلنا به من جهة قبح العقاب بلا بيان وأما إن قلنا أنه من جهة حكم الشارع برفع ما لا يعلمون فهو يرجع للسنة.