بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 192

وجه حصر الأدلة الشرعية بالأربعة:

وقد ذكر بعضهم وجه حصر الأدلة الشرعية بالأربعة بأن الدليل على الحكم الشرعي أما وحي أو لا والأول أما نوع لفظه معجز أو لا والأول الكتاب والثاني السنة وغير الوحي أما كاشف عن تحقيق وحي أو لا والأول الإجماع والثاني دليل العقل. وقال مخالفونا إن الدليل الشرعي أما وحي أو غيره والوحي أما متلو وهو الكتاب أولًا وهو السنة وغير الوحي إن كان قول الكل في عصر فإجماع أو مشاركة فرع للأصل في علة فقياس وإلَّا فاستدلال. وذكر الأشاعره أن الخمسة دالة على الكلام النفسي وإلَّا لم يكن شي‌ء منها حجة فإن الكلام النفسي هو حكم اللّه عندهم واللفظي دليله وإلَّا اتحد الدليل والمدلول في نحو: [أَقيمُوا الصّلوة] مثلًا، وقد يعترض عليهم بأن دلالة كل من الخمسة على الكلام النفسي القائم بذاته تعالى إنما يستقيم على غير مذهب المصوبة؟ ويجاب بأن المراد به ما يعم المعنى القائم بذات النبي (ص) وبذات المجمعين عليه والمجتهد كما يعطيه كلام الحاجبي والعضدي. وقد يعترض عليهم أيضاً بأنه لا يصح جعل مطلق السنة من الوحي غير المتلو فإنهم يزعمون أن النبي (ص) قد تعبد بالاجتهاد في الأحكام.

والقول بأن الاجتهاد وحي أيضاً فإن اللّه تعالى أوحى إليه أن اجتهد مردود لأن ما قاله عن الاجتهاد ليس وحياً وإن كان أصل‌


صفحه 193

الاجتهاد عن وحي- انتهى وليس كثيراً أهمية المبحث في هذا الموضوع.

إن قلت إن الإجماع ليس من الأدلة المستقلة لأن المجمعين لابد وأن يشدوا الدليل من الأدلة المذكورة الكتاب أو السنة أو نحو ذلك وإلَّا لكان إجماعهم غير صحيح؟

قلنا الإجماع هو الاتفاق في الفتوى من المجمعين من دون اطلاع منا على مستند فتواهم وإن كان لابد لهم من مستند إذ لا يفتون جزافاً فوجود الإجماع من المجمعين لابد له من مستند لديهم ولكن مجرد اتفاقهم في الفتوى يكون حجة لغيرهم على الحكم الشرعي من دون اطلاعه على المستند لهم. ومن المعلوم أن هذا الإتفاق نفسه ليس من أحد الأدلة المذكورة فلذا جعل دليلًا في مقابلها.

معنى العمل بالدليل:

إن مرادهم بالعمل بالدليل هو استنتاج المجهول منه واكتشافه به وليس المراد بالعمل فعل الجوارح فمعنى قولهم فلان ممن يعمل بأخبار الآحاد هو استكشافه الحكم الشرعي منها في مقام معرفته واستنتاجه منها في مقام اجتهاده واستنباطه منها في مقام تحصيله وهذا المعنى هو المنفي في قولهم فلان لا يعمل بالدليل كما أنه هو


صفحه 194

المراد من العمل في قولهم حرمة العمل بالدليل وحرمة العمل بالقياس ووجوب العمل بالدليل ووجوب العمل بخبر الواحد.


صفحه 195

تقسيم الدليل إلى لفظي ولبي:

ينقسم الدليل إلى لفظي وهو ما دل على الحكم بالقول والمنطوق كالخبر والكتاب وإلى لبي وهو ما دل على الحكم بلازمه وهو الإجماع والعقل والشهرة على القول بحجيتها وفعل المعصوم وتقريره.

تقسيم الدليل إلى اجتهادي و فقاهتي:

يقسم الدليل عند الفقهاء إلى قسمين:

أحدهما: يسمى بالاجتهادي وهو ما كان اعتباره من جهة نظره للواقع وكشفه عنه علمياً أو ظنياً سواء كان الدال على اعتباره الشرع أو العقل.

وثانيهما: يسمى بالفقاهتي ويسمى بالأصل العملي وهو عبارة عن كل دليل كان اعتباره لا بهذا اللحاظ بل بملاحظة مجرد الشك في الواقع فقط سواء أفاد الظن بالواقع أم لا وسواء ثبت اعتباره بالعقل أم بالنقل. فالاستصحاب دليل اجتهادي لو كان اعتباره من باب إفادته الظن وكشفه عن الواقع سواء كان مدركه بناء العقلاء أم الأخبار، ودليل فقاهتي لو اعتبر لا بهذا اللحاظ بل بلحاظ مجرد الشك في الواقع سواء كان مدركه الأخبار أو بناء العقلاء، وهذان‌


صفحه 196

القيدان للدليل أعني قيد الاجتهادي وقيد الفقاهتي قد ذكر الشيخ الانصاري (ره) أنهما إصطلاحان من الوحيد البهبهاني (ره). ولكن الحق أنه قد سبقه في ذلك الإصطلاح الفاضل الصالح المازندراني (ره) في شرحه على الزبدهّ على ما حكي عنه وإنما اشتهرا في زمان الوحيد البهبهاني (ره) وكيف كان فوجه التسمية لهذين القسمين بذلك هو أن الاجتهاد لما قد عرف (باستفراغ الوسع في الأدلة لتحصيل الظن بالحكم الشرعي) ومن المعلوم حصول الظن المعتبر من الأمارات بعد النظر في سندها ودلالتها وعلاج معارضاتها فتسمى الأمارات والطرق دليلًا اجتهادياً بهذا الاعتبار أعني باعتبار حصول الظن منها بالحكم الواقعي كما أن الفقه لماّ عُرِفّ (بالعلم بالأحكام الشرعية) بناءاً على حمل الأحكام على الظاهرية منها كما صدر عن جماعة عند التقصي عن بعض الإشكالات الواردة على التعريف فيسمى الأصل دليلًا فقاهتياً باعتبار حصول العلم منه بالحكم الظاهري الشرعي.

إن قلت بهذا الاعتبار إذن يصح تسمية الأمارات والطرق بالدليل الفقاهتي لحصول العلم منها أيضا بعد استفراغ الوسع بالحكم الشرعي الظاهري حيث إن لها اعتبارين باعتبار حصول الظن منها بالحكم الواقعي تسمى أدلة اجتهادية وباعتبار حصول العلم منها بالحكم الظاهري الشرعي يصح أن تسمى أدلة فقاهتية؟


صفحه 197

قلت إنهم أهملوا هذا الاعتبار فيها وأجروا التسمية على الاعتبار الأول تمييزاً بينها وبين الأصل فسموها بالاجتهادي والأصل بالفقاهتي.

ومما ذكرناه ظهر الوجه في تسمية العالم تارة بالمجتهد وأخرى بالفقيه فإنه لما كان مرتبة الاجتهاد مقدمة على الفقه ضرورة توقف حصول العلم بالحكم على استفراغ الوسع كما يشهد له ما اشتهر من أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيه وهي هذا ما أدى إليه ظني، وكبرى برهانية وهي كل ما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقي، حيث إن الظن الحاصل من الاجتهاد مأخوذ في صغرى الفقيه المؤلفة لتحصيل العلم بالحكم فيسمى العالم مجتهداً بإعتبار إستفراغ وسعه وفقيها بإعتبار حصول العلم له بالحكم الشرعي الظاهري من الظن بالحكم الواقعي الحاصل له من استفراغ وسعه كان المغايرة بينهما اعتبارية كاعتبارية المغايرة بينهما وبين كل من القاضي والمفتي فتدبر.

تقسيم الدليل إلى أصل مطلق وغير مقيد:

قد تسمى الأدلة الشرعية مطلقاً بالأصول وقسموها إلى قسمين:

أصل مطلق وهو ما استقل بنفسه في إثبات الحكم الشرعي من دون احتياج لغيره وهي الكتاب والسنة والإجماع.


صفحه 198

والقسم الثاني الأصل المقيد وهو ما احتاج إلى غيره في إثبات الحكم ويقال له (أصل من وجه فرع من وجه) كالاستصحاب والقياس ونحوها فإنهما أصلان من جهة استفادة الحكم منهما. وفرعان من جهة احتياجهما في الدلالة على الحكم إلى دليل آخر يدل على الحكم في الحالة السابقة وفي المقيس عليه.

تقسيم الدليل إلى قطعي وغير قطعي:

الدليل المعتبر على قسمين:

(أحدهما): ما يسمى بالقطعي وهو الذي يوجب القطع بالحكم ويسمى بالعقلي أيضا ولعل الضرورة والبداهة من الأدلة القطعية لإفادتها القطع بالحكم وإن كان قد يناقش في كونها دليلًا لعدم اشتمالها على قضايا ومقدمات. والقطع حجة بنفسه لا يحتاج إلى جعل جاعل لانكشاف الواقع به. وقد أشبع القوم البحث في ذلك فمن أراده فليراجع أوائل رسائل الشيخ الأنصاري وما كُتِب من الشروح لها وأوائل الجلد الثاني من الكفاية وما كتب عليه من الشروح.

(ثانيهما): غير القطعي وهو الذي لا يقيد القطع بالحكم وقد ذكر القوم عدة محاذير في إمكان اعتبار الشارع له وجعله حجة له ولكن وقوع اعتبارها من الشارع يدل على الإمكان وحرر ذلك الأصوليون في أوائل مباحث حجية الأمارة وأجابوا عنها مفصلًا فمن أراد زيادة الإيضاح فليرجع إليها.


صفحه 199

تقسيم الدليل إلى المتعارضين وإلى الوارد والمورد وإلى الحاكم والمحكوم والى العام والخاص:

وتوضيح المقال في هذا المجال بحيث يتضح لك الحال ويرتفع نقاب الإشكال إنما يكون ببيان المراد من التعارض والورود والحكومة والتخصيص والفرق بينهما وبيان بعض الموارد التي تتحقق فيها. فأقول مستعينا باللّه تعالى: إن التعارض هو تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد مع عدم كون أحد الدليلين قرينة على صرف الآخر عن ظاهره لا بنفسه ولا بحسب العرف والمراد بالثاني أعني الورود هو كون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الآخر حقيقة، وبهذا يظهر لك أنه لابد في التعارض من اتحاد الموضوع وإلَّا لم يكن تضاد أو تناقض بين مدلولي الدليلين بخلاف الورد فإنه لابد فيه من اختلاف موضوع الدليلين وإلَّا لم يكن رافعاً أحدهما لموضوع الآخر ويسمى الدليل الرافع وارداً والدليل المرفوع موروداً كما في الدليل المفيد للقطع بالواقع مع الدليل الدال على الحكم الظاهري عند الشك في الواقع فإن الدليل المفيد للقطع بالواقع يرفع الشك بالواقع الذي هو موضوع دليل الحكم الظاهري فالأدلة القطعية واردة على أدلة الأصول العملية. وقد يقع الاشتباه في بعض مصاديق الورود من جهة الشك في موضوع أحد الدليلين بحسب الشرع والعرف كما سيظهر لك إن شاء اللّه.

وأما الحكومة فالضابط فيها كون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي‌