بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 196

القيدان للدليل أعني قيد الاجتهادي وقيد الفقاهتي قد ذكر الشيخ الانصاري (ره) أنهما إصطلاحان من الوحيد البهبهاني (ره). ولكن الحق أنه قد سبقه في ذلك الإصطلاح الفاضل الصالح المازندراني (ره) في شرحه على الزبدهّ على ما حكي عنه وإنما اشتهرا في زمان الوحيد البهبهاني (ره) وكيف كان فوجه التسمية لهذين القسمين بذلك هو أن الاجتهاد لما قد عرف (باستفراغ الوسع في الأدلة لتحصيل الظن بالحكم الشرعي) ومن المعلوم حصول الظن المعتبر من الأمارات بعد النظر في سندها ودلالتها وعلاج معارضاتها فتسمى الأمارات والطرق دليلًا اجتهادياً بهذا الاعتبار أعني باعتبار حصول الظن منها بالحكم الواقعي كما أن الفقه لماّ عُرِفّ (بالعلم بالأحكام الشرعية) بناءاً على حمل الأحكام على الظاهرية منها كما صدر عن جماعة عند التقصي عن بعض الإشكالات الواردة على التعريف فيسمى الأصل دليلًا فقاهتياً باعتبار حصول العلم منه بالحكم الظاهري الشرعي.

إن قلت بهذا الاعتبار إذن يصح تسمية الأمارات والطرق بالدليل الفقاهتي لحصول العلم منها أيضا بعد استفراغ الوسع بالحكم الشرعي الظاهري حيث إن لها اعتبارين باعتبار حصول الظن منها بالحكم الواقعي تسمى أدلة اجتهادية وباعتبار حصول العلم منها بالحكم الظاهري الشرعي يصح أن تسمى أدلة فقاهتية؟


صفحه 197

قلت إنهم أهملوا هذا الاعتبار فيها وأجروا التسمية على الاعتبار الأول تمييزاً بينها وبين الأصل فسموها بالاجتهادي والأصل بالفقاهتي.

ومما ذكرناه ظهر الوجه في تسمية العالم تارة بالمجتهد وأخرى بالفقيه فإنه لما كان مرتبة الاجتهاد مقدمة على الفقه ضرورة توقف حصول العلم بالحكم على استفراغ الوسع كما يشهد له ما اشتهر من أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيه وهي هذا ما أدى إليه ظني، وكبرى برهانية وهي كل ما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقي، حيث إن الظن الحاصل من الاجتهاد مأخوذ في صغرى الفقيه المؤلفة لتحصيل العلم بالحكم فيسمى العالم مجتهداً بإعتبار إستفراغ وسعه وفقيها بإعتبار حصول العلم له بالحكم الشرعي الظاهري من الظن بالحكم الواقعي الحاصل له من استفراغ وسعه كان المغايرة بينهما اعتبارية كاعتبارية المغايرة بينهما وبين كل من القاضي والمفتي فتدبر.

تقسيم الدليل إلى أصل مطلق وغير مقيد:

قد تسمى الأدلة الشرعية مطلقاً بالأصول وقسموها إلى قسمين:

أصل مطلق وهو ما استقل بنفسه في إثبات الحكم الشرعي من دون احتياج لغيره وهي الكتاب والسنة والإجماع.


صفحه 198

والقسم الثاني الأصل المقيد وهو ما احتاج إلى غيره في إثبات الحكم ويقال له (أصل من وجه فرع من وجه) كالاستصحاب والقياس ونحوها فإنهما أصلان من جهة استفادة الحكم منهما. وفرعان من جهة احتياجهما في الدلالة على الحكم إلى دليل آخر يدل على الحكم في الحالة السابقة وفي المقيس عليه.

تقسيم الدليل إلى قطعي وغير قطعي:

الدليل المعتبر على قسمين:

(أحدهما): ما يسمى بالقطعي وهو الذي يوجب القطع بالحكم ويسمى بالعقلي أيضا ولعل الضرورة والبداهة من الأدلة القطعية لإفادتها القطع بالحكم وإن كان قد يناقش في كونها دليلًا لعدم اشتمالها على قضايا ومقدمات. والقطع حجة بنفسه لا يحتاج إلى جعل جاعل لانكشاف الواقع به. وقد أشبع القوم البحث في ذلك فمن أراده فليراجع أوائل رسائل الشيخ الأنصاري وما كُتِب من الشروح لها وأوائل الجلد الثاني من الكفاية وما كتب عليه من الشروح.

(ثانيهما): غير القطعي وهو الذي لا يقيد القطع بالحكم وقد ذكر القوم عدة محاذير في إمكان اعتبار الشارع له وجعله حجة له ولكن وقوع اعتبارها من الشارع يدل على الإمكان وحرر ذلك الأصوليون في أوائل مباحث حجية الأمارة وأجابوا عنها مفصلًا فمن أراد زيادة الإيضاح فليرجع إليها.


صفحه 199

تقسيم الدليل إلى المتعارضين وإلى الوارد والمورد وإلى الحاكم والمحكوم والى العام والخاص:

وتوضيح المقال في هذا المجال بحيث يتضح لك الحال ويرتفع نقاب الإشكال إنما يكون ببيان المراد من التعارض والورود والحكومة والتخصيص والفرق بينهما وبيان بعض الموارد التي تتحقق فيها. فأقول مستعينا باللّه تعالى: إن التعارض هو تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد مع عدم كون أحد الدليلين قرينة على صرف الآخر عن ظاهره لا بنفسه ولا بحسب العرف والمراد بالثاني أعني الورود هو كون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الآخر حقيقة، وبهذا يظهر لك أنه لابد في التعارض من اتحاد الموضوع وإلَّا لم يكن تضاد أو تناقض بين مدلولي الدليلين بخلاف الورد فإنه لابد فيه من اختلاف موضوع الدليلين وإلَّا لم يكن رافعاً أحدهما لموضوع الآخر ويسمى الدليل الرافع وارداً والدليل المرفوع موروداً كما في الدليل المفيد للقطع بالواقع مع الدليل الدال على الحكم الظاهري عند الشك في الواقع فإن الدليل المفيد للقطع بالواقع يرفع الشك بالواقع الذي هو موضوع دليل الحكم الظاهري فالأدلة القطعية واردة على أدلة الأصول العملية. وقد يقع الاشتباه في بعض مصاديق الورود من جهة الشك في موضوع أحد الدليلين بحسب الشرع والعرف كما سيظهر لك إن شاء اللّه.

وأما الحكومة فالضابط فيها كون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي‌


صفحه 200

متعرضاً لحال الدليل الآخر ومفسراً له وشارحاً له لا بنحو الصراحة بل يكون من قبيل القرينة لصرف الآخر عن ظهوره ويسمى الدليل المفسر والشارح حاكماً والدليل المفسر والمشروح محكوماً نظير الأدلة الدالة على أنه لا حكم للشك في النافلة أو مع كثرة الشك أو بعد الفراغ فإنها حاكمة على الأدلة الدالة على ثبوت الأحكام للشكوك.

قال بعضهم ويعتبر في الحكومة وجود المحكوم في زمان سابق على الحاكم إذ إنه لو لم يكن المحكوم موجوداً كان الحاكم لغواً، هذا ولكن الإنصاف عدم ابتناء الحكومة على وجود المحكوم وتحققه في الخارج في السابق بل يكتفي فيها بورود الحاكم في مورد يتوهم ورود دليل محكوم فإن الحكومة مبنية على وجود المحكوم حقيقة أو توهما بحيث يعلم أن الغرض من ورود الحاكم رفع الحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه أو دفع التوهم الناشى‌ء عن احتمال ورود دليل دال على خلاف ما دل عليه الحاكم فلو فرض ورود أدلة نفي الحرج مثلًا قبل ورود الإطلاقات والعمومات المثبتة للتكليف مثلًا كان ذلك أيضاً حاكماً بمعنى أنه يدفع توهم شمول الإطلاقات والعمومات على فرض ورودها لمورد الحرج ولعله لذلك ضرب في بعض نسخ رسائل الشيخ (ره) على قوله: (لو فرض ورود ذلك الدليل كان هذا الدليل لغواً) وهو في محله فإن إبقاءه يوجب الإختلال في الضابط اللّهم إلَّا أن يوجه إبقاءه بأنه ذكر ذلك الميزان لما بأيدينا من الأدلة ولكنك خبير بأن المعتبر في ذكر الميزان والضابط هو بيان الواقع كليه على ما هو عليه لا التخصيص بما يفرض كونه محلا


صفحه 201

للكلام مع أن لزوم اللغوية في بعض الموارد على تقدير عدم المحكوم محل منع واضح فإن من الأدلة الحاكمة الأدلة الاجتهادية الظنية بالنسبة إلى الاستصحاب بناءاً على كونه من المجعولات الشرعية فإنه لو فرض عدم وجود الاستصحاب لم تكن الأدلة الإجتهادية الجارية في مورده لغواً قطعاً. وقد مثل للحكومة بأدلة حجية الأمارات فإنها حاكمة على أدلة الأصول العملية لأن معنى حجية الأمارة هو جعلها بمنزلة الواقع وترتيب آثار الواقع على مؤداها وعدم الاعتناء بالشك في موردها فتكون ناظرة للأصول ورافعة لحكمها فتكون الأمارة بملاحظة دليل اعتبارها حاكمة على أدلة الأصول العملية وكيف كان فبذلك البيان سقط ما ربما يتوهم من المناقشة في الضابط بأنا نفرض ورود الحاكم مقدماً على المحكوم فإنه ينتفي النظر والشرح من الحاكم للمحكوم لأنه إذا لم يكن هناك مفسر ومحكوم لا يكون الشي‌ء حاكماً ومفسراً.

ووجه السقوط ما عرفته من عدم تفاوت الأمر بين ورود الحاكم مقدماً على المحكوم أو مأخراً عنه فإن كونه مسوقاً لبيان حاله إنما يوجب كونه متأخراً عنه بحسب الشرح ومن جهة كونه شارحاً ومفسراً إياه وهذا لا ينافي أن يتقدم عليه بحسب الوجود كما في الخاص بالنسبة إلى العام فإن الخاص قد يكون صادراً قبل العام ولكن تخصيصه للعام يكون بعد مجي‌ء العام.


صفحه 202

وربما يتوهم أن تعريف الحكومة يكون أحد الدليلين رافعاً لحكم الدليل الآخر يشمل التعارض ولكن هذا التوهم لا وجه له لأنه في الحكومة الرفع من جهة التفسير والبيان لم يكن الرفع من جهة التناقض والتضاد وأما التخصيص فهو أن يكون أحد الدليلين رافعاً لحكم الآخر عن بعض أفراده من دون أن يكون لسانه لسان شرح وتفسير وإنما هو قرينة عرفية على عدم إرادة حكم العام في مورده ولذا يشترط إقوائيته في الظهور من العام وإلَّا فلا يخصصه. وينبغي التنبيه على أمور:

أحدها: إن الحكومة على هذا التفسير ينحصر موردها في الأدلة اللفظية إذ التفسير والبيان لا بد له من النطق واللسان ولا لسان لغيرها من الأصول العقلية وبذلك تفترق الحكومة عن الورود لعدم اختصاص الثاني بالأدلة اللفظية بل يجري في الأصول العقلية أيضاً بعضها مع بعض كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى ومن هنا يمكن أن يقال أنه لا حكومة بين الأصول العملية إذ ليس لها لسان وإنما هي أحكام ظاهرية نعم بين أدلتها والأدلة الأخرى كأدلة الأمارات قد توجد الحكومة. ومن هنا يظهر لك ضعف ما ذهب إليه بعضهم من حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي والظاهر أنه يوجد الورود بينهما لأن الاستصحاب السببي يرفع الشك في الاستصحاب المسببي.


صفحه 203

الثاني‌: إن النسبة بين الورود والحكومة بحسب المورد عموم مطلقاً حيث إنك قد عرفت أن الحكومة تختص بالدليل اللفظي بخلاف الورود فإن مورده أعم منه ومن الدليل اللبي والأصل العقلي. وأما النسبة بين الورود والحكومة بحسب الصدق فالظاهر أنه التباين حيث إن في الورود لا نسبة بين الوارد والمورود لعدم إمكان اجتماعهما حتى تلاحظ النسبة بينهما بخلاف الحاكم مع المحكوم فإنه يمكن الاجتماع بينهما شأن كل مفسِر ومفسَر فلا تعارض بينهما فيمكن ملاحظة النسبة بينهما فقد يكون الحاكم مخصصاً للمحكوم مثل أدلة الحرج بالنسبة لأدلة التكاليف وقد يكون معمماً له كما لو كان الدليل الحاكم مشتملًا على بيان العلة للحكم كما لو قال لا تأكل الرمان ثم قال إن الحموضة هي المانعة من أكل الرمان وبهذا الإعتبار قد جعل بعضهم الأصول الجارية لإثبات موضوعات الأحكام الشرعية حاكمة على أدلتها كأدلة استصحاب الطهارة فإنها حاكمة عنده على الأدلة الدالة على اعتبار الطهارة في الصلاة وغيرها. وهكذا أدلة استصحاب النجاسة حاكمة عنده على الأدلة المثبتة لأحكام النجاسة وهكذا أدلة حجية البينة على العدالة تكون حاكمة على الأدلة الدالة على أحكام العدالة إلى غير ذلك وهو الذي يظهر من كلمات المرحوم الشيخ الأنصاري في طهارته وإن كان ما ذكره (ره) في باب التعارض في مناط الحكومة يقتضي أن الحكومة إنما تكون على وجه التخصيص لا على وجه التعميم بل يمكن أن يقال إن أدلة الأمارات حاكمة على أدلة الأصول في‌