على الشيء مع فعل بعض المحرمات فإذا أكرهه على شرب الخمر فقد أكرهه على شربه وعلى تركه الحيلة بإراقته في شق ثوبه وعليه فلا يجب أن يتخلص من شربه بإراقته في ثوبه ولكن التحقيق أن هذا الوجه غير صحيح فيما لو علم المكرَه أن المكرِه لا يطلع على التورية أو الحيلة فإنه إذ ذاك لا يكون مكرهاً على ترك التخلص بالتورية أو بالحيلة لعدم خوفه من التخلص بهما وحينئذ إذا لم يتخلص بهما كان العمل واقفاً بتمام إختياره ويترتب عليه آثاره وليس المقام من قبيل الإكراه على أحد الشيئين فإن المكرِه لم يكرهه على إرتكاب شرب الخمر أو التخلص منه وإنما أكرهه على الشرب وعلى ترك التخلص منه بالحيلة ولذا في مقام الإكراه على أحد الشيئين لو فعل أي منهما بإطلاع المكرِه أمن الضرر بخلاف ما نحن فيه فإنه لو تخلص بالتورية أو بالحيلة واطلع المكرِه لم يأمن الضرر، وأما في صورة العلم بعدم إطلاع المكرِه فقد عرفت أنه مع التمكن من التخلص لا إكراه على العمل لعدم خوفه من تركه بالتخلص المذكور ونحن إنما نقول بأن التخلص يرفع الإكراه فيما إذا أمكن من دون الضرر.
رابعها: إن الإكراه على العمل المركب يكون إكراهاً على جميع أجزاءه وشرائطه فالمعاملات والإيقاعات أحد أجزاءها أو شرائطها المهمة هو اللفظ الذي تُنشأ به فإذا أُكره عليها يكون هذا اللفظ الذي تُنشأ به مكرَهاً عليه سواء قصد به التورية أم لم يقصد. وإن شئت قلت إن الإكراه على المعاملات والإيقاعات إنما هو في الحقيقة إكراه على إيجاد السبب أعني لفظ العقد أو الإيقاع وأما
الأمور المعنوية من قصد الإنشاء فهي لا يعقل الإكراه عليها لعدم الإطلاع عليها إلا من العالم بالسرائر وهكذا الحال في الحلف فإن الإكراه عليه إنما يكون إكراهاً على ألفاظه. ولاريب في أن تلك الألفاظ هي الجزء المقوم للمعاملات والأيمان، وبالإكراه على تلك الألفاظ المستعملة فيها تخرج تلك الألفاظ في نظر الشارع عن صلاحيتها وقابليتها لترتب الأثر عليها سواءً قصد التورية بها أم لم يقصد وعليه فإمكان التخلص بالتورية لا يرتفع به الإكراه على ألفاظ المعاملة سواء قصد به التورية أم لا وعند ذا لا حاجة للتورية، وبهذا الوجه يظهر لك أن إمكان التخلص إذا كان بالتورية فهو غير لازم لأن الفساد لازم للعقد سواء تخلص بها أم لم يتخلص وأما إذا كان بغيره من الحيل كأراقته الخمر في الجيب خفية عن المكرِه يكون واجباً ولا يسوغ معه شرب الخمر لأن الحرمة غير لازمة مع التخلص بإلقاءه في الجيب. وقد يورد على هذا بأنه يشكل ما ذكروه من أنه لو أكره على إيقاع البيع صحيحاً أو فاسداً فاختار الصحيح لعدم حصول الإكراه بالنسبة إليه مع أنه لا شبهه في كون لفظ (بعت) الذي أنشأه لإيقاع الصحيح كان مكرهاً عليه لكونه الجامع بينهما وارتفاع أثره موجب لتحقق البيع في الخارج ولو في ضمن الصحيح مع أنهم لا يلتزمون به.
وبالجملة الظاهر عدم كون ذلك مناطاً في رفع الأثر بل المناط هو صدق كون الفعل مكرهاً عليه ولا يصدق ذلك بعد اختيارية واحد من مقدماته فإن الفعل إذا كانت أحد مقدماته إختيارية كان
إختيارياً ولذا الملقي بنفسه من الشاهق يكون موته مختاراً فيه لأن أحد مقدماته كانت باختياره والسر في ذلك واضح لأنه إذا كانت إحدى المقدمات إختيارية كان بقدرته تركها فلا يتحقق العمل.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه ما ذكرناه لا يقتضي عدم الفرق بين ما نحن فيه وبين صورة الإكراه على البيع الصحيح أو الفاسد لأنه فيما نحن فيه صار الإكراه على العقد نفسه فإن المكرِه يريد التلفظ به سواء قصد المعنى أم لم يقصد إذ لا قدرة له على أن يجعله قاصداً لمعنى المعاملة بخلاف الصورة المذكورة فإن العقد في ضمن الصحيح غير مكرَه عليه ويستطيع عدم إتيانه فالمقام يشبه ما إذا أكرِه على العقد نفسه مطلقاً فإنه لا ريب عندهم في عدم صحة البيع حتى لو قصد به الصحيح وأما كون الفعل لا يخرج عن الإختيار به لو كانت إحدى مقدماته إختيارية فهو إنما يتم في المقدمات الخارجية دون الداخلية أعني الأجزاء فإن العمل إذا كانت أحد أجزاءه غير إختياري كان كله غير إختياري. ولا ريب في أن الإنشاء للمعاملة جزء منها كما في اليمين. ولكن لا يخفى عليك ما فيه؛ أولًا بالنقض فإنه لو أكره على مطلق الشرب فهل يصح له أن يشرب الخمر؟ وثانياً بالحل فإنه إذا أكره على القدر الجامع كان إختياره للفرد المحرم منها أو ذي الأثر يرجع أمره إليه ويستطيع تركه من دون ضرر عليه فلم يكن مكره عليه لإستطاعته التخلص منه من دون أي ضرر بإتيان الفرد الآخر الذي هو ليس بمحرم ولا ذي أثر، نعم لو كانت الأفراد المكره عليها كلها محرمة أو ذات أثر فأي منها اختاره جاز له
ولا يترتب عليه الأثر لأن كل واحد منها لو تخلص منه فلا بد له من الإتيان بالآخر الذي فيه الحرمة أو فيه الأثر فهو لا يمكنه دفع المكرِه إلا بارتكاب ما هو المحرم أو ما به الأثر. والعمل متى ما صار أحد شرائطه أو أجزاءه بالإختيار كان مختاراً لأنه حين ذاك كان بيده إن شاء إتيانه بإختياره للجزء أو الشرط الذي هو تحت إختياره وإن شاء تركه بترك ذلك الجزء أو الشرط الذي هو تحت إختياره وبتعبير أخصر إن إختياره للفرد الذي هو ذو الأثر يقتضي طيب نفسه به فيقع صحيحاً ولذا لو أكره على مطلق الشرب سواء كان لماء الرمان أو الخمر فإختار شرب الخمر أُثِم وعوقب.
خامسها: إن المعتبر في المعاملات إنما هو طيب النفس. والإكراه إنما أوجب فساد المعاملة لأنه يرفع طيب النفس بها. والتمكن من التورية لا يوجب طيب النفس بها لو أوقعها مكرهاً عليها من دون التورية.
نعم المحرمات وترك الواجبات لما كان المعتبر في تجويزها هو الإكراه عليها كان التمكن من التخلص منها موجباً لعدم تجويزها. وحيث إن التورية إنما هي يتخلص بها في الإمور المعتبر فيها اللفظ وهي المعاملات لذا قلنا بعدم اعتبار التخلص بها. والحاصل إن التخلص بالتورية إنما يتأتى في المعاملات لا في غيرها وهو لا ينفع في صحة المعاملة المكره عليها لأن شرط صحتها هو طيب النفس بها والفرض أنه لم تطب نفسه بالمعاملة حتى مع عدم التورية وتمكنه
منها. وهذا الوجه هو الذي يظهر من كلام الشيخ الأنصاري (ره) إختياره وقد حكي أنه سبقه إليه التستري صاحب المقابيس (ره).
وفيه ما لا يخفى فإنه لا يجيء في مثل الطلاق والعتق ونحوهما مما قامت الأدلة على إعتبار عدم الإكراه فيهما لا اعتبار طيب النفس بهما. وهكذا لا يجيء في بعض المحرمات المتقومة بالألفاظ كالبرائة من الله أو المعصومين (ع) هذا مضافاً إلى أن طيب النفس المعتبر في المعاملات ليس هو المحبوبية لها فإنه كثيراً من المعاملات ليست بمحبوبه لفاعلها مع أنها صحيحة كبيع الإنسان كتبه وداره لشدة إحتياجه وإنما المراد بالطيب هو مجرد الرضا وكون الفاعل مختاراً في فعله بنفسه غير مقهور في إرادته وإختياره للمعاملة على أن من الأدلة ما دلت على إعتبار عدم الإكراه في المعاملة كحديث الرفع الذي عدّ فيه (مااستكرهوا عليه).
سادسها: إن الألفاظ بعد وضعها تكون دلالتها ذاتية فإن (قام زيد) يدل دلالة تصورية على قيام زيد حتى لو صدر من المجنون ولذا يقال إن المجنون أخبر بقيام زيد حتى أن بعضهم كان يتنبأ بأخبار بعض المجانين وهكذا النائم وهكذا الساهي فإن دلالة الألفاظ على معانيها دلالة تصورية لا تصديقية فإنها لا تخرج عن كونها توجب إخطار المعنى وإحضاره في الذهن سواء قصد معنى المتكلم أم لم يقصده غاية الأمر أن الأثر لا يترتب عليه عقلًا ككلام المجنون فإن
العقل حاكم بعدم ترتيب الأثر عليه وهكذا الهازل والساهي أو من جهة الشرع ككلام الصبي. وعليه فالمعاملة قوامها ألفاظها الدالة عليها ولا أثر للقصد النفسي الباطني في تأثيرها فإن قصد الإنسان الإختياري لنفس ألفاظها هو قصد لمداليلها من قبيل قصد السبب فإنه يكون قصداً للمسبب فإن من قصد وضع النار على يد غيره وصدر ذلك منه كان قاصداً لإحراقه ويكون عدم القصد للمسبب في نفس الفاعل لا أثر له. وقد ذهب الكثير من العلماء إلى أن الإنشاءات تكون من قبيل العلل لمنشئاتها نظير الأصوات الزواجر (كأخ) لزجر الحمار (وهش) لإيقافه وعلى هذا فلا أثر للتورية لأن الدلالة على هذا غير تابعة للقصد النفساني، والأثر للمعاملة غير مرتب عليه وإنما هو مرتب على قصد اللفظ الدال عليها، نعم القصد النفساني من شرائط ترتب الأثر على الإنشائيات في المعاملات وغيرها فالتورية لا أثر لها وإنما الأثر للقصد النفساني ومما يرشد إلى ما ذكرناه أن التفصي بالتورية لو كان له أثر فكان اللازم أن يجعل التفصي بعدم إرادة المعنى ولا حاجة أن يورّي فإن اللفظ على هذا لا يدل على المعنى ولعل هذا هو السبب في عدم ذكر المتقدمين للتورية في مقام التخلص أو إرادة غير المعنى.
ويؤيد ذلك ما ذهب إليه السيد (ره) في حاشيته من أن التورية لا تخرج الكلام عن الكذب لأن مداره على إظهار خلاف
الواقع سواء كان قاصداً أم لا فإلقاء الكلام الظاهر في خلاف الواقع كذب كيف وإلا لزم لغويه تحريم الكذب لإمكان التورية في جميع المقامات فيحصل مقصوده من الكذب ولا يكون حراماً من أن التبري من رسول الله (ص) والسب له (ص) يكن حراماً وإن لم يكن ذلك في قلبه وقد ورّى في ذلك إذ المناط فيه هو اللفظ الدال على التبري والسب وإن لم يكن قاصداً بل ولو كان قصده المدح فإن المدار فيه على الهتك وهو حاصل بمجرد الكلام سواء كان قاصداً أم لا. والظاهر هو أن الكذب يكون حاصلًا مع التورية لعدم مطابقة النسبة الكلامية للواقع. والسب حاصل حقيقة لأن الكلام يدل عليه والقصد للكلام يكون قصداً له ولا ينفع ما في القلب.
سابعها: إن التورية إنما لا تلزم مع الإكراه على العقد مع أنه بها التخلص عما أكره عليه من العقد الصحيح لأنه بعدم رضاءه بالعقد يقع العقد فاسداً فهو متخلص بعدم رضاءه وهكذا يقال في السب والبرائة فإنه بعدم رضائه يقع السب والبرائة غير صحيحين فلا حاجة إلى التخلص بالتورية أو غيرها في العقود والإيقاعات والبراءة فإنه بمجرد عدم رضاءه بمضمونها يحصل له التخلص لوقوع كل ذلك مع عدم الرضا بمضمونه فاسداً ولكن يمكن أن يقال عليه أنه عدم الرضا بالمضمون يتنافى مع صدور المعاملة بلا تورية لأنه لو لم يرضَ بها لورّى بها فعدم توريته وعدم تخلصه يستلزم رضاءه بها فإن عدم الرضا بالشيء يقتضي عدم صدوره منه بإختياره فصدوره منه بإختياره يقتضي رضاه وإلا لتخلص منه بالتورية أو غيرها.
المقام الثاني في الفرق بين الإختيار و الإكراه والإضطرار
إن الفعل إذا صدر من الشخص مستنداً إلى إرادته المستقلة بحيث كان الداعي لصدوره منه محض رغبته وشوقه المستتبع لحركات عضلاته يسمى العمل إختيارياً لأنه قد كان بمجرد إختياره وإرادته سواء كان المصدر لتلك الإرادة هو مجرد الشهوة والرغبة النفسانية أو كان المصدر لتلك الإرادة مقتضيات الأحوال والظروف كمن يشرب الدواء لأنه مريض دون ما إذا كان المصدر لتلك الإرادة توعيد غيره على الضرر الشاق إذا لم يفعل فإنه يسمى بالإكراه، فالإكراه تكون معه الإرادة للعمل لكن كان مصدر الإرادة ووجودها هو توعيد غيره على الضرر بالترك وليس مصدر الإرادة هو مجرد رغبة نفس الفاعل الناشئة من ملاحظتها للمنفعة والمصلحة أو من الشهوة أو نحوها من العوامل النفسية الموجبة لحرية الإرادة. فالفرق بين الفعل الإختياري والفعل المكرَه عليه أن في الأول كانت الإرادة حرة مستقلة غير مسببة عن إرادة غيره بتوعيده بالضرر وتخويفه وترهيبه. وفي الثاني كانت الإرادة غير حرة ومنبعثة عن إرادة غيره وأما الإضطرار والإلجاء فهو عبارة عن سلب الإرادة والإختيار ويكون وجود الفعل ليس بيده ولا تحت تصرفه أصلًا بل يكون الفاعل بمنزلة الآلة الصماء بيد عاملها والبهيمة الخرساء في قبضة سائقها لا يملك