الثاني: إن النسبة بين الورود والحكومة بحسب المورد عموم مطلقاً حيث إنك قد عرفت أن الحكومة تختص بالدليل اللفظي بخلاف الورود فإن مورده أعم منه ومن الدليل اللبي والأصل العقلي. وأما النسبة بين الورود والحكومة بحسب الصدق فالظاهر أنه التباين حيث إن في الورود لا نسبة بين الوارد والمورود لعدم إمكان اجتماعهما حتى تلاحظ النسبة بينهما بخلاف الحاكم مع المحكوم فإنه يمكن الاجتماع بينهما شأن كل مفسِر ومفسَر فلا تعارض بينهما فيمكن ملاحظة النسبة بينهما فقد يكون الحاكم مخصصاً للمحكوم مثل أدلة الحرج بالنسبة لأدلة التكاليف وقد يكون معمماً له كما لو كان الدليل الحاكم مشتملًا على بيان العلة للحكم كما لو قال لا تأكل الرمان ثم قال إن الحموضة هي المانعة من أكل الرمان وبهذا الإعتبار قد جعل بعضهم الأصول الجارية لإثبات موضوعات الأحكام الشرعية حاكمة على أدلتها كأدلة استصحاب الطهارة فإنها حاكمة عنده على الأدلة الدالة على اعتبار الطهارة في الصلاة وغيرها. وهكذا أدلة استصحاب النجاسة حاكمة عنده على الأدلة المثبتة لأحكام النجاسة وهكذا أدلة حجية البينة على العدالة تكون حاكمة على الأدلة الدالة على أحكام العدالة إلى غير ذلك وهو الذي يظهر من كلمات المرحوم الشيخ الأنصاري في طهارته وإن كان ما ذكره (ره) في باب التعارض في مناط الحكومة يقتضي أن الحكومة إنما تكون على وجه التخصيص لا على وجه التعميم بل يمكن أن يقال إن أدلة الأمارات حاكمة على أدلة الأصول في
الأحكام الشرعية فكيف تكون أدلة الأصول حاكمة عليها في الموضوعات مع أنها ليست لسانها لسان تفسير إلَّا إن يقال أن ذلك يختلف بالاعتبار.
وأما النسبة بين الورود والتخصيص فتباين عند بعضهم نظراً إلى أن التخصيص عبارة عن عدم شمول الدليل ابتداءاً بخلاف الورود حيث أنه عبارة عن عدم الشمول ثانياً وبالعرض من جهة وجود الرافع له وعند بعضهم تكون النسبة بين الورود والتخصيص عموم مطلقاً والعموم في جانب التخصيص نظراً إلى أن المعتبر في التخصيص عدم الشمول مطلقاً سواء كان ذلك ابتداءاً أو ثانياً وبالعرض فيكون أعم من الورود ولعله الأظهر في غير الأحكام الشرعية من الأمور العرفية لجواز البداء في حق أهل العرف كما أن الأظهر في الأحكام الشرعية هو الأول لعدم جواز البداء الحقيقي في حق الشارع الخبير بالعواقب العليم بما كان وما يكون.
وأما الفرق بين التخصيص والحكومة مع أن كل منهما تخصيصاً ورفعاً للحكم لا للموضوع فقد ذهب الشيخ الأنصاري (ره) إلى أن المخصص بيان للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص بخلاف الحاكم فإنه بيان بمنطوقه اللفظي للمراد ومفسر للمراد من العام فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير وفيه نظر إذ مقتضى ذلك خروج التخصيص عن أقسام التعارض ولحوقه بالحكومة لاشتراكه مع الحاكم في كونهما بياناً،
غاية الأمر أنه بيان عقلي والحاكم بيان لفظي وهو خلاف المعلوم من طريقة الأصحاب لإتفاقهم على أن التخصيص من أقسام المعارضة بل ومناف لما اعترف به (ره) هنا وفي غيره من الموارد من وقوع التعارض بين الخاص والعام فإنه قال بعد ذلك (ثم الخاص إن كان قطعياً تعين طرح عموم العام وإن كان ظنياً فدار الأمر بين طرحه وطرح العموم ويصلح كل منهما لرفع اليد عن مضمونه على تقدير مطابقته للواقع عن الآخر فلابد من الترجيح بخلاف الحاكم فإنه يكتفي به في صرف المحكوم عن ظاهره ولا يكتفي بالمحكوم في صرف الحاكم عن ظاهره بل يحتاج إلى قرينة أخرى كما يتضح ذلك بملاحظة الأمثلة المذكورة. فالثمرة بين التخصيص والحكومة تظهر في الظاهرين حيث لا يقدم المحكوم ولو كان الحاكم أضعف منه لأن صرفه عن ظاهره لا يحسن بلا قرينة أخرى وهي مدفوعة بالأصل وأما الحكم بالتخصيص فيتوقف على ترجيح ظهور الخاص وإلَّا أمكن رفع اليد عن ظهوره وإخراجه عن الخصوص بقرنية صاحبه)- إنتهى.
وهذا كلامه كما ترى ينادي بكون التخصيص من أقسام التعارض وبالجملة فكلامه في هذا الباب مضطرب فتارة يلحق التخصيص بالحكومة كما عرفته في كلامه الأول وأخرى يلحقه بالتعارض كما سمعته من كلامه الثاني وثالثاً يفصّل فيلحقه بالورود إن كان علمياً وبالحكومة إن كان ظنياً معتبراً كما صرح به في كتابه
الرسائل بعدما نقلته عنه بفاصلة أسطر. والاعتذار عنه بأن ذلك يختلف باختلاف الحيثية فإن الخاص من حيث تأثيره في العام نفسه بقصره على بعض ما يتناوله يسمى مخصصاً وتأثيره تخصيصاً ومن حيث تأثيره في أصالة الحقيقة التي هي دليل العام بمعنى أن الحكم ببقاء العام على عمومه موقوف عليه يسمى وارداً أو حاكماً وتأثيره وروداً وحكومة ضعيف، إذ العام بنفسه لا يفيد بالدلالة ولا يستقل بالإفادة إلَّا بضميمة الأصل المزبور إليه فلا يمكن التفكيك بينهما في الحكم لعدم افتراق العام عن الأصل اللفظي المنضم إليه كما لا يخفى.
وأضعف منه الاعتذار بأن للتخصيص اعتبارين فبملاحظة ظواهر الألفاظ يدخل في المعارضة إذ لاريب في ثبوت التنافي بين العام والخاص من هذه الجهة ومن جهة ملاحظة المراد النفس الأمري يدخل في الورود والحكومة فلا تنافي بين كلاميه وذلك لأن قضية ذلك جواز إطلاق الوارد والحاكم على سائر الدلالات ضرورة عدم التنافي بينها في المراد الواقعي للعلم بعدم التناقض في مراد الشارع إلَّا من حيث دلالة ظواهر الألفاظ بل لابد أما من الحكم بالإجمال أو إرجاعي أحد الظاهرين إلى الآخر فمن أين يقع التنافي والتعارض بين الأدلة مع أن المعهود من أحوالهم واصطلاحاتهم وقوع التعارض بين الدلالات، ألَّا تراهم يطلقون
التعارض في أقسام التعارض ولم يعترض عليهم أحد من حيث الإطلاق بكونه مجازاً ونحوه.
وأضعف منها التوجيه بأن مراده من كلامه الأول أي ما ذكره للفرق بين التخصيص والحكومة ليس إلحاق المخصص بالمعارض حتى يحصل التعارض بينه وبين كلامه الأخير بل مراده هناك مجرد نفي الحكومة عن المخصص وإن كان ملحقاً بالورود.
وجه الضعف أن كلامه السابق ظاهر في إثبات الحكومة للمخصص كما عرفت لا أنه نافي لحكومته بل كلامه الثاني الذي نقلناه عنه نافي لحكومته ودال بلحوقه بأقسام التعارض مع أن لحوق المخصص بأقسام المعارضة معلوم بالإتفاق وبما قدمناه من الأدلة القوية الدالة على دخوله في محل النزاع.
وأضعف من ذلك كله التوجيه بأن مراده التفصيل بين أفراد المخصص بأن ما كان قطعياً من حيث السند والدلالة يكون ملحقاً بالتعارض وما كان ظنياً كخبر الواحد مثلًا يكون ملحقاً بالورود أو الحكومة إذ هو مناف لما صرح به القائل بعد ذلك من الحكم بالورود في التخصيص القطعي فإن أظهر الأفراد فيه هو ما ثبت قطعيته من جميع الجهات مع أن كون المعارض ظنياً لا يخرجه عن المعارضة غاية ما هناك أن دليل حجية الخبر لموضوع المعارضة لا أنه مناف له وهذا المقدار لا يوجب خروج الخاص عن كونه معارضاً للعام ومما يشهد
على ذلك ما ذكروه في مبحث تخصيص الكتاب بخبر الواحد وجهاً للجواز: من أن لكل منهما جهة رجحان ومرجوحية ومعنى ذلك تحقق المعارضة ولم يورد عليهم أحد بأنه لا تعارض بينهما على أن القول بالعكس أو إلحاق المخصص القطعي من جميع الجهات بالورود والحكومة والظني بالمعارض يكون أولى منه كما ادعاه بعضهم وحمل كلامه عليه وإن كان لنافيه تأمل سيظهر وجهه إن شاء اللّه.
وكيف كان فالأولى الاقتصار في الفرق بينهما بما ذكره من ظهور الثمرة بينهما في الظاهرين لسلامته حينئذ عما أوردناه عليه، وأولى منه أن يفرق بينهما بأن الحاكم عبارة عما كان له لسان البيان والتفسير لدليل آخر ولم يكن للآخر في مقابلة لسان بخلاف التخصيص حيث إن لكل من العام والخاص لسان ناطق في الدلالة على مدلوله ألا ترى أن للعام في مثل (أكرم العلماء) لسان ناطق بإكرام زيد العالم في ضمن العموم بالدلالة الاستقلالية وكذا للخاص في مثل لا تكرم زيداً العالم لسان ناطق بالنهي عن إكرام زيد غاية الأمر أن العرف لما وجدوا الظهور الخاص أقوى جعلوه قرينة على المراد من العام مثل جعلهم لفظ (يرمي) قرينة على المراد من الأسد فكل منهما خطاب مستقل بنفسه لا نظر لأحدهما إلى الآخر كما هو ظاهر، وإنما قلنا إن هذا أولى لأن هذا فرق بالنسبة إلى مفهومها بخلاف السابق فإنه فرق بالنسبة إلى الأثر واللازم، ولا ريب
في أن التفرقة بحسب المفهوم والمعنى أولى منها بحسب الأثر واللازم في مقام معرفة الشيء وتميزه عن غيره.
الثالث: إنه يمكن أن يناقش في الضابط الذي ذكره الشيخ الأنصاري (ره) للحكومة من (أن أحد الدليلين يكون متعرضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه) بعدم اطراده ولا انعكاسه أما عدم اطراده فلأنه قد يكون بعض الأدلة مبيناً لبعض مدلول الآخر ومفسراً إياه صريحاً كأن يقول إن مراد المولى من الأمر الوارد في الخطاب الكذائي الإستحباب المؤكد ونحوه وهو من الحكومة بل من أوضح أفرادها بعدما كان ملاك صدق الحكومة هو البيان والتفسير مع أن الظاهر عدم التزام أحد من أرباب الصناعة بكون هذا من الحكومة.
ودعوى أن هذا من الاصطلاحات الجديدة التي لم يرَ لها تعريفاً في كتبهم حتى يقال انه لم يلتزم به أحد منهم بل هو تابع لاصطلاح المصطلحين واختلاف أنظارهم مدفوعة بأنه وإن لم يكن أسم الحاكم والمحكوم مصرحاً به في كلماتهم إلَّا أن رسمه موجود في عباراتهم ومستفاد من مطاوي استدلالتهم نعم ظاهر كلماتهم هو حكومة الأدلة المفسرة والمبينة لمدلول بعض الأدلة لكنه لا على وجه الصراحة كالقسم الأول بل يكون تفسيرها إياه وبيانها مستفاداً من سياق الكلام وسبكه كأدلة نفي الحرج بالنسبة إلى سائر الإطلاقات والعمومات فإنها بمنزلة بيان أن المراد من تلك الإطلاقات في غير
مورد الحرج فأدلة الحرج مبينة لموضوعها وإن لم يكن صريحاً في ذلك إلَّا أنها في قوة البيان وكذا أدلة الضرر في وجه، وأما في وجه آخر وهو بناءاً على احتمال أن يكون المراد منها النهي عن حرمة إضرار الناس لا تكون حاكمة ومفسرة إياه بل حكماً مستقلًا في عرض سائر الأحكام الشرعية فإن دخول هذا القسم تحت الحكومة مما لا غبار عليه.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن تقييده (ره) الضابط المذكور بكون (الدليل رافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه) يكون لإخراج الدليل المفسر صريحاً لمدلول الدليل الآخر فإنه يكون تفسيراً محضاً من غير أن يخرج عن موضوعه ولا محموله شيئاً. ولكن يمكن أن يقال عليه أنا نفرض ورد الدليل مفسراً صريحاً للموضوع بنحو يخرج بعض أفراده كما لو قال إني أريد من المسكر الحرام هو الخمر فإنه يكون مفسراً صريحا لقوله: (كل مسكر حرام) ومخرجاً بعض افراده.
والتحقيق في الجواب عن هذا الإيراد أن يقال إن من البين أن القسم للحكومة والورود والتعارض والعموم والخصوص هو الدليلان المتمانعان والمتنافيان فالمفسر صريحاً ليس بينه وبين المفسر تمانع وتنافي فهما خارجان عن المقسم، هذا مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال إن المعتبر في تحقق الحكومة في أحد الدليلين تحقق أمرين فيه وإلَّا لم تتحقق الحكومة: