بالنسبة إلى الدليل الآخر ومن حيث إنضمام ذلك إليه وأما إذا لوحظ التعارض بين هذا النظر نفسه والتوجه مجرداً عن المدلول نفسه ومدلول الدليل الآخر فلا حكومة للحاكم حَينئذ بل يقع التعارض بينهما ويتعين الأخذ بما هو أقوى منهما وإلَّا فيتوقف كما يظهر صدق ذلك من ملاحظة لفظة (أعني) ونظائره مع ما يسبقها من الكلام. ووجه وضوح الفساد ما عرفت من أنه بهذا اللحاظ تبع صرف وبيان محض ليس من الحكومة في شيء وفرض وقوع التعارض حَينئذ بينه وبين الدليل الآخر غلط فاحش وعلى فرض صحته مجرد فرض لا واقعية له بل هو فرض محض لاستلزامه التناقض أو الخلف فإن بعد فرض اجتماع الأمرين السابقين في أحد الدليلين لا محالة يكون ذلك الدليل حاكماً وفرض وقوع المعارضة بينه وبين الدليل الآخر ولو بلحاظ النظر والتوجه يكون معارضها وهذا تناقض إن اعتبر في تلك الحال إنضمام مدلول الحاكم إلى لحاظ نظره وخلف إن لم يعتبر الإنضمام في تلك الحال كما لا يخفى عليك فتأمل فإنه دقيق. هذا مضافاً إلى أن الذي صار سبباً للحكومة في الشق الأول هو لحاظ النظر والتوجه على ما هو المفروض من عدم قابلية المدلول لذلك فليكن في الشق الثاني أيضاً سبباً للحكومة بوجوده فيه كما هو المفروض بل ليس في مقابل الدليل الآخر غيره هذا كله كان في عدم اطرد ضابط الحكومة الذي ذكره الشيخ الأنصاري (ره). وأما عدم إنعكاسه فلأنه قد يدل الدليل على إلحاق بعض الأفراد فيكون
الحاكم موجباً للتعميم كأن يقول بعد الأمر بإكرام العلماء إن زيداً عالم مع عدم كونه كذلك فإنه لابد من حمله على التنزيل والحكومة بمعنى أن الحكم المذكور جار فيه وأنه بمنزلة العالم عند الآمر حذراً من لزوم شبهة الكذب لولاه وقد اعترف المحقق المذكور بدخوله تحت الحكومة في غير مورد من كلامه مع عدم صدق الضابط الذي ذكره له لأنه (ره) قد قيد الضابط الذي ذكره بقوله: (رافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه) اللّهم إلَّا أن ينزل ذلك على المثال لكن ينافيه مقام التعريف أو يقال هذا القسم وإن كان مئاله إلى التعميم إلَّا أن مرجعه إلى التخصيص ايضاً نظراً إلى أن الحكم بدخول زيد الجاهل في العالم مستلزم لخروجه عن حكم الجاهل فيكون دالًا على الخروج الموضوعي بالنسبة إلى أدلة الجاهل ولكن يدفعه أن الحكومة تصير بالنظر إلى أدلة الجاهل والظاهر صدقه بالنسبة إلى دليل إكرام العالم مع أنه ربما لا يكون للكلام المزبور عموم حتى يستفاد منه ذلك أو لايكون للجاهل حكم شرعي يراد تخصيصه بذلك.
ثم إن إلحاق هذا التنزيل بالحكومة إنما هو فيما إذا كان دليل التنزيل كاشفاً عن عموم المراد من الخطاب كأن يكون دالًا على أن المراد من الخطاب بإكرام العلماء ما يعم زيد الجاهل لأنه حينئذ آيل إلى البيان والتفسير بالنسبة إلى الدليل الآخر فدخوله تحت الحكومة مما لاريب فيه وأماً لو لم يكشف عن ذلك بل استفيد منه أن الغرض
منه مجرد التنزيل من غير كشف عن التصرف في المراد من الدليل الاخر كسائر التنزيلات التي منها قوله الطواف بالبيت صلاة والفقاع الخمر ونحو ذلك وهذا هو الغالب في أفراد هذا القسم بل ربما يقال لا مصداق للأول بل هو مجرد فرض فإدخاله في الحكومة محل إشكال فإن التنزيل إذن حكم مستقل لا أنه من تبع الحكم الأول وتفاسيره ولعل هذا الوجه في تخصيص الضابط المذكور بما يكون راجعاً إلى التخصيص لا التعميم لكنه ينافي تصريحه (ره) بالدخول في الحكومة في سائر الموارد. والحاصل أن الدليل الذي يوجب التعميم على وجهين:
أحدهما: ما يكون فيه نظر للخطاب الآخر.
وثانيهما: ما لا يكون له نظر للخطاب الآخر. وقد عرفت أن الوجه الثاني منها لا دخل له بالحكومة بل التنزيل على هذا الوجه حكم مستقل وليس بتفسيره ولا يتبع للدليل الآخر وعلى هذا فينحصر مورد النقض في الوجه الأول وعليه فنقول أيضاً أنه لا يرد نقض على الضابط من جهة عدم وجود مصداق له كما عرفت بل عدم تصوير ذلك، ضرورة كيف يتصور أن يأمر المولى الحكيم بإكرام العلماء ويريد بلفظ العلماء العالم والجاهل ليصح تصوير كون دليل التنزيل كاشفاً عن المراد من الدليل الأول فبيان الضابط على وجه العموم بحيث يشمل الأفراد الفرضية بل غير المتصورة خال عن الفائدة بل لغو صرف لا ينبغي صدوره عمن يدعي العلم والفضل
فضلًا عمن كان وحيد عصره وفريد دهره مع أن الضوابط أيضاً كالحدود كلما كان التحديد فيه أدق كان أجلى وأظهر فما الداعي إلى تعميم الضابط مع حصول الغرض بذكره على وجه التخصيص الذي هو المطلوب في مقام بيان الضابط والحدود على أن الغالب في الضوابط التي يذكرونها الأصحاب هو بيانها على وجه تشمل الأفراد الشائعة التي يحصل له الغرض من معرفتها ولم يكونوا أن يبالوا بعدم شمولها للأفراد النادرة التي هي في غاية الندرة فكيف بالفرد الفرضي الذي لامصداق له فضلًا عن عدم إمكان تصويره على أن كون هذا الذي يكشف عن المراد من مدلول الدليل الآخر من أفراد الحكومة محل منع ظاهر بل هو المسمى عندهم بالإدخال الموضوعي أو الإلحاق الحكمي كما يستفاد ذلك من مطاوي كلماتهم وطريقة مشيهم في الفقه كيف ومثبت الحكم لهذا الموضوع المغاير لموضوع الدليل الآخر هو دليل التنزيل كما في الوجه الثاني من الوجهين ولو فرض إطلاق الحاكم عليه نادراً في كلام بعضهم فلا بد من حمله على التسامح والمجاز من مشاركته مع الحاكم في عدم وقوع التعارض بينه وبين الدليل الاخر فقد ظهر من ذلك كله المراد الضابط وانعكاسه وعدم ورود المناقشة المذكورة عليه أصلًا.
الرابع: إن مصاديق الحكومة ليست كمصاديق الورود في الوضوح بل كثيراً ما يقع الاشتباه في مصاديقها لخفاء ذلك في جملة مصاديقها وإن كانت الجملة الأخرى منها واضحة والضابط ما
عرفت وعليك بتطبيق المصاديق الخفية على الضابط المذكور في الموارد الشخصية والتعيين والتمييز في تلك الموارد موكول إلى نظير الفقيه بل قد يقع الاشتباه بين الورود والحكومة والتعارض في موضوع واحد من جهة الجهل بما هو المأخوذ في موضوع الدليل فيشكل الأمر وإن كان مقتضى الأصل العملي إلحاق المشكوك بالتعارض، ثم بالحكومة نظر إلى أن الأصل عدم نظر أحد الدليلين إلى الآخر لأنه كما عرفت أمر زائد على مدلول الدليل نفسه كما أن الأصل عدم رفع الموضوع الأول إلَّا أن الإتكال والتعويل عليه في تعيين دلالة الألفاظ لاتخلو عن إشكال.
وكيف كان فاستمع لما وعدناك من الكلام في تشخيص موارد كل من الورود والحكومة والتعارض على وجه الضابط الكلي وإلَّا فاستيفاء جميع جزئيات كل منهما والتمييز بين جميع مواردها الشخصية غير ممكن بل مستحيل عادة فنقول:
قد عرفت مما سبق أن أدلة الاحكام الشرعية منحصرة في الأدلة الاجتهادية بأنواعها والأصول العملية بأقسامها فالمتقابلان حينئذ أما أن يكونا دليلين من جنس واحد أو من جنس مختلف أو أصلين كذلك أو مختلفين بأن يكون أحدهما أصلًا والآخر دليلًا والدليل في القسم الأخير قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً متعبداً به إذ لو لم يكن متعبداً به فهو ليس بدليل فإن كانا دليلين فيوجد بينهما
كل من الأمور الثلاثة أما وجود الورود بينهما فكما إذا كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً مطلقاً أو كانا ظنينين ولكن كان اعتبار أحدهما من باب السببية المقيدة بإفادته للظن والآخر من باب السببية المطلقة سواء أفاد الظن أم لا فإن الثاني وارد على الأول.
وأما وجود الحكومة بينهما فكما إذا كانا ظنينين ولكن كان أحدهما ناظراً إلى الآخر كأدلة عدم الاعتناء بالشك بعد العمل وبشك الإمام والمأموم وكثير الشك وأدلة نفي الحرج ونفي الضرر في وجه كما مر ونفي السبيل على المحسنين والقدرة على العبد إلى غير ذلك بالنسبة إلى أدلة الأحكام التكليفية بل الوضعية بناءاً على رجوعها إلى التكليفية وأما وجود التعارض بينهما فظاهر لا حاجة له إلى البيان وإن كانا أصلين فيوجد بينهما أيضاً كل من الأمور الثلاثة.
أما الورود فكما إذا كان أحدهما براءة والآخر اشتغالًا فإن الأول وارد على الثاني في مور الشك في التكليف مطلقاً سواء قلنا باعتبارها معاً من باب حكم العقل أو من باب حكم الشرع أو أحدهما من الأول والثاني من الثاني وإن كان الحق أن عدم اعتبار الاشتغال من باب الشرع ضرورة أن المدرك فيه هو قاعدة دفع الضرر التي هي من حكومات العقل وما ورد في أدلة الاحتياط مؤكد لحكم العقل ومقررة إياه. كما أن الثاني وارد على الأول في مورد الشك في المكلف به مطلقاً أي سواء قلنا باعتبارهما من جهة العقل أو الشرع أو أحدهما من جهة الأول والثاني من الثاني وهكذا
يوجد الورود بين الأصلين إذا كان أحدهما استصحاباً والآخر غيره من الأصول كالبراءة والاشتغال بناءاً على اعتبار الاستصحاب من باب حكم الشرع أو على اعتبار غيره من الأصول من باب حكم العقل وهو قاعدة قبح التكليف بلا بيان في البراءة ووجوب دفع الضرر في الاشتغال إذ الاستصحاب حينئذ رافع لمجرى تلك الأصول لأن الأصل الشرعي وارد على الأصل العقلي مطلقاً إذ المأخوذ في الأصل العقلي الجهل بالنسبة إلى جميع مراتب الحكم بمعنى أن المأخوذ فيه عدم العلم بالحكم الواقعي والظاهري.
وأما وجود الحكومة بين الأصلين فكما إذا كانا شرعين وكان أحدهما استصحاباً والآخر غيره فإن الاستصحاب لما كان له جهة اجتهادية بالنسبة إلى سائر الأصول حيث أنه ناطق بتنزيل الحكم الثابت في السابق منزلة الوجود ولذا قيل إنه برزخ بين الأدلة والأصول فلا محالة يكون حاكماً على غيره مثلًا إذا عُلق الحلّية والإطلاق في قوله: (كل شيء مطلق الخ) على ورود النهي، والمفروض أن الاستصحاب ناطق بوجوب البناء على بقاء النهي السابق فيكون مفسراً للمراد منه ورافعاً للحكم بالإطلاق عن بعض أفراد موضوعه وهو الشيء الذي لم يرد فيه نهي فإنه بالاستصحاب لم يرتفع هذا الموضوع حقيقة. وهكذا إذا كاناً استصحابين ولكن أحدهما موضوعياً والآخر حكمياً فإن الأول حاكم على الثاني أو كان أحدهما جارياً في مورد الشك السببي والآخر في مورد
الشك المسببي فإن الأول حاكم على الثاني ويمكن إرجاعها إلى الموضوعي والحكمي على ما ذكره بعض المحققين في مبحث الاستصحاب ولكن لا تخلو عن تأمل.
وربما يناقش في كون المثال الأخير من الحكومة نظراً إلى أن الحكومة صفة للدليلين المختلفين بحسب المدرك والاستصحاب ليس من الأدلة وإنما الدليل ما دل من الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك ونسبة ذلك الدليل إلى الاستصحابين على حد سواء فيكون المدرك فيهما متحداً فلا يتصف أحدهما بالحكومة وفيه من الضعف ما لا يخفى فإن مرجعه إلى إنكار الشك السببي والمسببي وقد حقق في محلة ثبوتهما ووجودهما بل ومما ذكر هناك يندفع تلك المناقشة فلا حاجة إلى الإطناب هنا في رده ولا يذهب عليك أن فرض الحكومة هنا في الاستصحاب لا ينافي ما نفيناه سابقاً من الحكومة في الأصول العملية أما من جهة أنه تلاحظ الحكومة هنا بين دليل الاستصحاب ودليل الأصل الآخر كما مر ولا شك في أن دليلهما في الأدلة الاجتهادية فالحاكم في الحقيقة هو دليل الاستصحاب لا نفيه أو من جهة أن حكومة الاستصحاب من حيث جهة اجتهاديته لكونه برزخاً بين الأدلة والأصول كما سمعت ونفي الحكومة عنه إنما هو من جهة أصليته فلا منافاة بين المقامين لتغاير الجهتين.