بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 215

منه مجرد التنزيل من غير كشف عن التصرف في المراد من الدليل الاخر كسائر التنزيلات التي منها قوله الطواف بالبيت صلاة والفقاع الخمر ونحو ذلك وهذا هو الغالب في أفراد هذا القسم بل ربما يقال لا مصداق للأول بل هو مجرد فرض فإدخاله في الحكومة محل إشكال فإن التنزيل إذن حكم مستقل لا أنه من تبع الحكم الأول وتفاسيره ولعل هذا الوجه في تخصيص الضابط المذكور بما يكون راجعاً إلى التخصيص لا التعميم لكنه ينافي تصريحه (ره) بالدخول في الحكومة في سائر الموارد. والحاصل أن الدليل الذي يوجب التعميم على وجهين:

أحدهما: ما يكون فيه نظر للخطاب الآخر.

وثانيهما: ما لا يكون له نظر للخطاب الآخر. وقد عرفت أن الوجه الثاني منها لا دخل له بالحكومة بل التنزيل على هذا الوجه حكم مستقل وليس بتفسيره ولا يتبع للدليل الآخر وعلى هذا فينحصر مورد النقض في الوجه الأول وعليه فنقول أيضاً أنه لا يرد نقض على الضابط من جهة عدم وجود مصداق له كما عرفت بل عدم تصوير ذلك، ضرورة كيف يتصور أن يأمر المولى الحكيم بإكرام العلماء ويريد بلفظ العلماء العالم والجاهل ليصح تصوير كون دليل التنزيل كاشفاً عن المراد من الدليل الأول فبيان الضابط على وجه العموم بحيث يشمل الأفراد الفرضية بل غير المتصورة خال عن الفائدة بل لغو صرف لا ينبغي صدوره عمن يدعي العلم والفضل‌


صفحه 216

فضلًا عمن كان وحيد عصره وفريد دهره مع أن الضوابط أيضاً كالحدود كلما كان التحديد فيه أدق كان أجلى وأظهر فما الداعي إلى تعميم الضابط مع حصول الغرض بذكره على وجه التخصيص الذي هو المطلوب في مقام بيان الضابط والحدود على أن الغالب في الضوابط التي يذكرونها الأصحاب هو بيانها على وجه تشمل الأفراد الشائعة التي يحصل له الغرض من معرفتها ولم يكونوا أن يبالوا بعدم شمولها للأفراد النادرة التي هي في غاية الندرة فكيف بالفرد الفرضي الذي لامصداق له فضلًا عن عدم إمكان تصويره على أن كون هذا الذي يكشف عن المراد من مدلول الدليل الآخر من أفراد الحكومة محل منع ظاهر بل هو المسمى عندهم بالإدخال الموضوعي أو الإلحاق الحكمي كما يستفاد ذلك من مطاوي كلماتهم وطريقة مشيهم في الفقه كيف ومثبت الحكم لهذا الموضوع المغاير لموضوع الدليل الآخر هو دليل التنزيل كما في الوجه الثاني من الوجهين ولو فرض إطلاق الحاكم عليه نادراً في كلام بعضهم فلا بد من حمله على التسامح والمجاز من مشاركته مع الحاكم في عدم وقوع التعارض بينه وبين الدليل الاخر فقد ظهر من ذلك كله المراد الضابط وانعكاسه وعدم ورود المناقشة المذكورة عليه أصلًا.

الرابع‌: إن مصاديق الحكومة ليست كمصاديق الورود في الوضوح بل كثيراً ما يقع الاشتباه في مصاديقها لخفاء ذلك في جملة مصاديقها وإن كانت الجملة الأخرى منها واضحة والضابط ما


صفحه 217

عرفت وعليك بتطبيق المصاديق الخفية على الضابط المذكور في الموارد الشخصية والتعيين والتمييز في تلك الموارد موكول إلى نظير الفقيه بل قد يقع الاشتباه بين الورود والحكومة والتعارض في موضوع واحد من جهة الجهل بما هو المأخوذ في موضوع الدليل فيشكل الأمر وإن كان مقتضى الأصل العملي إلحاق المشكوك بالتعارض، ثم بالحكومة نظر إلى أن الأصل عدم نظر أحد الدليلين إلى الآخر لأنه كما عرفت أمر زائد على مدلول الدليل نفسه كما أن الأصل عدم رفع الموضوع الأول إلَّا أن الإتكال والتعويل عليه في تعيين دلالة الألفاظ لاتخلو عن إشكال.

وكيف كان فاستمع لما وعدناك من الكلام في تشخيص موارد كل من الورود والحكومة والتعارض على وجه الضابط الكلي وإلَّا فاستيفاء جميع جزئيات كل منهما والتمييز بين جميع مواردها الشخصية غير ممكن بل مستحيل عادة فنقول:

قد عرفت مما سبق أن أدلة الاحكام الشرعية منحصرة في الأدلة الاجتهادية بأنواعها والأصول العملية بأقسامها فالمتقابلان حينئذ أما أن يكونا دليلين من جنس واحد أو من جنس مختلف أو أصلين كذلك أو مختلفين بأن يكون أحدهما أصلًا والآخر دليلًا والدليل في القسم الأخير قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً متعبداً به إذ لو لم يكن متعبداً به فهو ليس بدليل فإن كانا دليلين فيوجد بينهما


صفحه 218

كل من الأمور الثلاثة أما وجود الورود بينهما فكما إذا كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً مطلقاً أو كانا ظنينين ولكن كان اعتبار أحدهما من باب السببية المقيدة بإفادته للظن والآخر من باب السببية المطلقة سواء أفاد الظن أم لا فإن الثاني وارد على الأول.

وأما وجود الحكومة بينهما فكما إذا كانا ظنينين ولكن كان أحدهما ناظراً إلى الآخر كأدلة عدم الاعتناء بالشك بعد العمل وبشك الإمام والمأموم وكثير الشك وأدلة نفي الحرج ونفي الضرر في وجه كما مر ونفي السبيل على المحسنين والقدرة على العبد إلى غير ذلك بالنسبة إلى أدلة الأحكام التكليفية بل الوضعية بناءاً على رجوعها إلى التكليفية وأما وجود التعارض بينهما فظاهر لا حاجة له إلى البيان وإن كانا أصلين فيوجد بينهما أيضاً كل من الأمور الثلاثة.

أما الورود فكما إذا كان أحدهما براءة والآخر اشتغالًا فإن الأول وارد على الثاني في مور الشك في التكليف مطلقاً سواء قلنا باعتبارها معاً من باب حكم العقل أو من باب حكم الشرع أو أحدهما من الأول والثاني من الثاني وإن كان الحق أن عدم اعتبار الاشتغال من باب الشرع ضرورة أن المدرك فيه هو قاعدة دفع الضرر التي هي من حكومات العقل وما ورد في أدلة الاحتياط مؤكد لحكم العقل ومقررة إياه. كما أن الثاني وارد على الأول في مورد الشك في المكلف به مطلقاً أي سواء قلنا باعتبارهما من جهة العقل أو الشرع أو أحدهما من جهة الأول والثاني من الثاني وهكذا


صفحه 219

يوجد الورود بين الأصلين إذا كان أحدهما استصحاباً والآخر غيره من الأصول كالبراءة والاشتغال بناءاً على اعتبار الاستصحاب من باب حكم الشرع أو على اعتبار غيره من الأصول من باب حكم العقل وهو قاعدة قبح التكليف بلا بيان في البراءة ووجوب دفع الضرر في الاشتغال إذ الاستصحاب حينئذ رافع لمجرى تلك الأصول لأن الأصل الشرعي وارد على الأصل العقلي مطلقاً إذ المأخوذ في الأصل العقلي الجهل بالنسبة إلى جميع مراتب الحكم بمعنى أن المأخوذ فيه عدم العلم بالحكم الواقعي والظاهري.

وأما وجود الحكومة بين الأصلين فكما إذا كانا شرعين وكان أحدهما استصحاباً والآخر غيره فإن الاستصحاب لما كان له جهة اجتهادية بالنسبة إلى سائر الأصول حيث أنه ناطق بتنزيل الحكم الثابت في السابق منزلة الوجود ولذا قيل إنه برزخ بين الأدلة والأصول فلا محالة يكون حاكماً على غيره مثلًا إذا عُلق الحلّية والإطلاق في قوله: (كل شي‌ء مطلق الخ) على ورود النهي، والمفروض أن الاستصحاب ناطق بوجوب البناء على بقاء النهي السابق فيكون مفسراً للمراد منه ورافعاً للحكم بالإطلاق عن بعض أفراد موضوعه وهو الشي‌ء الذي لم يرد فيه نهي فإنه بالاستصحاب لم يرتفع هذا الموضوع حقيقة. وهكذا إذا كاناً استصحابين ولكن أحدهما موضوعياً والآخر حكمياً فإن الأول حاكم على الثاني أو كان أحدهما جارياً في مورد الشك السببي والآخر في مورد


صفحه 220

الشك المسببي فإن الأول حاكم على الثاني ويمكن إرجاعها إلى الموضوعي والحكمي على ما ذكره بعض المحققين في مبحث الاستصحاب ولكن لا تخلو عن تأمل.

وربما يناقش في كون المثال الأخير من الحكومة نظراً إلى أن الحكومة صفة للدليلين المختلفين بحسب المدرك والاستصحاب ليس من الأدلة وإنما الدليل ما دل من الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك ونسبة ذلك الدليل إلى الاستصحابين على حد سواء فيكون المدرك فيهما متحداً فلا يتصف أحدهما بالحكومة وفيه من الضعف ما لا يخفى فإن مرجعه إلى إنكار الشك السببي والمسببي وقد حقق في محلة ثبوتهما ووجودهما بل ومما ذكر هناك يندفع تلك المناقشة فلا حاجة إلى الإطناب هنا في رده ولا يذهب عليك أن فرض الحكومة هنا في الاستصحاب لا ينافي ما نفيناه سابقاً من الحكومة في الأصول العملية أما من جهة أنه تلاحظ الحكومة هنا بين دليل الاستصحاب ودليل الأصل الآخر كما مر ولا شك في أن دليلهما في الأدلة الاجتهادية فالحاكم في الحقيقة هو دليل الاستصحاب لا نفيه أو من جهة أن حكومة الاستصحاب من حيث جهة اجتهاديته لكونه برزخاً بين الأدلة والأصول كما سمعت ونفي الحكومة عنه إنما هو من جهة أصليته فلا منافاة بين المقامين لتغاير الجهتين.


صفحه 221

وأما وجود التعارض فهو ما إذا كانا إستصحابين وكانا في مرتبة واحدة كأن يكون الشك فيهما مسبباً عن ثالث أو كان السبب في تعارضهما هو مجرد إقترانهما في العلم الإجمالي أو غيره على ما تقرر في محله بناءاً على القول بجريان الأصول في صورة العلم الإجمالي كما جنح إليه جماعة وأما بناءاً على القول بعدم الجريان من جهة كون الغاية في الأصول أعم من العلم التفصيلي والإجمالي كما هو المختار فليس مورداً للتعارض أصلًا هذا كله حال غير التخيير من الأصول.

أما أصل التخيير فمورده هو ما لا يمكن العمل فيه لشي‌ء من الأصول فلا يقع في مقابلها ضرورة أن مباينة المورد يوجب انتفاء النسبة بين الأصول المزبورة بأحد الأمور المذكورة من الورود والتعارض والحكومة. وإن كانا المتقابلان مختلفين فلا يوجد التعارض بينهما أصلًا بل الدليل أما وارد على الأصل مطلقاً أو حاكم في بعض الموارد.

وتوضيح المقام إن الدليل أما قطعي أو ظني كما أن الأصل أما شرعي أو عقلي والمراد بالأصل الشرعي هو ما أنشأ الشارع اعتباره في موضوع الشك بالحكم الواقعي الأولي لا أن يكون من قبيل إمضاء حكم العقل وكان المناط فيه البراءة العقلية والإشتغال والتخيير العقليين بالأصل والحكم الظاهري بل العذري إنما هو باعتبار إنشاء العقل فيها حكماً على موضوع في مورد الشك في‌


صفحه 222

الحكم الشرعي المجعول في حق المكلف واقعاً وإلَّا فليس للعقل حكم ظاهري.

إذا عرفت هذا فنقول إن الأصل إن كان عقلياً فالدليل وارد عليه مطابق سواء كان قطعياً أم ظنياً لإرتفاع موضوع الأصل حينئذ بمجرد وجود الدليل في مقابلة فإن المأخوذ في موضوع حكم العقل بالبراءة العقلية والإشتغال والتخيير العقليين عدم البيان وإحتمال العقاب وعدم الترجيح لأحد طرفي التخيير وكل ذلك مرتفع بالدليل وإن كان ظنياً لتحقق البيان في الأول ونفي إحتمال العقاب في الثاني والمرجع في الثالث ولا نعني بالوارد سوى الدليل الرافع لموضوع الدليل الآخر رأساً وكذلك الكلام بالنسبة إلى الاستصحاب بناءاً على اعتباره من باب الإستقراء والغلبة ونحوهما ضرورة ارتفاع الظن المأخوذ في موضوعه بإحتمال بقاء الحالة السابقة بمجرد وجود الدليل هذا كله إذا كان الأصل عقلياً وأما إذا كان الأصل شرعياً بأن يكون من المجعولات الشرعية كالاستصحاب وأصل الإباحة والبراءة بناءاً على كون المدرك فيها هو النقل كحديث: (لا تنقض) و (كل شي‌ء مطلق حتى يرد فيه نهي) وأمثال ذلك فإن كان الدليل الذي في مقابله قطعياً مفيداً لليقين بخلاف الاستصحاب مثلًا كان وارداً عليه أيضاً لا محالة لأنه رافع لموضوعه وإن كان ظنياً كان حاكماً على الأصل بمعنى أنه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل فالدليل العلمي المذكور وإن لم يرفع موضوعه أعني الشك إلَّا أنه يرفع حكم الشك أعني الاستصحاب مثلًا وإن شئت لاحظت الحكومة أولًا