وبتقرير أوضح إن غاية ما دل عليه دليل اعتبار الأمارة هو إلغاء ما كان يجب الرجوع إليه لولا عدم ثبوت اعتبارها وهو الأصول المعتبرة التي منها الاستصحاب وغاية ما يستفاد من ذلك أن الظن المذكور منزل منزلة الواقع واليقين به وليس معنى ذلك انه رافع لموضوع الشك حتى يكون وارداً بل معناه أنه يرفع حكم الشك أعني الاستصحاب كيف ومن الواضح بقاء الشك في بقاء الحالة السابقة بعد قيام الدليل الظني على خلافها أيضاً وهذا بخلاف الدليل الظني القائم على خلاف مقتضى غير الاستصحاب من الأصول المعتبرة العقلية فإنه رافع لموضوعاتها كما عرفت فلا نطيل بالإعادة فتدبر جيداً.
الخامس: أنه قد صرح غير واحد من المتأخرين بأن ما ذكر من الورود والحكومة جار في الأصول اللفظية أيضاً كما هو جار في الأصول العملية بعضها مع بعض وبينها وبين الأدلة الاجتهادية. أقول أما وقوع كل من الأمور الثلاثة من التعارض والورود والحكومة بين الأدلة الاجتهادية والأصول العملية بعضها مع بعض فقد عرفت تفصيل القول فيه بما لا مزيد عليه وأما وقوعها بين الأصول اللفظية فتحقيق القول فيه محتاج إلى بيان مدرك اعتبار الأصول اللفظية ووجه حجيتها بمعنى كون الظواهر معتبرة ما لم يحصل اليقين بإرادة خلاف ما وضع له اللفظ تعييناً أو تعيناً.
فنقول إن مذاهب العلماء فيها مختلفة والوجوه المحتملة فيها كثيرة فتفصيل الكلام فيها ان يقال إنه لا يخلو الحال فيها أما أن
تكون معتبرة من باب التعبد أو من باب الظن وعلى الأول أما أن تكون من باب التعبد المطلق من العقلاء أو الشارع أو من باب التعبد المقيد بعدم الدليل المعتبر على الخلاف وكذلك على الثاني أما أن يكون من باب الظن الشخصي أو النوعي المطلق أو المقيد بعدم الظن مطلقاً على الخلاف أو الظن المعتبر. ثم إن منشأ الظهور أما أن يكون غلبة إرادة المعنى الحقيقي أو أصالة عدم القرينة. إذا عرفت ذلك فنقول إن المتقابلين أما أن يكونا عامين أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً والخاص أما أن يكون قطعياً من جميع الجهات أي من جهة الدلالة ومن جهة السند ومن جهة الصدور أو قطعياً من جهة الدلالة وظنياً من جهة السند وجهة الصدور أو قطعياً من جهة السند وظنياً من الجهتين الأخيرتين أو قطعياً من جهة الصدور وظنياً من غير تلك الجهة فالكلام يقع في مقامين:
الأول: فيما كان المتقابلان عامين فنقول إن كان مبنى اعتبار الأصلين هو التعبد العقلائي أو الشرعي فلا إشكال في وقوع التعارض بينهما ودخوله تحت أقسام التعارض فيحكم بالتعادل فيهما ولا يمكن الحكم بالترجيح بينهما من حيث قوة الدلالة فإنه إنما يصح لو كان اعتبارهما من باب الظهور العرفي ولا فرق في ذلك بين اعتبارهما من باب التعبد المطلق أو المقيد فعلى التقديرين يكون حالهما كحال الأصلين العملين المتعارضين. نعم لو كان الشك في أحدهما مسبباً عن الشك في الآخر يقدم الأصل السببي عليه من
باب الحكومة كما إذا كان أحدهما أصلًا جارياً في عدم القرينة وأما لو كان الشك فيهما مسبباً عن ثالث كما في العامين من وجه فيحكم بتساقطهما والرجوع إلى الأصل المؤخر عنهما بحسب الرتبة لكنه على أي حال وارد على الأصل العملي لو كان عقلياً وحاكم عليه إن كان شرعياً، وإن كان اعتبار كل منهما من باب التعبد الظاهري إذ الأصل اللفظي جار في الطريق والأصل العملي جار في الحكم ولا شبهة في أن الشك في الحكم مسبب عن الشك في الطريق فالأصل الجاري فيه لا محالة يكون حاكماً على الأصل الجاري في الحكم.
هذا ولكن القول بالتعبد المطلق العقلائي غير متصور ضرورة أن بناء العقلاء على أحد محتملات اللفظ في أمورهم الدنيوية والأخروية من دون ظن به ولو نوعاً مما لا معنى له بل التعبد المقيد أيضاً كذلك كما أن التعبد الشرعي غير ثابت بل الثابت خلافه وإن كان يجوز أن يتعبدهم الشارع عليه ولكنه ليس إلَّا محض الجواز العقلي وإن كان مبنى الاعتبار فيهما هو الظن الشخص كما عليه جماعة من المتأخرين فهو معتبر ما دام الظن فيه موجوداً فإذا ارتفع الظن منه ولو بواسطة أمارة غير معتبرة يسقط عن الاعتبار لانتفاء المناط فيه فالتعارض بينهما مما لا يمكن إلَّا على الوجه الذي بيناه هناك فالحجة حينئذ ما حصل الظن منه ولو فرض عدم حصول الظن من شيء منهما فلا اعتبار لشيء منهما. وإن كان المبنى فيهما هو الظن النوعي المطلق غير المقيد بعدم قيام الدليل على خلافه
لا بحسب الظهور ولا بحسب الاعتبار سواء كان منشأ حصول الظن منه أصالة عدم القرينة أو غلبة إرادة المعنى الحقيقي في الإستعمالات فلا إشكال في وقوع التعارض بينهما سواء كانا من قبيل المتباينين أو من قبيل العموم من وجه غاية الأمر لزوم ترجيح أحدهما على الآخر لو كان أقوى من الآخر بحسب الظهور والدلالة وإجراء حكم التعارض لو كانا متساويين في ذلك. وإن كان المبنى هو الظن النوعي المقيد بعدم الظن على الخلاف مطلقاً كما أدعي في الغلبة والظن الاستصحابي بل قيل هو المحتمل من كلام العضدي فإن كانا متماثلين في ذلك فيتعارضان ويتساقطان وإن كان المعارض من غير جنسه بأن لا يكون تقيدياً أو كان ولم يكن مثله فيرتفع موضوعه بقيام مثل ذلك الظن على الخلاف سواء كان حاصلًا من الأمارة المعتبرة أو من الأمارة غير المعتبرة غاية الأمر لو كان معتبراً يسمى وارداً حقيقة وإلَّا تسامحاً. وإن كان المبنى هو النوعي المقيد بعدم الظن المعتبر على الخلاف لا مطلق الظن فيتعارضان لو كانا متماثلين إذ التعليق على عدم الظن المعتبر على الخلاف حتى من جنسه غير ممكن ضرورة أن اعتبار كل منهما في مورد التعارض مستلزم لعدم اعتباره وهو محال ويعبر عن مثل ذلك بالتوارد الذي لا يتعقل له معنى وعلى هذا فإن كانا متكافئين في الظهور والدلالة يلحق بالتعادل وإلَّا بأن كان أحدهما أقوى من الآخر من حيث الظهور فيرجح عليه ويقدم فيلحق بالترجيح وإن كانا غير متماثلين فإن كان
المعارض معتبراً فلا إشكال في وروده على هذا الظاهر المقيد وإن لم يكن معتبراً فالمعتبر هو الظاهر المقيد ولا يعتني بالظن غير المعتبر القائم على خلافه كما لا يخفى عليك. هذا كله إذا كان عموم كليهما وضعياً. وأما لو كان عموم أحدهما وضعياً والآخر سريانياً أو حكمياً فيقع التعارض بينهما إلَّا أنه يخصص الآخر المجرد عن ذلك به فتدبر جيداً. هذا تمام الكلام في المقام الأول.
وأما المقام الثاني: وهو ما لو كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فلا إشكال في وقوع التعارض بينهما في جميع الصور المذكورة في اعتبار الظهور على ما نشير إليه إن شاء الله مطلقاً سواء كان الخاص قطعياً من جميع الجهات أو ظنياً ولو من بعض الجهات لما مر غير مرة من اتفاقهم على لحوق التخصيص بالمعارضة ومن دلالة الأدلة القوية عليه التي منها صدق التعارض عليهما وعدم صدق الورود والحكومة أما صدق المعارضة فلأن التعارض عبارة عن توارد الدليلين على موضوع واحد مع اختلافهما من حيث المفاد ولا شك في أنه يصدق على ما لو ورد أكرم العلماء ولا تكرم زيداً العالم فإنه بالنسبة إلى زيد قد توارد العام والخاص كل بالدلالة الاستقلالية على ما هو التحقيق في العموم الوضعي من كون دلالة العام على أفراده على سبيل الاستقلال بحيث يكون كل منهما متعلقاً للنفي والإثبات مع اختلاف مفادهما من حيث الوجوب والحرمة ولا نعني بالتعارض في تلك الصناعة إلَّا هذا.
وأما عدم صدق الورود فلما عرفت من أنه عبارة عن رفع أحد الدليلين موضوع الدليل الآخر ولا شبهة في أن الخاص لا يرفع موضوع العام عن زيد بل يريد رفع حكمة عنه ولا دخل له بالورود.
وأما عدم صدق الحكومة فلأنها كما تقدم عبارة عن كون أحد الدليلين ناظراً بمدلوله اللفظي إلى الآخر ومبيناً لمقدار مدلوله ومفسراً إياه والخاص بالنسبة إلى العام ليس كذلك لأن لكل منهما لساناً ناطقاً بثبوت محمولهما لموضوعها مضافاً إلى ما قد حكي عن المرحوم الشيخ الأنصاري في مجلس الإفادة من أنه أصر على الحاق التخصيص مطلقاً بالتعارض وأن فصل في كتابه بين القطعي منه فألحقه بالورود والظني فألحقه بالحكومة فيما كان إعتبار أصالة الظهور من حيث عدم القرينة وحكم بألحاقه بالورود مطلقاً فيما لو كان اعتبارها من جهة الظن النوعي الحاصل من غلبة إرادة الحقيقة كما ستعرفه واستدل على ذلك بأن رفع اليد عن أصالة الحقيقة والعموم موقوف على وجود القرينة الصارفة المعاندة ومن البين أنه لا يتحقق فيما لا تنافي فيه أصلًا فالتعاند المشروط في القرينة لازم للتعارض فكيف يمكن الحكم بإنفكاكه عنه وأما ورود الخاص على أصالة العموم أو حكومته عليه فلا دخل له بكون الخاص معارضاً مع العام من حيث إتحاد موضوعهما والظاهر أنه أراد بقوله وأما ورود الخاص ... وروده على أصالة العموم من حيث هي مع الإغماض عن مدلول العموم بمعنى أنه لاحظ في العموم جهتان.
أحديهما: الأصل اللفظي الحاكم على بقاء العام على عمومه.
والثانية: مدلول العام نفسه فحكم بأن ورود الخاص على الأصل المذكور لا دخل له بكون الخاص معارضاً مع العام ولكنك حيث قد عرفت أنه لا يمكن التفكيك بينهما فملاحظة الخاص مع كل من جهتي العام مما لا وجه له بل الوجه ما أفاده في مجلس الإفادة من وقوع التعارض بينهما كما صرح غيره من العلماء في باب العمل بالعام قبل الفحص عن المعارض غاية ما في الباب كون الخاص على قسمين قطعي وظني ومجرد ذلك لا يوجب خروجه عن المعارضة فإن دليل حجية الخاص محقق لموضوع المعارضة لا منافٍ له فلا يوجب ذلك خروج الخاص عن كونه معارضاً ويحتمل قريباً أن يكون مراده بذلك أن العام والخاص من حيث هما كذلك متعارضان إلَّا أن ينضم إلى الخاص جهة نظر وبيان بالنسبة إلى العام فيصير حاكماً لذلك كما في أدلة كثير الشك والشك بعد العمل ونحو ذلك بل لعله أيضاً يظهر من كلامه لما عرفت من ضعف الوجه الأول جداً إلَّا أنه لا دخل له يكون الخاص وإن كان قطعياً معارضاً للعام كما سننبه عليه إنشاء الله كما يحتمل أن يكون مراده بالورود وروده عليه بناءاً على القول باعتبار الظهور من باب الظن الشخصي ولكنه بعيد فتأمل. وبالجملة فالعام بنفسه مقتضي للعموم بحسب الوضع لأنه وضع له، غاية ما هناك أنه اعتبر فيه أصالة عدم القرينة أو أصالة الحقيقة على أحد الوجوه المتقدمة لدفع المانع عن اقتضاءه وهو احتمال التخصيص وعدم أرادة العموم فإذا ورد الخاص ولو كان
قطعياً لا يرفع اقتضاءه ليكون وارداً عليه أو حاكماً كما هو الشأن في الوارد والحاكم بل يعارضه حيث أن العام حقيقي في العموم والخاص يقتضي عدمه كيف ولابد في الورود من رفعه موضوع الدليل الأول حقيقة ومجرد ورود الخاص واعتباره لا يوجب ذلك. ودعوى أن اعتبار العموم في المقام موقوف على عدم الدليل العلمي أو الأمارة المعتبرة على خلافه بخلاف غيره من الموارد مدفوعة بأن الكل على حد سواء بالنسبة إلى ذلك والتفكيك تحكم صرف غاية الأمر أن اقتضاء الخاص لما كان أقوى يصير قرينة عند أهل العرف على المراد من العام ويقدم عليه كما تقدم. نعم ورود الخاص مانع عن اجراء أصالة عدم القرينة فقط لكنه لا يوجب خروج العام عن المعارضة كما لا يخفى.
ومن هنا انقدح فساد ما ربما يتخيل من أن دلالة العام على مورد الخاص إنما هي بملاحظة أصالة العموم الكاشفة بالذات عن كونه مراداً كسائر ما تحته من الأفراد ومن المعلوم كون اعتبار أصالة العموم مقيداً بعدم قيام القرينة على كون المراد خلاف ما يقتضيه العام بحسب وضعه فإذا وجدت القرينة القطعية لم يبق هنا موضوع لأصالة العموم كما هو الشأن في جميع موارد جريان أصالة الحقيقة فلا تنافي بين العام والخاص القطعي أصلًا حتى يقال أنه بالعقل أو العرف بأنه لا يمكن إرادتهما إلَّا أن تقدم الخاص ليس من هذه الجهة والملاحظة بل من جهة عدم حصول الظهور من العام في مقابل