بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 259

المدار في تسمية الدليل عقلياً:

ومن مجموع ما ذكرناه يظهر لك أن المدار في تسمية الدليل عقلياً هو كون كبرى الدليل عقلية فإنه هو الذي يظهر من كلمات القوم. وعليه فالدليل النقلي هو ما ليس كذلك وبعضهم جعل المدار في التسمية بالدليل العقلي على كون كل من المقدمتين عقلية إلا أنه ليس قولًا متفقاً عليه فإن في المسألة أقوالًا كثيرة:

منها جعل المدار على كون الكبرى خاصة عقلية.

ومنها جعله على كون أحد المقدمتين عقلية.

ومنها ما احتمله بعضهم من جعل المدار على الكلية في النتيجة بأن يكون العنوان في النتيجة عنواناً كليه كما يقال الإزالة واجبة وكل واجب يحرم ضده فيحرم ضد الإزالة. ومن المعلوم أن عنوان الضد في النتيجة أمر كلي شامل بجميع الأضداد الخاصة فحينئذ يسمى الدليل عقلياً بخلاف ما لو كان العنوان في النتيجة شخصياً كما لو قال الصلوة ضد للإزالة الواجبة وكلما هو ضد للواجب حرام فالصلوة حرام فان عنوان ضدية الصلوة شخصي فلا يكون الدليل حينئذ عقلياً بل شرعياً. ولكن أقوى الوجوه جعل المدار على كلية الكبرى فإنها التي بها يثبت الأكبر للأصغر. ويرشدك إلى أن المدار في التسمية عليها أن أغلب القياسات صغراها حسية ومع ذلك يطلق‌


صفحه 260

عليها الدليل العقلي بمجرد كون الكبرى فيها عقلية كما في قولنا العالم متغير وكل متغير حادث وأمثال ذلك فإنه يسمى دليلًا عقلياً مع عدم كون الصغرى أيضاً عقلية كما هو ظاهر وحينئذ فالاستصحاب يدخل في الدليل العقلي لكون الكبرى فيه عقلية حسبما عرفت وأما ما سمعته عن محكي الذكرى من كونه من المستقلات فلم أعرف له وجهاً إلا ما ربما يتخيل من كونه قضية كلية حيث يقال كلما ثبت يدوم ونحوه وهذا لا يكون إلا من شأن المستقلات. ولكنه كما ترى فإنه لو كان المدار عليه لزم اندراج المفاهيم والاستلزامات أيضاً في المستقلات لإمكان أن يعبر عن كل منهما بالقضية الكلية فيقال إن كل قضية شرطية مثلًا تدل على الانتفاء عند الانتفاء ويقال كل ما يتوقف عليه وجود الواجب فهو واجب وهكذا مضافاً إلى أن المراد بالمستقلات حسبما عرفت ما يحكم به العقل بدواً من غير حاجة إلى توسيط خطاب وتوقف حكم العقل في الاستصحاب على توسيط خطاب مما لا ينكر كما لا يخفى.

ومن الغريب بل من أعجب العجاب ما صدر عن بعضهم من أنه لو كان الاستصحاب دليلًا اجتهاديا على الحكم الشرعي فليس الوسط في إثباته إلا البقاء الذي استقل العقل بإدراكه وأما الحدوث فهو دليل على الدليل كما أنه لو ثبت حسن الشي‌ء أو قبحه بدليل فالدليل على الحكم الشرعي إنما هو الحسن والقبح لا ما استدل به عليهما، ثم قال هذا بناءاً على تفسير الحكم في تعريف الدليل العقلي‌


صفحه 261

بالوسط وأما على تقدير تفسيره بالتصديق فالدليل هو الظن كما يوهمه كلام شارح المختصر، فعدم كون الحدوث دليلًا عقلياً على الحكم الشرعي واضح. توضيح الفساد ما عرفت من عدم تعقل جعل الإستصحاب من قبيل العقلي المستقل وهذا التخيل مبني عليه مضافاً إلى أن تفسير الحكم في الدليل العقلي بالوسط غير معقول ضرورة أنه أمر خارجي في جميع القضايا له وجود متحقق في الخارج كان العقل موجوداً في الخارج أم لا إدرك شيئاً أم لا نعم ربما يدركه العقل بواسطة إحدى الحواس إدراكا تصورياً لا تصديقياً حتى يصح إطلاق الحكم عليه ويكون قابلًا للتوصل به إلى شي‌ء آخر ألا ترى أن المتغير في قولنا العالم متغير وكل متغير حادث ليس بحكم عقلي وإنما هو أمر خارجي له تحقق في الخارج مدرك بالحسن البصري لا ربط له بالحكم العقلي أصلًا كما لا يخفى على من له أدنى مسكة ولو سلم فجعل البقاء في المقام وسط لإثبات الحكم الشرعي غير معقول ضرورة أن البقاء هو محكوم العقل لا حكمه بديهة أن العقل يحكم على الشي‌ء بالبقاء فالشي‌ء موضوع والبقاء محمول وإثباته للموضوع والإذعان بثبوته له يسمى حكماً فأين المحكوم من الحكم العقلي حتى يصير واسطة لإثبات حكم شرعي وكذلك الحدوث أعني الوجود في السابق لا دخل له بالحكم العقلي نعم هو منشأ للحكم العقلي بالبقاء كما أن وجوب ذي المقدمة منشأ لحكم العقل بوجوب المقدمة ووجود المنطوق منشأ لحكم العقل‌


صفحه 262

بالمفهوم وهكذا في غيرها من أقسام العقليات غير المستقلة وهو ليس بدليل على الدليل ضرورة أنه ليس مثبتاً للحكم العقلي بل واسطة ومنشاء لحكم العقل وفرق بين الأمرين.

وأما التنظير المذكور في كلامه بالحسن والقبح فمبني على الخلط والخبط فإن الحسن والقبح اللذين هما من صفات الأفعال ليسا دليلًا على الحكم الشرعي بل هما مناطان للحكم الشرعي بمعنى أن الأول منشأ لحكم الشارع بالوجوب أو الاستحباب والثاني منشأ لحكمه بالكراهة أو الحرمة ولا يطلق الدليل على المناط والمنشأ بل الدليل على الحكم الشرعي هو حكم العقل بالحسن أو القبح الفاعليين.

نعم الحدوث أي الوجود في السابق لو أطلق عليه اسم الدليل لم يكن غريباً باعتبار كونه منشأ لحكم العقل بل لعله مندرج في تعريف الدليل بأنه ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري فإنه الذي بالنظر فيه أو في صفاته وأحواله يحكم ببقاءه فهو كالعالم الذي جعله الأصوليون دليلًا فتدبر، لكنه ليس بدليل عقلي بل الخطاب المثبت له منشأ وواسطة لحكم العقل ببقاءه.

فما ربما يتخيل من أن اعتبار توسيط خطاب الشرع لا معنى له فاسد جداً لما عرفت من أن لولاه لم يحكم العقل بالبقاء وكيف كان فما ذكرناه من كون الاستصحاب دليلًا عقلياً إنما هو مبني على التعريف بالإبقاء أو الإثبات ونحوهما وأما بناءاً على سائر التعاريف‌


صفحه 263

فعده من الدليل العقلي لا يخلوا عن غموض وإشكال فإن المراد بالإبقاء هو حكم العقل بالبقاء ظناً أو حكم الشرع به.

وكيف كان فربما يقال لا فائدة مهمة في إطناب الكلام من النقض والإبرام في المقام بعدما اشتهر بينهم من أنه لا مشاحة في الاصطلاح فإن كلا منهم قد اصطلح في ذلك معنى غير ما اصطلحه الآخر لكنه لا يخلوا عن تأمل ونظر فإن ذلك إنما يتجه لو كان تغاير التعاريف من جهة التغاير في الاصطلاح كما في التغاير الواقع بين المتكلمين في تعريف علم الكلام حيث أن المتقدمين منهم قد عرفوه بأنه علم يبحث عن المبدأ والمعاد والمراد بالمبدأ ذات اللّه وبالمعاد صفاته وأفعاله والمتأخرون منهم عرفوه بأنه العلم بالقواعد الممهدة لحفظ القواعد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه فإن اختلافهم في التعريف ناشي‌ء عن اختلاف الاصطلاح بينهم فالأولون اصطلحوا في علم الكلام وجعلوه علماً لخصوص ما يبحث عن الذات والصفات والأفعال فعرفوه بما ينطبق عليه كما سمعت والآخرين اصطلحوا وجعلوه علماً لكل ما له مدخلية في إثبات المبدأ والمعاد ودفع الشبه الموردة عليه حتى يعم البحث عن ذلك وعن غيره من المسائل الحكمية فعرفوه بما يطابقه فليس لكل من الفريقين حينئذ الاعتراض على تعريف الآخر طرداً ولا عكساً فإن كلًا منهم يعرفونه على طبق ما عليه اصطلاحهم ولا مشاحة في الإصطلاح وأما لو كان الاختلاف في التعريف لا من جهة الاختلاف في الاصطلاح‌


صفحه 264

بل كان المصطلح عليه أمراً واحداً ولكن الاختلاف نشأ من اختلاف الأنظار كما في المقام لوحدة الاصطلاح فيه فإنه يصح الاعتراض وتخطئة بعضهم لبعض كما في الاستصحاب فإن الاختلاف في تعريفه إنما هو من جهة اختلاف أفهامهم وأنظارهم مع وحدة الاصطلاح فيه فإن بعضهم زعم أنه عبارة عن الحالة السابقة وآخر زعم أنه عبارة عن القاعدة وثالث أنه عبارة عن فعل المكلف ورابع أنه عبارة عن حكم العقل وهكذا فلا شبهه أنه حينئذ يتجه اعتراض كل منهم على تعريف الآخر حلًا ونقضاً طرداً وعكساً إذ الفرض أن الإختلاف غير ناشي‌ء عن تغاير الاصطلاح حتى يقال أنه لا مشاحة في الاصطلاح كما هو واضح.

حجية الدليل العقلي المستقل:

قد عرفت أن أدلة الأحكام الشرعية ومستندها ومداركها أربعة الأول الدليل العقلي ومن الواضح أن الدليل العقلي الموجب للقطع يقدم على سائر الأدلة النقلية لأن الأدلة النقلية إنما جعلها الشارع لإرشاد عقول المكلفين إلى الأحكام ومع جزم العقل بالحكم لا مجال لإرشاد الدليل إلى خلافه ولذا بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أولت لمخالفتها لدليل العقل كقوله تعالى: [وَجاءَ ربُك‌] أول بأمر ربك.


صفحه 265

نعم بعض الأدلة العقلية لما كانت دلالتها على الحكم عن عدم قيام الدليل من الشارع عليه كان قيام الدليل موجباً لعدم العمل بها كالاستصحاب والبراءة ونحوها كما أن بعض الأدلة العقلية غير المفيدة للقطع يقدم عليها الدليل الشرعي بالأدلة لم يوجد في الأحكام الشرعية الفرعية دليل يتنافى مع الدليل الشرعي بل كلها كانت مطابقة مع حكم العقل ثم إنك قد عرفت أن الدليل العقلي على قسمين الدليل العقلي المستقل والدليل العقلي غير المستقل.

أما وجه حجية الدليل العقلي المستقل فهو ما عرفته من ثبوت الحسن والقبح العقليين الذي هو مفاد صغراه كان يقال رد الوديعة حسن والظلم قبيح. ومن ثبوت الملازمة بين حكم العقل بالحسن أو القبح والحكم الشرعي بالوجوب أو الاستحباب أو بالحرمة أو الكراهة الذي هو مفاد كبراه فيقال كل حسن عقلًا واجب أو مستحب شرعاً أو كل قبيح عقلًا فهو حرام أو مكروه عقلًا وقد تقدم إثباتها. وأما حجية الدليل العقلي على الدليل على الحكم الشرعي كدليل الانسداد الدال على حجية الظن بناءاً على الكشف فهي مقدمات دليل الإنسداد نفسها. وهكذا حجية دليل العقل على الوظيفة عند العمل فهي مقدمات الدليل كمقدمات دليل الانسداد بناءاً على الحكومة وكمقدمات دليل البراءة العقلية والاحتياط العقلي أو التخيير العقلي كما ذكرناه في محله وأما حجية الدليل‌


صفحه 266

العقلي غير المستقل فقد ذكروا تحقيق الحال في محله لكل قسم منه من المفاهيم والاستلزامات والاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير والاستقراء والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة في كتب الأصول وإليك الكلام فيها على سبيل الاختصار.