بالسؤال المذكور يدل على أن العلة في القضاء هو الدين واشتغال الذمة وهذه الدلالة تسمى بدلالة الإيماء لأن فيها إيماء لعلة الحكم وبدلالة التنبيه لأن فيها تنبيه على علة الحكم وهي إنما كانت بواسطة حكم العقل بأن المتكلم الحكيم لابد من أن يكون جوابه بياناً للسؤال وإلا لخلا السؤال عن الجواب ولتأخر البيان عن وقت الحاجة فيكون الجواب مشتملًا على بيان الحكم المسئول عنه وهو إنما يشتمل على بيان الحكم لو كان يدل على العلة وإلا لكان الكلام أجنبياً عن السؤال.
وهكذا المدلول بدلالة الإشارة وهو المعنى اللازم من كلامين منفصلين لا ربط لأحدهما بالآخر كقوله تعالى: [وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً] مع قوله تعالى: [والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أنْ يُتِمّ الرَّضاعَةَ] فإن هاتين الآيتين تدلان على أن أقل الحمل القابل للوضع ستة أشهر حيث أن الأولى منهما دلت على أن مدة الحمل والإرضاع ثلاثون شهراً. والثانية دلت على أن مدة الرضاع أربعة وعشرون شهراً فإذا أخرجناها من الثلاثين بقي ستة أشهر تكون هي مدة الحمل اللازم تحققها في الحمل فلا يكون في أقل منها حملًا قابلًا للوضع فتكون هي أقل مدة للحمل القابل للوضع. وهذا أمر لا يدرك من الكلامين إلا بواسطة التأمل العقلي فيها وفي مقابل ذلك ما يسمى بالمدلول بدلالة العبارة وهو المعنى المتبادر من الكلام سواء كان مقصوداً منه بالذات أو بالتبع فإن دلالة الكلام
على المقصود بالذات أو بالتبع تسمى بدلالة العبارة فقوله تعالى: [أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّم الرِّبا] دال بعبارته على المعنى المقصود بالذات وهو نفي المماثل بين البيع والربا وعلى المعنى المقصود بالتبع وهو حلية البيع وحرمة الربا. وبعضهم سمى دلالة العبارة على المقصود بالتبع بدلالة إلى الإشارة أيضاً.
تقسيم المشهور للمنطوق إلى الصريح وغير الصريح:
المشهور قسموا المنطوق إلى الصريح وغير الصريح والصريح ما كان اللفظ موضوعاً له مطابقة أو تضمناً وغير الصريح هو ما لم يوضع له اللفظ وكان لازماً للمعنى وقسموه إلى المعنى المدلول عليه بالاقتضاء أو بالإيماء والتنبيه أو بالإشارة ولكن الحق هو ما ذهب إليه بعضهم من جعل الصريح هو المدلول عليه بالمطابقة أو بالتضمن وغير الصريح هو المدلول عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين وأما المدلول عليه بالاقتضاء أو الإيماء أو الإشارة فهو من المفهوم اللّهم إلا أن يكون لازماً بيناً فيكون من المنطوق غير الصريح.
تقسيم المفهوم إلى موافق ومخالف:
إن المشهور قسموا المفهوم إلى قسمين: أحدهما مفهوم الموافقة وثانيهما مفهوم المخالفة لأن الحكم المفهوم إن كان موافقاً للحكم المذكور في الثبوت والنفي فهو مفهوم الموافقة كقوله تعالى: [فلا تَقُلْ لَهُما أفٍ] فإنه يعلم من حرمة التأفيف حرمة الضرب. ثم إن الحكم المفهوم الموافق للمذكور إن كان فهم بطريق الأولوية بالحكم من المذكور سمي (فحوى الخطاب) كالمثال المتقدم وإن كان فهمه بطريق المساواة كدلالة قولنا لا تأكل مال اليتيم على حرمة إعطاءه لغيره إذ هو مساوي في الإتلاف سمي (لحن الخطاب) وإن كان الحكم المفهوم مخالفاً للحكم المذكور في الإثبات والنفي فيسمى مفهوم المخالفة ويسمى أيضاً دليل الخطاب وهو على أقسام.
مفهوم الشرط
أحدها مفهوم الشرط وهو الشيء المقترن بكلمة الشرط وقد علق الحكم عليه دون ما إذا أتي بمادة الشرط كأن يقال الشرط في وجوب إكرام زيد هو مجيئه فإنه لا إشكال في ثبوت المفهوم وإنما محل الكلام هو تعليق الحكم على شيء بأحد كلمات الشرط فإن المفهوم من التعليق المذكور هو انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط نحو إن جاءك زيد اكرمه فإنه يفهم من التعليق إن لم يجئك فلا تكرمه والتعليق المذكور يكون حجة يستدل به على ذلك عند أكثر أصحابنا وكثير من علماء العامة. وذهب السيد المرتضى وبعض أصحابنا والحنفية وأكثر المعتزلة إلى أنه لا يدل إلا على ثبوت الحكم مع ثبوت الشرط، أما انتفاءه عند انتفاء الشرط فلا دلالة فيه على ذلك لا التزامية ولا عقلية. وبهذا ظهر لك أن مرادهم من قولهم مفهوم الشرط هو مفهوم التعليق عليه والتقييد به. وكيف كان فقد استدل الأولون بتبادر المفهوم المذكور من التعليق المذكور وهو يقتضي ثبوت الدلالة اللفظية الوضعية ولو بنحو الالتزام وعليه فيكون التعليق على الشرط من الأدلة اللفظية على المفهوم لا العقلية.
نعم إذا لم تتم دعوى التبادر وثم الدليل العقلي على لزوم المفهوم للمنطوق كان من الأدلة العقلية بتعريف أن يقال أنه يستفاد من الشرطية وضعاً هو ترتب الحكم على الشرط ويستفاد من إطلاق
الترتب وأنه دائمي كون الشرط علة أو جزء الأخير للعلة. ويستفاد من عدم توقف الترتب على وجود شيء آخر مع الشرط كون الشرط علة لا جزء علة ويستفاد من عدم ما نعيه شيء آخر عن الترتب كون الشرط علة منحصرة وإن جهات الإطلاق بالنسبة إلى المراتب المسطورة ثابتة وعليه فيكون لازم ذلك التعليق عقلًا هو انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لأن المعلول ينتفي عند انتفاء علته المنحصرة. قال الأستاذ: الجملة الشرطية كما أنها تدل على الوجود عند الوجود تدل على العدم عند العدم أيضاً أم لا؟
وقد عرفت أن هذا النزاع راجع إلى النزاع في اشتمال مدلول المنطوق على خصوصية موجبة لذلك فالقائل بالمفهوم عليه أن يثبت تلك الخصوصية أما بدعوى دلالة الجملة على ترتب الجزء على الشرط نحو ترتب المعلول على علته التامة المنحصرة أو بالعكس أو مجرد ارتباط أحدهما بالآخر نحو ارتباط أحد المعلولين المشتركين في عللهما الوجودية بالآخر أو ارتباط الشيء بمقدميته المنحصرة ولو لم يكن علة أو نحو ارتباط أحد الأمرين غير المنفك أحدهما في الوجود بالآخر فإن المقصود (أي الانتفاء عند الانتفاء) يحصل بكل واحد من الأمور المزبورة ولا ينحصر طريق إثباته على علية الشرط للجزء على نحو الانحصار كما يظهر من بعض المحققين حيث قال لابد للقائل بالمفهوم من إقامة الدليل بأحد الوجهين أما بالوضع أو بالقرينة العامة على خصوصية مستبقة لترتب الجزاء على الشرط نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة كما ظهر أنه لا يكفي للمنكر
منع دلالتها على وجود العلاقة اللزومية لما عرفت من كفاية دلالتها على الملازمة الإتفاقية يعني كون أحدهما بحيث لا ينفك عن الآخر كما أنه لا يكفيه منع الدلالة على ترتب الثاني على الأول لجواز كون الثاني علة منحصرة للأول أو كونهما معلولين لعلة واحدة من غير أن يختص الثاني بعلة ولا منع ترتبه على الأول نحو ترتب المعلول على علته لكفاية ترتبه عليه نحو ترتب الشيء على مقدمته المنحصرة.
نعم ظهور دلالتها على الوجود عند الوجود مطلقاً بدفع الدعوى الأخيرة لعدم استلزام المقدمة المنحصرة وجود ذيها إلا الجزء الأخير منها كما أن ظهورها في اللزومية أي وجود علاقة العلية بالمعنى الأعم بين الجزئين يمنع الاتفاقية مطلقا بل ظهورها في ترتب الثاني على الأول يمنع دعوى العكس أو التشارك في العلة كل ذلك للتبادر إذ المتبادر من ترتب الثاني على الأول وجود العلاقة يعني علاقة معلولية الثاني للأول بينهما وهو مانع عن دعوى العكس أو مجرد الاتفاق أو التشارك في العلة أو الترتيب على غير العلة لعدم اطراد الترتب على غير العلة فيخرج الترتب على الشرط وعدم اشتراط وجود شيء آخر معه فيخرج الترتب على الجزء الأخير وعدم مانعية سبق شيء آخر أو لحوقه أو مقارنته عنه فتنحصر العلية فيه وربما يدعى التبادر بالنسبة إليه أيضاً ويقال إن الظاهر منهما ترتب الثاني على الأول نحو ترتب المعلول على علته التامة المنحصرة ومنعه بعض المحققين نظراً إلى كثرة استعماله في التعليق في غيرها.
كما أنه ربما يدعى انصرافها لكونها أكمل أفرادها ويدفع تارة بالمنع من أكمليتها بل يمنع من اختلاف سنخ العلاقة العلية والمعلولية بين العلة المنحصرة والمتعددة قائلًا أنها علاقة واحدة غاية الأمر قيامها في أحدهما بالمتعدد وفي الآخر بالواحد وأخرى بالمنع من كون الأكملية موجبة للانصراف ثم جعل الدلالة على انحصار العلة قضية الإطلاق بمقدمات الحكمة كما أن قضيته في صيغة الأمر هو الوجوب النفسي ومنعه بأنه فيما ثبت مقدمات الحكمة ولا يتم فيما هو مدلول الحرف سلمنا لكن قياس ما نحن فيه بصيغة الأمر في غير محله ضرورة أن الوجوب الغيري هناك محتاج إلى زيادة قيد وهو الوجوب عند وجوب غيره فعدم البيان في محله كاشف عن إرادة الوجوب بخلاف أنواع العلائق اللزومية فإن كل واحدة منها محتاجة إلى بيان. ثم نقل عن بعض الأساطين التمسك لذلك بإطلاق الشرط بتقريب أنه لو لم يكن بمنحصر لزم تقييده ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما آثر وحدة قضية الإطلاق أنه يؤثر مطلقاً ودفعة بأنه لا يكاد ينكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقة كذلك إلا أنه من المعلوم ندرة تحققه لو لم نقل بعدم إتفاقه. وبالجملة منع من استفادة العلية المنحصرة منها نظر إلى عدم الإطلاق مع تسليم دلالتها على أصل العلية وفيه مواقع للنظر.
أماأولًا: فلأن احتياج كل نوع من أنواع العلائق اللزومية إلى بيان لا يمنع من التمسك بالإطلاق على نحو ما يتمسك بإطلاق في الهيئة لدفع الوجوب الغيري وهو إحتياجه إلى القيد منه دون النفس
نعم هو يمنع عن التمسك بإطلاق أداة الشرط نحو ما يتمسك بإطلاق الهيأة لإثبات الوجوب في قبال الندب أو الوجوب التعيني في قبال التخيري.
وثانياً: إنما نسلمه مع جريان المقدمات إنما يتم إن سلم الدلالة على الترتب بين الجزاء والشرط نحو ترتب المعلول إلى علته وقد منع سابقاً بنحو (إن قلت) إنما منع من دلالة الشرطية على ذلك وضعاً وتبادراً ولم يمنع من استفادته من الإطلاق؟ قلنا نعم لكن المنع من دلالة الإطلاق على الانحصار لا يجامع دلالته على ترتب التالي على المقدم ترتب المعلول على علته ونحن نقول منشأ استفادة ترتب الجزاء على الشرط نحو ترتب المعلول على العلة بعد المنع عن الوضع لا يكون سوى الإطلاق يعني أنها تدل على وجود الثاني بعد الأول وبالإطلاق يستفاد أنه كذلك كان مع الأول شيء أم لا، فمع تسليم الإطلاق ودلالته على الترتب الخاص كيف يمكن منع دلالتها على انحصار الأول في العلية والمنع عن الإطلاق بالنسبة إلى سبقه بشيء آخر أو عدمه. وبالجملة إطلاقها بالنسبة إلى المنع من اعتبار وجود شيء آخر مع الشرط الذي يستفاد عدم مدخلية شيء آخر فيه فيكون علة أو عدم مانعية سبقه شيء أو لحوقه المستفاد منه كونه علة منحصرة بمناط واحد فلا يسمع إنكار الثاني ممن أذعن بالأول اللّهم إلا من يدعي تبادر ترتب الجزاء على الشرط ترتب المعلول على علته وضعياً أي وضع الأداة للدلالة على وجود العلاقة الخاصة بين طرفي