أمكن فيه ذلك ليس إلا للإطلاق المرتفع مقدماته بظهور دليل السببية فهو وارد على إطلاق المسبب الموجب لعدم إمكان الاشتغال به مكرراً إذ لا يمكن تعدد الاشتغال مع وحده المشتغل به فيدور الأمر بين جعل المسبب مختلفاً ولو بالشخص وهو التصرف في الإطلاق أو رفع اليد عن ظهور دليل السببية وهو مجاز. ولو سلمنا كونه تصرفاً في الإطلاق أيضاً فلا أقل من كون تقييده أبعد عرفاً وهذا بخلاف ما لا يمكن التكرار حيث لا محيص فيه إلا عن التصرف في دليل السببية.
وقد يسلم اقتضاء تعدد السبب تعدد المسبب الموجب لتعدد الاشتغال لكن يقال إن ذلك لا يقتضي تعدد الإمتثال لجواز كون المسبب عن كل سبب مغايراً في النوع والحقيقة مع المسبب عن الآخر ومعه موجب لتكرار الامتثال لتصادف الحقيقيتين اللتين أشغلت الذمة بهما في واحد فبإتيان المجمع يحصل الامتثال للأمرين كما إذا أكرم العالم الهاشمي وكان الواجب عليه إكرام كل من العالم والهاشمي.
إن قلت: فعلى هذا يجتمع في المجمع حكمان متماثلان واجتماع المثلين كاجتماع الضدين في الاستحالة.
قلت لا يلزم من تحقق الامتثالين بالمجمع اجتماع الحكمين بل يكفي فيه اجتماع جهتهما. وفيه ان الأمر وإن كان كذلك مع إحراز قابلية اجتماع الحقيقتين في المصداق إلا أن الحكم عند الشك هو
قاعدة الاشتغال ولا طريق إلى العلم به وقد يمنع عن اقتضاء تعدد السبب تعدد الاشتغال غاية الأمر اقتضاءه تعدد الوجوب وهو لا يقتضي الاشتغال إذا تعلق الجميع بطبيعة واحدة لجواز حصول التأكيد في الثاني وأين ذلك من تعدد الاشتغال الموجب للتصرف في المسبب بالتقييد وجوداً أو حقيقة؟ ويمكن الجواب عنه بما أفاده شيخنا الأكبر (ره) من أن المسبب للأسباب المتعددة ليس هو الطلب الصادر عن المتكلم ضرورة حصوله قبل وجود المسبب بالكلام الدال على السببية نفسه بل المسبب المتأخر عن سببه اشتغال الذمة بالفعل الفلاني ومن المعلوم أن تعدد الاشتغال لا يكون إلا مع تعدد المشتغل به كما قد حدث اشتغال الذمة بدرهم أو بضيافه مرتين فإنه لا إشكال في تعدد الفعل.
ودعوى أن المتحقق بعد الشرط هو تنجز الطلب فهو بمثابة تكرار الطلب المنجز بقوله اضرب اضرب مدفوعة بعد ظهور التأكيد في المثال المذكور بالفرق بينهما وفهم اشتغال فيما نحن فيه على نحو ما يفهم عند افتراق السببين عن الآخر والسر فيه أن المستفاد من أدلة السببية كون السبب سبباً للفعل ومؤثراً فيه في نظر الآمر وهو الذي دعاه إلى الأمر به عنده فلو يرضى بتخلفه عنه فاللازم من تعدد السبب وتعدد التأثير تعدد الفعل لا مجرد تعدد طلبه فافهم فإنه لا يخلو عن دقة. فتلخص من جميع ما ذكرناه أن الظاهر من الشرطية هو سببية كل واحد من الأسباب المسبب غير المتسبب له الآخر بالمغايرة الوجودي الحقيقي، ورفع اليد عن ظهور السببية في
ذلك يحملها على مجرد بيان عدم الانفكاك في الخارج تجوز فيه، فتعين أحد التصرفين يعني التصرف في الإطلاق المسبب أما بإرادة التعدد وجوداً أو نوعاً ومقتضى الأول عدم التداخل لعدم تعلق تداخل الوجودين وتصادفهما بل وكذا الثاني فإن مقتضى القاعدة عدم تداخل النوعين أيضاً إلا أن يعلم من الخارج إمكان اجتماعهما في واحد.
ودعوى أن المسبب عبارة عن الطلب وتكرر تعلقه بمتعلق واحد لا يقتضي إلا تأكدة كما مر مدفوعة بأن المسبب هو اشتغال الذمة بمتعلقه ولا يعقل اشتغال الذمة بشيء واحد وجوداً وحقيقة متعدداً. ثم إن بعض المحققين جعل وجود التصرف في القضية بعد عدم إمكان عدم التصرف في شيء من طرفيها عقلًا لاستلزامه اجتماع المثلين يعني الوجوديين في موضوع واحد أربعة:
أحدها: حمل المسبب على إرادة الفرد.
والثاني: حملة على الطبيعتين المختلفتين.
ومقتضى الثاني التداخل السببي إن أحرز جواز اجتماعهما. ومقتضى الأول عدم التداخل لما عرفت من عدم إمكان تداخل الفردين.
والثالث: حمل الوجوب في أحدهما على التأكيد.
والرابع: دفع اليد عن ظهور الشرطية في السببية. ومقتضى الوجهين الآخريين هو التداخل السببي. ثم جعل أقرب الوجوه
الأول لأنه تصرف في إطلاق المسبب وليس فيه مخالفة ظاهرة بعد ظهور دليل السبب في العلية. وفيه إنه لا يجوز على التصرف الثاني أيضاً إذ لا يلزم منه سوى تقييد إطلاق يكفي في دفع مقدماته ظهور الجملة الشرطية يعني أن مقتضى سببية السبب وتعدده تعدد المسبب فيجب تقييد المسبب على وجه يوجب تعدده وأما أنه باعتبار وجود آخر أو حقيقة أخرى يمكن التصادف مع صاحبها أو غير ممكنة فلا معين لشيء منهما بل يمكن منع أقربية التصرف بأحد الوجهين من الحمل على التأكيد أيضاً وذلك لأن الوجوب التأكيدي لا يغاير الوجوب التأسيسي بوجه غير أن المحل إذا كان مشغولًا بمثله أفاد إنشاء الوجوب تأكيد الموجوب بل لو قلنا بإختلاف نسخ الوجوب لسبب اختلاف الداعي تأكيداً أو تاسيساً لا يلزم تجوزاً أو تقييداً أيضاً إلا أن يدعي ظهور حال المتكلم في تعلق غرضه بإفادة المدلول نفسه دون ما يترتب عليه من الفوائد فيكون بمنزلة القرينة على التقييد بأحد الوجهين.
مفهوم الصفة
ثانيها مفهوم الصفة أي أن تعليق الحكم على ذات موصوفه يفهم منه انتفاء الحكم عن تلك الذات إذا انتفت عنها تلك الصفة كقوله (ص): (في الغنم السائمة زكاة) فإنه يفهم منها انتفاء الزكاة عن الغنم إذا انتفى عنها السوم فيكون التعليق المذكور والتقييد المذكور حجة يستدل بها على ذلك. وينسب القول بذلك إلى الشيخ والشهيد وبعض أصحابنا والشافعي وأحمد والأشعري وذهب المرتضى (ره) والمحقق والعلامة وأكثر أصحابنا وبعض العامة إلى عدم ذلك. وبهذا ظهر لك أن مرادهم بمفهوم الصفة هو مفهوم التعليق على الصفة أو التقييد بها وإلا فالصفة لا مفهوم لها كما أن محل كلام القول هو صورة ذكر الصفة لا صورة ما إذا ذكر مادة الصفة كأن يقول الغنم بوصف أو الموصوفة بأنها سائمة تجب فيها الزكاة فإن الظاهر هو دلالته على الانتفاء عند الانتفاء. للتبادر وكيف كان فإثبات أن التعليق على الوصف يدل على المفهوم المذكور إن كان بالتبادر كان من الأدلة اللفظية على المفهوم المذكور لأنه يكون مستفاداً من اللفظ وأما إذا كان إثبات دلالة التعليق المذكور على المفهوم المذكور بدلالة العقل باعتبار أن التعليق على الوصف يكون لغواً إذا لم ينتفِ الحكم عند انتفائه حيث لا فائدة فيه سوى ذلك فلا يصدر من المتكلم الحكيم كان التعليق المذكور من الأدلة العقلية
على المفهوم المذكور وإن كان الحق أن التعليق على الوصف لا يدل على المفهوم المذكور أعني انتفاء الحكم عن الذات الموصوفة عند انتفاء وصفها لعدم تسليم تبادر ذلك من التعليق المذكور ولا نسلم لغوية التعليق على الوصف عند عدم انتفاء الحكم بانتفاءه إذ قد يعلق الحكم على الوصف لفوائد أخرى كالتوضيح أو إظهار الاهتمام بموصوفها أو لرفع تخيل عدم ثبوت الحكم لموصوفها كما تقول أكرم العالم الفاسق إذا دخل داري ووجود الدلالة في بعض الموارد لا ينفع إذ محل الكلام في ثبوت الدلالة نوعاً وكون الأصل في القيد احترازياً لا ينفع في ثبوت المفهوم إذ لا يراد منه إلا بيان حصر الموضوع في القضية في المقيد وهو مسلم وإنما الإشكال في الدلالة على ارتفاع سنخ الحكم من غير المقيد وحملهم للمطلق على المقيد لا ينفع في ثبوت المفهوم إذ حملهم إنما يكون مع إحراز وحدة الحكم فإنه لا يجامع تعدد الموضوع ومع عدم الإحراز لا يحمل وهذا لا يقتضى ثبوت دلالة التعليق على الوصف على المفهوم نوعاً وفي حد ذاته من دون قرينة حالية أو مقالية.
قال الأستاذ (ره) هل تقييد الموضوع بالوصف وما في حكمة يدل على انتفاء سنخ الحكم عن غير مورد المقيد أم لا؟ التحقيق هو الثاني لأن ما يمكن أن يكون وجهاً للأول ليس إلا الوضع أو القرينة العامة من لزوم لغوية التقييد لو لم يكن مفهوماً.
أو ما يقال من إشعاره بعلية القيد أو أن الأصل فيه أن يكون احترازياً أو تسالموا عليه من حمل المطلق على المقيد ولكن الأول ممنوعة جداً أو اللغوية موقوفة على انحصار فائدة التقييد في المفهوم وهو مسلم مع انحصار الفائدة لكن الإشكال فيه والإشعار بالعلية لا ينفع والدلالة عليها ممنوعة سلمنا لكنها إنما تنفع مع انحصار العلة ولا دلالة على حصرها في القيد المزبور بل ولا إشعار ولو سلم وجود الدلالة في مورد فهو مسلم ولكن الكلام في ثبوت الدلالة نوعاً وأنى لهم بإثباتها وكون الأصل في القيد احترازياً لا ينفع في ثبوت المفهوم إذ لا يراد منه إلا بيان حصر الموضوع في القضية في المقيد وهو مسلم وإنما الإشكال في الدلالة على ارتفاع سنخ الحكم عن غير المقيد. ومنه يظهر الجواب عن حمل المطلق على المقيد إذ الحمل إنما هو مع إحراز وحدة الحكم وهو لا يجامع تعدد الموضوع فليس معنى الحمل إلا أن الموضوع لهذا الحكم الشخص ليس إلا المفيد وأين هذا من الدلالة على المفهوم.
تذنيب:
هل مقتضى ثبوت المفهوم للقيد نفي الحكم عن المطلق العاري عن الوصف أو نفيه حتى عن غير المطلق؟ مثلًا إذا قال أكرم العالم العادل مقتضى مفهوم الوصف فيه نفي وجوب الإكرام عن العالم غير العادل أو حتى عن الجاهل غير العادل؟ لعله يختلف المقال بحسب اختلاف منشأ اعتبار المفهوم فإن استند فيه إلى لزوم اللغوية
مع عدمه كان مقتضاه نفيه عن المطلق لا عن غيره أيضاً وإن استند إلى استفادة العلية كان مقتضاه نفيه عن غير مورد المطلق أيضاً إلا أن يدعي أن غاية ما يستفاد على فرض التسليم عليه الوصف لثبوت الحكم لخصوص المطلق لا مطلقاً ولعل من زعم دلالته مثل قوله في الغنم السائمة زكاة على أنه لا زكاة في معلوفة الأبل استفاد العلية على الوجه الأول.
مفهوم الغاية
ثالثها مفهوم الغاية أي أن تعليق الحكم على الشيء بأحد حروف الغاية كإلى وحتى يدل على انتفاءه عما يذكر بعدها؟ فإذا قال الشارع سر من الكوفة إلى البصرة كان تعليق وجوب السير من الكوفة إلى البصرة يدل على عدم وجوب السير في البصرة وقد ذهب إلى دلالة التعليق بالغاية والتقييد به على انتفاء الحكم عن الغاية الأكثر من أصحابنا وأغلب العامة بل كل من قال بمفهوم الشرط فزعموا أنه يصح إن يستدل به على مخالفة ما بعد حروف الغاية لما قبلها في الحكم. وذهب السيد المرتضى (ره) من أصحابنا والشيخ البهائي (ره) في مشرق الشمسين عند تفسير قوله تعالى: [إلى الْمَرافِقِ] وبعض الحنفية على عدم الدلالة وقالوا إن المستفاد من اللفظ هو ثبوت الحكم إلى الغاية وأما ما بعد حروف الغاية فمسكوت عنه لا يحكم عليه بثبوت حكم ما قبلها له ولا بعدم ثبوته إلا بدليل آخر. وبهذا ظهر لك أن مرادهم من مفهوم الغاية هو التعليق عليه كما أن محل كلامهم هو التعليق على الغاية بالحروف كإلى وحتى دون صورة التصريح بمادة الغاية كأن يقول غاية وجوب الصوم هو سقوط القرص فإن الظاهر أنه لا خلاف لهم في الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء كما صرح بذلك المرحوم الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة في شرح مقدمة كتاب جدنا كاشف الغطاء.