يخوفه بأخذه مال الغير أو بضرب غيره ليس بإكراه إلا إذا كان ذلك الغير يجري مجرى ولده أو والده- انتهى.
المقام الثالث في أحكام أفعال المضطر إليها
ثم إن الكلام في الإضطرار تارة يكون من ناحية حكمه باعتبار أنه عمل من الأعمال صدر من الملجيء، والحكم هو الحرمة لأنه جناية على غيره ونوع من الظلم إلا إذا كان إضطراراً لأمر مشروع كجبر المالك على بيع ماله في المخمصة وليس هو محل الكلام، وتارة يكون من ناحية تأثير الإضطرار في حكم الفعل المضطر إليه وهو محل كلامنا فنقول: لا ريب في أن الأحكام التكليفية لا تثبت عندنا للعمل المضطر إليه كحركة المرتعش لعدم القدرة عليه ويكون التكليف به تكليفاً بما لا يطاق ولذا اشتهر أن الضرورات تبيح المحضورات خلافاً للأشاعرة حيث جوزوا التكليف بما لا يطاق وقد تقدم في بحث شرطية القدرة تفصيل الكلام فيه. وأما بالنسبة للأحكام الوضعية فالمعاملات المضطر إليها باطلة وإن تعقبت بعد ذلك بالرضا لأنها تصدر من الإنسان بلا إرادة واختيار لها لعدم إرادة المعنى في إنشائها وتكون الألفاظ الصادرة منه فارغة عن المعاني كمن يضرب الإنسان ضرباً شديداً ليقول طلقت أو بعت فهي ليست بعقود ولا إيقاعات حتى ينفع فيها الرضا.
إن قلت إنه قد يضطر إلى بيع داره لفقره أو لسوء جواره مع أنه لا إشكال في صحة البيع؟ قلنا: هذا ليس من الإضطرار في شيء لأن الاضطرار كما تقدم ما يسلب به الاختيار والإرادة ويكون العمل معه ليس تحت تصرف الإنسان، نعم لو سلب اختياره وإرادته في البيع كأن ضرب حتى فقد إرادته وإختياره في البيع كان من الإضطرار وأما الأسباب الموجبة للضمان كالإتلاف ونحوه أو الملكية كالحيازة ونحوها فالظاهر أن الإضطرار إن كان من شخص له على ذلك فهو بمنزلة الآلة ويكون هذا المقام من أجلى مصاديق ما كان المسبب أقوى من المباشر وإن كان من جهة الظروف والأحوال كأن كان نائماً فسقط على شيء فأتلفه فإنه ينسب السبب له فيترتب عليه أثره وهكذا الكلام في حيازته ونحوها إن لم نقل أنه يعتبر فيها القصد إلى التملك.
المقام الرابع في أحكام الأفعال المكره عليها
إعلم أن الكلام في الإكراه تارة من ناحية حكمه باعتبار أنه عمل من الأعمال صدر عن المكرِه (بالكسر) وهو بهذا الإعتبار لا ريب في حرمته لأنه نوع من الظلم إلا إذا كان إكراه على حق كإكراه المديون على وفاء الديون وليس هو محل كلامنا وتارة من ناحية حكم فعل المكرَه عليه. فنقول: لا ريب في أن عدم الإكراه
المعتبر في الأحكام الشرعية في الجملة، وتفصيل الكلام يقتضي شرح المقال في جهات:
الأولى: في الإكراه بالنسبة إلى التكاليف الشرعية، فنقول: إن الإختيار التام المقابل للإكراه شرط في التكاليف كافة ولا تكليف على المكرَه فيما أكره عليه فإنه لو وعده بالضرر إذا صلى بحيث خاف منه جازله ترك الصلاة ولا فرق بين فعل الحرام أو ترك واجب والمسئلة مما لا بحث فيها وكيف كان فالدليل على عدم التكليف للمكرَه عليه الإجماع وقوله تعالى: [لا إِكْراهَ في الدّينِ] إذا فسرناه بأنه لا تكليف يتعلق بالمكرَه عليه في الدين وقوله تعالى: [إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ] وقوله تعالى: [وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ الله مِنْ بَعْدِ إِكراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ] وغير ذلك من الآيات وقوله (ص): (رفع عن أمتي تسعة) وعدّ منها: (ما إستكرهوا عليه) وبالجملة فالدليل على كون الإكراه موجباً لرفع التكليف في الفعل الحرام وترك الواجب واضح لا ستر فيه وكفى في ذلك أدلة الحرج وأدلة نفي الضرر وأدلة التقية شاهداً ومؤيداً.
نعم استثني من ذلك قتل النفس المحترمة فإنه حتى لو أكره عليه فإنه حرام لما تقدم في مبحث التقية من أنه لا تقية في الدماء نصاً وإجماعاً.
وألحق الشيخ (ره) الجرح أيضاً إدراجاً له تحت الدماء المذكورة في النص والمشهور على خلافه لأن المتبادر من الدم هو
القتل واستدل على ذلك صاحب العناوين بأنه لا ريب في أن حفظ النفس في نظر الشارع أقوى وأولى من غيرها ولذلك نرى أن المحرمات من قبيل شرب الخمر وأكل الميتة ونحوهما كلها تحل إذا كان المقام مقام الخوف على النفس وكذلك الواجبات من الصلاة أو صوم أو نحوهما تسقط بعد معارضة الخوف على النفس لمرض ونحوه وهذا الإستقراء مع ما علم من طريقة الشارع إهتمامه بحفظ النفس يقضي بإرتفاع كل عقوبة وإثم عن فعل حرام أو ترك واجب إذا عارضه الخوف على النفس وذلك واضح وهذا معنى قولنا إن المكرَه لا إثم عليه ثم قال ومن هنا ظهر سر عدم التقية في الدماء إذ علم مما مر أن سبب التقية هو حفظ النفس وحيث كان المقام مقام إتلاف النفس فلا وجه للتقية لأن المحذور حاصل ولا ترجيح لإحدى النفسين في نظر الشارع فكما يجوز قتل النفس حفظاً للأخرى كذلك يجوز العكس ولا وجه للترجيح. مضافاً إلى أن القتل للأولى محقق وللثانية محتمل إذ لعل المكرِه (بالكسر) لا يفعل- انتهى، ولا يخفى عليك ما فيه فإنه مضافاً إلى كونه أخص من المدعى لأن الإكراه قد يكون بالوعد بأخذ المال أو التعدي على العرض فلا يكون معه خوف على النفس إنه لا وجه لما ذكره أخيراً من السر في عدم التقية في الدماء لأنه لو تم لاقتضى عدم التقية في المال فيما لو خاف على ماله لو لم يتصرف في مال غيره فإنه أيضاً يقال إنما شرعت التقية لحفظ المال فإذا بلغت التقية المال فلا تقية اللهم إلا أن يقال إن أصل تشريع التقية لحفظ النفس وتشريعها لحفظ المال والعرض من توابع
ذلك كما هو ظاهر النص هذا كله في وقوع التكليف بالعمل المكرَه عليه ولكنهم اختلفوا بالمكره على فعل هل يصح أن يكون مكلفاً به أم لا؟ فمن جوز تكليف ما لا يطاق جوزه وأما المانعون منه فقالوا: إن لم يبلغ الإكراه إلى حد الإلجاء صحَّ تكليفه عقلًا وإن بلغ بحيث صار وجود الفعل منه واجباً وعدمه ممتنعاً إمتنع التكليف به إيجاداً أو إعداماً. والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الإضطرار ونسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه كنسبة حركة المرتعش إليه إن تكليفه به إيجاداً أو إعداماً غير جائز عقلًا إلا على القول بتكليف مالا يطاق وإن كان بالإكراه لم يخرج إلى حد الإضطرار فالتكليف جائز عقلًا لكنه ممتنع الوقوع سمعاً وفي المحكي عن النهاية أنه قد اختلف في المكرَه على الفعل هل يصح تكليفه؟ الحق أن نقول إن بلغ الإكراه إلى حد الإلجاء بحيث صار نسبة ما يصدر منه كنسبة الحجَر في هبوطه إليه لم يجز التكليف به وإلا جاز.
الإكراه على العبادات لا ينافي صحتها:
(الجهة الثانية): في الإكراه على العمل العبادي. فنقول: إنه إذا أكره العبد على العمل العبادي كالصلاة فريضة جماعة أو منفرداً أو نافلة أو على الزكاة أو على الحج ولم يفعله إلا بسبب الأكراه عليه بأن أتى بالعمل العبادي بقصد القربة بسبب الإكراه عليه كما يفعله ولاة الأمر بالمعروف مع الناس وكما يفعله المؤدب مع تلاميذه وكما يفعله الآباء مع الأبناء في التربية على العبادة والدليل على الصحة
هو العمومات كتاباً وسنةً فإن أدلة العبادات التي هي منها تشملها حقيقة وتنطبق عليها واقعاً وذلك يقتضي صحتها.
إن قلت أن هذا ينافي قصد القربة ونية الإمتثال؟
قلنا إن الإكراه نظير ما يأتي بالعمل العبادي لدفع الضرر أو جلب النفع أو خوف العقاب أو قصد ترتب الثواب فإن الكثير من الصلوات يأتى بها لأجل الرزق أو لدفع المرض أو العدو ونحو ذلك فإن سببية ذلك لا ينافي قصد القربة ولا ريب في أن المكرَه على العمل العبادي من قبيل ذلك فإنه يأتي به لدفع ضرر المكرِه اللهم إلا إذا لم يقصد القربة في عمله أصلًا فالعمل غير صحيح ويكون كالهازل في عمله. هذا وإنما قلنا بصحة العبادة المكرَه عليها بناءاً على ما هو الحق والمشهور من كفاية نية القربة في صحة العبادة وإن كان الباعث إليها جلب نفع أو دفع ضرر دنيوي أو آخروي بحيث لولاه لم يقصد التقرب. وأما على مذهب ابن طاووس من أن اللازم في عبادية العبادة ملاحظة كون المولى أهلًا للإمتثال مجرداً عن التعليل بنفع أو دفع ضرر فاللازم البطلان. إن قلت إن حديث الرفع يقتضي رفع الأثر وهو عن هذا المكرَه عليه فلا يسقط بالعمل المذكور التكليف لأن سقوط التكليف من أثار العمل العبادي فلا يكون صحيحاً؟
قلنا: أولًا لا نسلم أن سقوط التكليف بالعمل أثر شرعي بل هو أمر واقعي فإن السقوط تابع للمطابقة للمطلوب وهو أمر واقعي ولو سلمناه فحديث الرفع وارد لرفع الآثار الشرعية المرتبة على
وجود العمل المكره عليها كالصلاة المكره عليها ولاريب في أن الصلاة يكون من آثارها سقوط التكليف وعدم إعادتها فمقتضى رفع الأثر المذكور هو رفع سقوط التكليف بها ورفع عدم إعادتها الذي مرجعه هو ثبوت عدم سقوط التكليف وثبوت إعادتها فهو يدل على مطلوب ابن طاووس وهذا لا ينافي ما تقدم منا من أن الإكراه لو تعلق بترك واجب أو مندوب أو فعل محرم أو مكروه يسقط حكمه من الوجوب أوالإستحباب أو الحرمة أو الكراهة.
(الجهة الثالثة): في الإكراه بالنسبة إلى الأحكام الوضعية. فنقول إن الإكراه على أسباب الضمان من إتلاف أو جناية أو إثبات يد أو استيفاء منفعه أو انتفاع موجب لرفع الضمان عن المكرَه (بالفتح) وموجب لثبوته على المكرِه (بالكسر) وليس ذلك كالغرر وإن كان كلام بعضهم كعبارة الروضة يقضي بعدم الفرق، والوجه في ذلك أن أسباب الضمان مع حصول الإكراه لا تصدق على المكرَه (بالفتح) فإنه لا يعد متلفاً ولا مضراً ولا صاحب يد ونحو ذلك بل كل ذلك يصدق على المكرِه (بالكسر) بل هو من أجلى إفراد تقديم المسبب على المباشر.
نعم هنا إشكال وهو أن السبب في عدم ضمان المكرَه (بالفتح) لو كان عدم صدق الأدلة بالنسبة إليه فَلِمَ يقولون بالضمان في قتل النفس؟ وإن لم يكن كذلك فلا وجه لعدم ضمان المكرَه (بالفتح) بعد صدق السبب! نعم لو كان الإكراه بحيث يسلب القصد ويكون
المكرَه كالآلة فهناك لا يصدق السبب ولا يصير ضمان عليه وهو خارج عن محل البحث بل عن الإكراه أيضاً ويدخل في عالم الإضطرار.
وربما يقال إن وجه القول بكون القاعدة إنما هي عدم ضمان المكرَه (بالفتح) لأن السبب أقوى من المباشر ولكن خرج الدم بالإجماع والنص، أو نقول إن القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) في جميع الموارد ولكن يرجع إلى المكرِه (بالكسر) كالمغرور بالإجماع وهو إنما قام في غير الإكراه على قتل النفس ولكن دعوى الإجماع على ذلك في غاية الإشكال وكون القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) هو أشكل لما عرفت أن القاعدة تقتضي عدم ضمان المكرَه فالحق إن وجه الإستثناء للإكراه على قتل النفس إنما هو من جهة النص والإجماع على أن المكرَه هو الضامن.
فتلخص أن مصير المشهور إلى عدم ضمان المكرَه في محله على القاعدة وأما ضمانه في باب الدم فللنص والإجماع. وربما يقال إن صدق السبب على المكرَه على القتل من جهة أن الإكراه في العرف إنما يعتبر فيما كان المخوف منه أمراً أعظم مما أكره عليه كما هو الغالب فإن من أكره بدفع ألف حذراً من دفع واحد أو من أكره لدفع واحد حذراً من الوقوع في واحد آخر مثله لا يعد مكرهاً عرفاً وعادةً فهنا أيضاً نقول كونك مكرهاً على قتل النفس لا يكون إلا مع كون ما تحذر منه أشد مما تقع فيه والفرض أن قتل نفسك ونفسه