ذلك كما هو ظاهر النص هذا كله في وقوع التكليف بالعمل المكرَه عليه ولكنهم اختلفوا بالمكره على فعل هل يصح أن يكون مكلفاً به أم لا؟ فمن جوز تكليف ما لا يطاق جوزه وأما المانعون منه فقالوا: إن لم يبلغ الإكراه إلى حد الإلجاء صحَّ تكليفه عقلًا وإن بلغ بحيث صار وجود الفعل منه واجباً وعدمه ممتنعاً إمتنع التكليف به إيجاداً أو إعداماً. والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الإضطرار ونسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه كنسبة حركة المرتعش إليه إن تكليفه به إيجاداً أو إعداماً غير جائز عقلًا إلا على القول بتكليف مالا يطاق وإن كان بالإكراه لم يخرج إلى حد الإضطرار فالتكليف جائز عقلًا لكنه ممتنع الوقوع سمعاً وفي المحكي عن النهاية أنه قد اختلف في المكرَه على الفعل هل يصح تكليفه؟ الحق أن نقول إن بلغ الإكراه إلى حد الإلجاء بحيث صار نسبة ما يصدر منه كنسبة الحجَر في هبوطه إليه لم يجز التكليف به وإلا جاز.
الإكراه على العبادات لا ينافي صحتها:
(الجهة الثانية): في الإكراه على العمل العبادي. فنقول: إنه إذا أكره العبد على العمل العبادي كالصلاة فريضة جماعة أو منفرداً أو نافلة أو على الزكاة أو على الحج ولم يفعله إلا بسبب الأكراه عليه بأن أتى بالعمل العبادي بقصد القربة بسبب الإكراه عليه كما يفعله ولاة الأمر بالمعروف مع الناس وكما يفعله المؤدب مع تلاميذه وكما يفعله الآباء مع الأبناء في التربية على العبادة والدليل على الصحة
هو العمومات كتاباً وسنةً فإن أدلة العبادات التي هي منها تشملها حقيقة وتنطبق عليها واقعاً وذلك يقتضي صحتها.
إن قلت أن هذا ينافي قصد القربة ونية الإمتثال؟
قلنا إن الإكراه نظير ما يأتي بالعمل العبادي لدفع الضرر أو جلب النفع أو خوف العقاب أو قصد ترتب الثواب فإن الكثير من الصلوات يأتى بها لأجل الرزق أو لدفع المرض أو العدو ونحو ذلك فإن سببية ذلك لا ينافي قصد القربة ولا ريب في أن المكرَه على العمل العبادي من قبيل ذلك فإنه يأتي به لدفع ضرر المكرِه اللهم إلا إذا لم يقصد القربة في عمله أصلًا فالعمل غير صحيح ويكون كالهازل في عمله. هذا وإنما قلنا بصحة العبادة المكرَه عليها بناءاً على ما هو الحق والمشهور من كفاية نية القربة في صحة العبادة وإن كان الباعث إليها جلب نفع أو دفع ضرر دنيوي أو آخروي بحيث لولاه لم يقصد التقرب. وأما على مذهب ابن طاووس من أن اللازم في عبادية العبادة ملاحظة كون المولى أهلًا للإمتثال مجرداً عن التعليل بنفع أو دفع ضرر فاللازم البطلان. إن قلت إن حديث الرفع يقتضي رفع الأثر وهو عن هذا المكرَه عليه فلا يسقط بالعمل المذكور التكليف لأن سقوط التكليف من أثار العمل العبادي فلا يكون صحيحاً؟
قلنا: أولًا لا نسلم أن سقوط التكليف بالعمل أثر شرعي بل هو أمر واقعي فإن السقوط تابع للمطابقة للمطلوب وهو أمر واقعي ولو سلمناه فحديث الرفع وارد لرفع الآثار الشرعية المرتبة على
وجود العمل المكره عليها كالصلاة المكره عليها ولاريب في أن الصلاة يكون من آثارها سقوط التكليف وعدم إعادتها فمقتضى رفع الأثر المذكور هو رفع سقوط التكليف بها ورفع عدم إعادتها الذي مرجعه هو ثبوت عدم سقوط التكليف وثبوت إعادتها فهو يدل على مطلوب ابن طاووس وهذا لا ينافي ما تقدم منا من أن الإكراه لو تعلق بترك واجب أو مندوب أو فعل محرم أو مكروه يسقط حكمه من الوجوب أوالإستحباب أو الحرمة أو الكراهة.
(الجهة الثالثة): في الإكراه بالنسبة إلى الأحكام الوضعية. فنقول إن الإكراه على أسباب الضمان من إتلاف أو جناية أو إثبات يد أو استيفاء منفعه أو انتفاع موجب لرفع الضمان عن المكرَه (بالفتح) وموجب لثبوته على المكرِه (بالكسر) وليس ذلك كالغرر وإن كان كلام بعضهم كعبارة الروضة يقضي بعدم الفرق، والوجه في ذلك أن أسباب الضمان مع حصول الإكراه لا تصدق على المكرَه (بالفتح) فإنه لا يعد متلفاً ولا مضراً ولا صاحب يد ونحو ذلك بل كل ذلك يصدق على المكرِه (بالكسر) بل هو من أجلى إفراد تقديم المسبب على المباشر.
نعم هنا إشكال وهو أن السبب في عدم ضمان المكرَه (بالفتح) لو كان عدم صدق الأدلة بالنسبة إليه فَلِمَ يقولون بالضمان في قتل النفس؟ وإن لم يكن كذلك فلا وجه لعدم ضمان المكرَه (بالفتح) بعد صدق السبب! نعم لو كان الإكراه بحيث يسلب القصد ويكون
المكرَه كالآلة فهناك لا يصدق السبب ولا يصير ضمان عليه وهو خارج عن محل البحث بل عن الإكراه أيضاً ويدخل في عالم الإضطرار.
وربما يقال إن وجه القول بكون القاعدة إنما هي عدم ضمان المكرَه (بالفتح) لأن السبب أقوى من المباشر ولكن خرج الدم بالإجماع والنص، أو نقول إن القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) في جميع الموارد ولكن يرجع إلى المكرِه (بالكسر) كالمغرور بالإجماع وهو إنما قام في غير الإكراه على قتل النفس ولكن دعوى الإجماع على ذلك في غاية الإشكال وكون القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) هو أشكل لما عرفت أن القاعدة تقتضي عدم ضمان المكرَه فالحق إن وجه الإستثناء للإكراه على قتل النفس إنما هو من جهة النص والإجماع على أن المكرَه هو الضامن.
فتلخص أن مصير المشهور إلى عدم ضمان المكرَه في محله على القاعدة وأما ضمانه في باب الدم فللنص والإجماع. وربما يقال إن صدق السبب على المكرَه على القتل من جهة أن الإكراه في العرف إنما يعتبر فيما كان المخوف منه أمراً أعظم مما أكره عليه كما هو الغالب فإن من أكره بدفع ألف حذراً من دفع واحد أو من أكره لدفع واحد حذراً من الوقوع في واحد آخر مثله لا يعد مكرهاً عرفاً وعادةً فهنا أيضاً نقول كونك مكرهاً على قتل النفس لا يكون إلا مع كون ما تحذر منه أشد مما تقع فيه والفرض أن قتل نفسك ونفسه
سواء المحذورية إلا أن يقال إن المدار على نظر المكرَه (بالفتح) ولعل قتل نفسه أعظم في نظره من قتل شخص آخر بل هو كذلك لأن الإنسان يفر من تلف نفسه وإن تلف غيره بذلك قال صاحب العناوين (ره) إنه قد اتفق الكلام في رفع هذا الإشكال مع شيخنا المحقق الشيخ محمد حسن أيده الله فأجاب بعد كلام طويل بأن الظاهر أن الفعل يسند إلى المكرَه (بالفتح) في كل مقام إلا في صورة سلب القصد وباب الدم على القاعدة حينئذ ولكن نجيب عن سائر المقامات بأن قوله (ص) رفع ما استكرهوا عليه يدل على رفع المؤاخذة والضمان أيضاً فيقدم على أدلة الضمان فيكون باب الدماء خارجاً بدليل خاص على عدم التقية فيه.
وأوردتُ عليه بأنه في الخطأ والنسيان أيضاً يلزم عدم الضمان؟ فأجاب بأن دليل الضمان نرجحه فيها بالإجماع والشهرة ونقدم العكس في الإكراه للشهرة هذا غاية مراده أيده الله ولكن أوردتُ عليه:
أولًا: بأن الظاهر من رفع ما إستكرهوا رفع المؤاخذة فلا يدل على رفع الضمان كما أن قوله لا تقية في الدم معناه إثبات الإثم ولا دلالة فيه على الضمان ولو سلم فسياق الخبر وذكر الخطأ ينافي ذلك والتفكيك في غاية البعد مع أن ظاهر الأصحاب عدم استنادهم في رفع ضمان المكرَه إلى الرواية فالإشكال غير منحل عند الإنصاف.
وأما الإكراه على الأسباب الفعلية للملك كالإحتطاب
والإحتشاء والإصطياد والمعاطاة ونحوها فهل يشترط في تأثيرها الملكية الإختيار فلا يكون المكرَه (بالفتح) مالكاً حينئذ بذلك مطلقاً أو لا يشترط بل يكون مالكاً به مطلقاً أو يبقى مراعي فإن رضى المكرَه بعد ذلك بما فعله ملكه وإلا فلا يملكه وعلى هذا التقدير فيمكن كونه بطريق الكشف بمعنى كون الرضا كاشفاً عن تمليكه بالحيازة من حين الحيازة أو بطريق النقل فيملك من حين الرضا وعلى فرض عدم الملك أصلًا أو إلى زمان حصول الرضا كما هو قضية القول بالنقل فهل المال باق على الإباحة الأصلية أو على ملك البايع أولًا بل يملكه المكرِه (بالكسر) لأنه في الحقيقة فاعل السبب والمكرَه (بالفتح) كالآلة؟ وجوه وإحتمالات لا يخفى وجوهها على المتدرب في الفن فلا حاجة إلى ذكرها. والعمدة في ذلك ملاحظة أدلة الأسباب الفعلية فعلى القول بأن قصد التملك معتبر في ذلك كما يراه بعض الأصحاب. قد يقال إنه لا يملك لعدم القصد! ولكنك قد عرفت في بحث موضوع الإكراه أن المعتبر في الإكراه وجود القصد إلى المسبب كالتملك في المقام مع فوات الرضا بالمسبب فلا يتفاوت الحال بين القول بإشتراط قصد التملك وعدمه من جهة الإكراه فيكون محل الكلام في المقام ليس في تحقق قصد التملك من المكرَه لأن فرض الكلام أنه متحقق منه وإنما ليس براضِ به وإنما محل الكلام أن هذه الأسباب تكون سبباً للتملك بشرط صدورها عن إختيار ورضا فلابد من الرجوع للأدلة الدالة على سببية هذه الأسباب للتملك فيرجع النزاع إلى أن مثل قوله (ص): (من حاز شيئاً ملكه) أو
(من أحيا أرضاً ميتة فهي له) أو نحو ذلك هل هي دالة على كون هذا الفعل بالإختيار والرضا موجب للتملك أو أعم من ذلك وهذا البحث آت في جميع الأفعال فإن قولنا (قام) هل معناه قام عن إختيار أو أعمَّ منه ومن الإكراه؟ والذي يقتضيه النظر أن يقال إن الإكراه إن بلغ حد سلب الإرادة فذلك لا بحث فيه في عدم صدقه وهو خارج عن النزاع وأما ما عداه فالحق أن أصل الفعل أعم من الإختيار أو الإكراه لتبادر القدر المشترك وعدم صحة السلب ولكن ينصرف إلى الإختياري عند إطلاقه فهذه الأدلة لا ريب في أن المتبادر منها الإختياري وكون ما صدر عن إكراه موجباً للملك يحتاج إلى دليل والأصل قاضِ بالبقاء على الإباحة الأصلية ونسبتهِ للمكرِه (بالكسر) أيضاً غير واضح لعدم صدق السبب من حيازة وإصطياد بالنسبة إليه بعد توسط رجل في البين قاصد لأن يكون هو المتملك لا المكرِه (بالكسر) لكون قصد المكرِه (بالكسر) الإكراه على الحيازة للمكرَه (بالفتح) لا لنفسه وعليه فلا يصدق عليه أنه حاز قطعاً، نعم لو أكره للحيازة لنفسه فلا يبعد صدق دليل الحيازة بالنسبة إليه وكون المكرَه كالآلة حينئذ. وبالجملة فلا يملكه المكرَه (بالفتح) بمجرّد حصول الحيازة، نعم لو حصل له الرضا بعد ذلك فالظاهر حصول الملك له لصدق الدليل لأنه حيازة مع الرضا كما سيأتي توضيح ذلك في العقود، وبالجملة يصدق عليه أنه حاز شيئاً وأحيى أرضاً وقد كان المانع من الصدق عدم الرضا وقد حصل، ثم إن الظاهر أن الرضا يكشف عن الملك بالحيازة لأنها السبب وهو شرط فإذا حصل أَثّر
السبب في حينه.
وأما الإكراه في القبض فيما يعتبر في ترتيب الأثر عليه بالقبض فالظاهر أن الإكراه يرفع أثر القبض ويجعله بمنزلة العدم فلو أكرهه على عدم القبض فهو بمنزلة ما إذا أكرهه على عدم الحيازة أو على عدم البيع فالإكراه وإن كان لا أثر له لكن السبب والمقتضي لما كان غير متحقق فلا يحصل المسبب وهو التملك، وأما الإكراه في الأقارير كما لو أكره على الإقرار بالقتل أو السرقة أو الدين فلا يعتد به ولا يعمل بمقتضاه فإن الإقرار إنما يكون حجة على المقر من باب كشفه عن واقع الحال ومع التهديد والخوف ليس له كاشفية عن الواقع.
وأما الإكراه في الإيقاعات والعقود فالحق أن الإكراه مانع عن صحتها لأمور أحدها الإجماع ولعل مدرك المجمعين ما يأتي من الوجوه:
ثانيها: قوله تعالى: [لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكَمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ] وهو صريح في أن ما لا رضاء فيه هو أكل للمال بالباطل والمكره على العقد لا رضاء له بأكل ماله ويتم الإستدلال بهذه الآية في الإيقاعات كالطلاق ونحوه بضميمة عدم القول بالفصل.
إن قلت إنها ظاهرة في حرمة الأكل بالباطل وهو فيما نحن فيه أول الكلام لإمكان أن يكون المال قد انتقل بالعقد من المكرَه فلا يكون أكلًا للمال بالباطل؟ قلنا ليس المراد بالأكل إلا التسلط على