الإستشهاد به على بطلان ما استكرهوا عليه إذ للخصم أن يرد عليه بأنه غير دال على ذلك وإن يدل على رفع العقاب فقط.
إن قلت لو كان الحديث يدل على رفع الآثار الشرعية للفعل أو العقد المضطر إليه فيلزم أن الإنسان لو إضطر إلى بيع داره لشدة الحاجة إلى الدراهم أن يكون بيعه للدار لا أثر له شرعي فلا يكون صحيحاً شرعاً ولا يمكن لأحد أن يلزم بذلك وإلا لزم فساد أغلب المعاملات لأن الغالب تكون عند شدة الحاجة لأثمانها وإذا ثبت عدم شمول حديث الرفع لمعاملات المضطر يثبت عدم شموله لمعاملات المكرَه لوحدة السياق؟
قلنا إجراءاً للباب على نسق واحد فالمراد بما أضطر إليه وقهر عليه بحيث كان صدوره عنه من دون إختيار فالمعاملة إذا ألجا إليها كأن ضرب حتى فقد إختياره في إجرائها تكون أسوء حالًا من المعاملة التي أكره عليها وهكذا العمل الذي ألجأ إليه لا حكم له كما لو أكره عليه وفيما ذكر لم يكن إضطرار إلى بيع الدار لأن صدور البيع منه كان بإرادة وإختيار، ولو سلم الإضطرار فهو إنما كان لحصول الدراهم هذا ولكن القوم أجابو عن ذلك بأنه عند الإضطرار إلى المعاملة لكونها لدفع الضرر أهم متوجه إليه بأن حديث الرفع وارد مورد الإمتنان وليس رفع أثر تلك المعاملة وإرتفاع صحتها فيه إمتنان على الأمة بل هو مناف للإمتنان وإنما ارتفع الحكم التكليفي كحرمة الخمر إذا اضطر إلى شربه موافق للإمتنان.
خامسها: قوله (ص): (المسلم أخو المسلم لا يحل ماله إلا عن طيب نفسه) فإن ظاهر إسناد عدم الحل للمال هو عدم حل التصرف فيه وإلا فلا معنى لعدم حله ومقتضي الإستثناء هو حل التصرف في المال بشرط طيب نفس صاحب المال واشتراط الطيب يقتضي مانعية الإكراه عن حلية مال المسلم لأنه بالإكراه لا تطيب النفس ولا ترضى بالتصرف وليس المراد بطيب النفس إلا الإرادة والإختيارية المستقلة لبذله بعوض أو من دون عوض كما تقدم في آية: [لا تَأْكُلُوا] فإنا حتى لو قلنا إن المراد به الحب الحقيقي والإبتهاج النفسي فإنما صح بيع أعز الأشياء للإنسان عند حاجته للمال لأنه بذلك يحصل له إبتهاج بالبيع ورضاء به بملاحظة حاجة نفسه له لا حاجة غيره له. وقد أورد على الإستدلال بهذه الرواية المحقق الإيرواني (ره) والأشكوَري بأنها في مقام بيان مجرد الحكم التكليفي وهو حرمة الأكل لمال الغير ما دام ماله للغير وفيما نحن فيه أول الكلام إذ لعل مال المكرَه قد انتقل للغير فلا يكون الغير إلا متصرفاً في ماله لا في مال غيره.
وفيه أن نفي الحلّيه ظاهر في رفع الحلّية مطلقاً الوضعية والتكليفية نظير [وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ] فتكون الرواية دالة على إرتفاع الحلّية الوضعية عند عدم الطيب ومقتضاه عدم حصول النقل والإنتقال عند عدم الطيب، نعم الأولى الرد بما ذكره المرحوم الأصفهاني وحاصله: أن الطيب هو الشوق والإرادة للعمل وهو على قسمين:
(أحدهما): ما هو طبيعي وهو ما تعلق بالعمل الذي يلائم الطبيعة كالأكل للجائع ورؤية المحبوب وسماع الصوت الحسن ونحو ذلك.
و(ثانيهما): ما هو عقلي وهو ما يتعلق بالعمل لحكم العقل بلزوم إتيانه كشرب الدواء لرفع المرض وبيع الدار لشدة الحاجة للمال وقد يجتمع الطيبان الطبيعي والعقلي في موضوع واحد كالأكل الطيب عند الجوع ولاريب في أنه عند الإكراه يكون العقل قد حكَم على المكره بالعمل ويكون إتيانه للعمل بإرادة منه وشوق إقتضاه حكم العقل بإتيانه خوفاً من الضرر نظير ما يحكم العقل عليه ببيع داره لمباشرة نفسه عند الطبيب، نعم للمكرَه رضاء طبيعي وطيب طبيعي. إذا عرفت ذلك فنقول: إن أريد من الحديث الشريف مطلق الطيب فالمكرَه عنده طيب عقلي نظير من يبيع داره لشدة حاجته للمال مع محبوبيته لداره وان أريد به الطيب الطبيعي فهو غير صحيح لأنه منافٍ للإطلاق ولأنه يلزم فساد بيع الدار المحبوبة لشدة الحاجة للمال. فالصحيح عدم صحة الإستدلال بهذا الحديث في المقام ولا بقوله تعالى: [إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ] لوجود الرضا والطيب للمعاملة عند الإكراه.
ودعوى أن المكرَه غير مستقل بالتصرف هنا وأنه مستقل في التصرف في صورة بيع داره لشدة الحاجة مدفوعة بأن في كلا الصورتين كان الفعل بإرادة الفاعل وإختياره وإرادته غاية الأمر أن
الداعي لهذه الإرادة كان مختلفاً ففي الإكراه من جهة الخوف من غيره وفي الصورة الثانية من جهة شدة الحاجة. ولكن يمكن أن يجاب عنه أن المتبادر من الطيب والرضا هو مطلق الإرادة سواء طبيعية او عقلية إلا إذا كانت من ناحية تخويف الغير وتهديده فإنها لا تسمى بالطيب ولا بالرضا. وصحة السلب والتبادر يشهدان بذلك فيصح الإستدلال من هذه الجهة، والحاصل أن مع الإكراه لا يصدق الرضا وطيب النفس لأن المتبادر منهما هو ما كان إرادة الفعل لا بقهر الغير وتخويفه.
سادسها: ما ذكره صاحب العناوين (ره) من ان المتبادر من أدلة الإيقاعات والعقود ما حصل فيه التراضي وهو لا يشمل ما أكره عليه. وفيه إن الأدلة المذكورة شاملة لما أكره عليه ولذا معظم الفقهاء صححوا العقد المكره عليه إذا تعقبه الرضا وحكموا بصحة العقد المكره عليه إذا كان الإكراه عليه بحق. والغريب أنه (ره) في باب تعقب الرضا للعقد إعترف بشمول أدلة العقود والإيقاعات للمكره عليه منها.
سابعها: ما يحكى عن المحقق الثاني من إنتفاء إرادة معنى العقد من المكرِه لأنه مع الإكراه لا يعقل أن يقصد المعاملة من ألفاظه فتكون ألفاظ المعاملة خالية عن المعنى نظير عقد المجنون والمتكلم تلقيناً أو الحاكي لكلام غيره. ونظيره ما يحكى عن صاحب المستند (ره) حيث جعل وجه بطلان بيع المكرَه هو عدم وجود ما يدل على قصد
إنشاء البيع عند إجراءه للصيغة حال إكراهه فإن كونه مكرهاً قرينة على عدم إرادته ظاهر اللفظ. وإلى ذلك ذهب صاحب الجواهر (ره) حيث قال: ومن المعلوم إنتفاء إرادة معنى العقد من المكرَه لعدم تصور الإكراه عليه.
وفيه إن محل كلام القوم هو الإكراه على المعاملة مع جمعها لجميع شرائط الصحة ما عدى الإكراه عليها إذ لو كانت فاقدة لبعض الشروط كان الفساد مستنداً إليه بل لا معنى للإكراه على المعاملة إلا ذلك لأن الإكراه على الشيء هو الإكراه على تحققه في الخارج فإن معنى الإكراه على شرب الخمر هو الإكراه على وجود الشرب في الخارج. وعليه فلا بد من أن يكون محل كلامهم هو ما إذا كان قاصداً لإنشائها بالألفاظ ولكنه لم يكن مريداً لها وراضياً بها فالإكراه إنما هو في مقابل الرضا وهو غير قصد المعنى من اللفظ بل يكون من الأمور المقارنة لقصد المعنى من اللفظ أو المتأخرة عنه فمحل الكلام هو ذلك لا لإكراه بمعنى الإجبار الذي يكون اللفظ فيه مجرداً عن المعنى ويدلك على أن محل كلامهم هو ذلك هو نزاعهم في صحة معاملة المكرَه عليها إذا تعقبها الرضا وحكمهم بصحة المعاملة المكرَه عليها إذا تعقبها الرضا وحكمهم بصحة المعاملة المكرَه عليها إذا كان الإكراه عليها بحق كأن يجبره حاكم الشرع على بيع ماله لإيفاء دينه. فإنه لو كان قاصداً اللفظ دون المعنى كان لاغياً لا أثر له فلا وجه للحكم بصحة العقد منه ولو تعقبه ألف رضا كالمعاملة الصادرة من المجنون. ثم إن هذا لا يتم بناءاً على أن الألفاظ توجب
حصول معانيها حصولًا تصورياً (فقام زيد) يوجب حصول معناه حصولًا تصورياً وإن لم يقصده إلا مع القرينة الصارفة فيحصل ما قامت عليه القرينة فهي علة وسبب لحصول معانيها فلا يكون قصد معناها لها دخل في حصوله ولذا يقال إن المجنون أخبر بهذا الشيء وهكذا الهازل والنائم وإنما لا يترتب الأثر على كلامهم بحكم العقل أو الشرع أو العرف والعقود هي عبارة عن تلك الألفاظ الموجبة لحصول معانيها حصولًا تصورياً وليس قصد المعنى شرطاً فيها، نعم يشترط في ترتب الأثر عليها هو طيب النفس بذلك والرضا به والإختيار له. ولقد ذهب الكثير من المحققين إلى أن الإنشاءات نظير الألفاظ الموجبة للزجر (كأخ) للحمار (وبشت) للهرة والعقود عبارة عن ذلك من دون دخل لقصد المعنى فيها.
ثامنها: إن وجه بطلان معاملة المكرَه من جهة عدم قصد المكرِه إنشاء عقد المعاملة أو لإيقاع بداعي إرادة تحققها في الخارج بل إنما كان إنشائهما بداعي إرادة تحققها في الخارج بل إنما كان إنشائهما بداعي إرادة المكرِه (بالكسر) فإن المعاملة كما يعتبر فيها العقد أو الإيقاع يعتبر في تحققها إرادة تحققها في الخارج وإلا لم يصدق عنوان المعاملة كالبيع والنكاح والطلاق فإن الإنشاء للشيء تابع لداعيه فإنك لو أنشأت العقد بداعي الإستهزاء والسخرية لم تتحقق المعاملة ولا ريب في أنه في صورة الإكراه لم يكن العقد أو الإيقاع قد صدر بداعي تحقق البيع أو نحوه من الطلاق والنكاح في الخارج بل بداعي إرادة المكرِه لها وبعثه عليها فلا تتحقق المعاملة بهما فلا يصدق عليها
عنوان المعاملة ولا يترتب عليها ما رتبه الشارع على عنوان تلك المعاملة لعدم تحققها بذلك العقد أو بذلك الإيقاع.
وبعبارة أخرى العقد من المكرَه أو الإيقاع منه وإن كانا مستعملين في معناهما إلا أن إنشائهما لم يكن بداعي تحقق المعاملة المتقومة بهما لأن الإكراه لا يجعل المكرَه مريداً لتحققها فإذا أتى بهما وهو مكرَه لم يكن مريداً لتحققها بهما فلا تحقق حينئذ بهما من المكرَه لأن الإنشائيات تابعه لدواعي إنشائها فلو أنشأها لا بداعي وجودها بل بداعٍ آخر لم تكن موجودة بذلك الإنشاء كما حقق ذلك في مبحث صيغه الامر فالعقد والإيقاع متحقق من المكرِه بواسطة كونه قاصداً للمعنى مما تلفظ به ولم يكن مانعاً من تحقق المعاملة بهما إلا عدم القصد المذكور فلو تعقب القصد المذكور لهما أمكن القول بتحقق المعاملة وسيجيء إنشاء الله الكلام في ذلك. وبهذا يظهر لك الفرق بين أن يكره على دفع مال فيبيع داره فإن المعاملة صحيحة لأنه قد أتى بعقد البيع بداعي تحققه في الخارج وبين أن يكره على بيع داره فإن المعاملة باطلة لأنه لم يقصد تحقق البيع في الخارج لعدم رضائه بتحققه. وفيه إن محل الكلام فيما لو قصد ذلك فإن المكرَه من سائر الناس يقصد حقيقة وقوع الطلاق مثلًا ولا يلتفت إلى عدم تحققه بإيقاعه له فهو قاصد إيقاعه لدفع الضرر عن نفسه من توعيد غيره نظير من يقصد إيقاعه لدفع الضرر أو المحافظة على العرض.
تاسعها: ما يظهر من المرحوم الأشكوري من أن الإكراه وإن انتفى معه الرضا وطيب النفس إلا أنه لم يذكر أحد أن الرضا من شرائط صحة المعاملة وما فرّع أحد عقد المكرَه على الرضا وإنما اشترطوا الإختيار وفرّعوا عليه، إلا أن الوجه في فساد المعاملة هو إنتفاء الإستقلال الذي هو من شرائط صحة نفوذ التصرف لأنه لا معنى لمالكية الشخص إلا إستقلاله في السلطنة بحيث لا يتصرف أحد فيه من دون إختياره. والتصرف إنما يكون نافذاً إذا كان مستنداً للمالك لا إلى غيره والمفروض أن البيع إستند إلى إرادة المكرَه إستناد إيجاد وفاعلية وأن المكرَه كان آلة إليه لضعف إرادته.
ويؤيد ما ذكر ما صرحوا به من جواز الإضرار عن الغير بما دون القتل عند الإكراه وإن كان ما يترتب عليه أقل مما يترتب على الضرر فإنه شاهد صدق على أن الضرر على الغير في الحقيقة مستند إلى المكرِه ولا يجب تحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره. ولا يخفى عليك أن ما ذكره هو عين المدعى فإنه للخصم أن يقول ما الدليل على فساد المعاملة مع هذه الإرادة غير الحرة وما الدليل على عدم نفوذ هذا المقدار من السلطنة مع إنه طالما يكون عوامل خارجية تقتضي إجراء المعاملة نظير إكراه الغير عليها مع صحتها عندهم؟ نعم يمكن أن نرجع ما ذكره (ره) إلى أن المعاملة مع الإكراه وإن كان تشملها أدلتها لكنها تكون صادرة من المكرِه لا من المكرَه فإن الأعمال الصادرة بالإكراه تنسب للمكرِه. والمكرَه بمنزلة الآلة كما