عنوان المعاملة ولا يترتب عليها ما رتبه الشارع على عنوان تلك المعاملة لعدم تحققها بذلك العقد أو بذلك الإيقاع.
وبعبارة أخرى العقد من المكرَه أو الإيقاع منه وإن كانا مستعملين في معناهما إلا أن إنشائهما لم يكن بداعي تحقق المعاملة المتقومة بهما لأن الإكراه لا يجعل المكرَه مريداً لتحققها فإذا أتى بهما وهو مكرَه لم يكن مريداً لتحققها بهما فلا تحقق حينئذ بهما من المكرَه لأن الإنشائيات تابعه لدواعي إنشائها فلو أنشأها لا بداعي وجودها بل بداعٍ آخر لم تكن موجودة بذلك الإنشاء كما حقق ذلك في مبحث صيغه الامر فالعقد والإيقاع متحقق من المكرِه بواسطة كونه قاصداً للمعنى مما تلفظ به ولم يكن مانعاً من تحقق المعاملة بهما إلا عدم القصد المذكور فلو تعقب القصد المذكور لهما أمكن القول بتحقق المعاملة وسيجيء إنشاء الله الكلام في ذلك. وبهذا يظهر لك الفرق بين أن يكره على دفع مال فيبيع داره فإن المعاملة صحيحة لأنه قد أتى بعقد البيع بداعي تحققه في الخارج وبين أن يكره على بيع داره فإن المعاملة باطلة لأنه لم يقصد تحقق البيع في الخارج لعدم رضائه بتحققه. وفيه إن محل الكلام فيما لو قصد ذلك فإن المكرَه من سائر الناس يقصد حقيقة وقوع الطلاق مثلًا ولا يلتفت إلى عدم تحققه بإيقاعه له فهو قاصد إيقاعه لدفع الضرر عن نفسه من توعيد غيره نظير من يقصد إيقاعه لدفع الضرر أو المحافظة على العرض.
تاسعها: ما يظهر من المرحوم الأشكوري من أن الإكراه وإن انتفى معه الرضا وطيب النفس إلا أنه لم يذكر أحد أن الرضا من شرائط صحة المعاملة وما فرّع أحد عقد المكرَه على الرضا وإنما اشترطوا الإختيار وفرّعوا عليه، إلا أن الوجه في فساد المعاملة هو إنتفاء الإستقلال الذي هو من شرائط صحة نفوذ التصرف لأنه لا معنى لمالكية الشخص إلا إستقلاله في السلطنة بحيث لا يتصرف أحد فيه من دون إختياره. والتصرف إنما يكون نافذاً إذا كان مستنداً للمالك لا إلى غيره والمفروض أن البيع إستند إلى إرادة المكرَه إستناد إيجاد وفاعلية وأن المكرَه كان آلة إليه لضعف إرادته.
ويؤيد ما ذكر ما صرحوا به من جواز الإضرار عن الغير بما دون القتل عند الإكراه وإن كان ما يترتب عليه أقل مما يترتب على الضرر فإنه شاهد صدق على أن الضرر على الغير في الحقيقة مستند إلى المكرِه ولا يجب تحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره. ولا يخفى عليك أن ما ذكره هو عين المدعى فإنه للخصم أن يقول ما الدليل على فساد المعاملة مع هذه الإرادة غير الحرة وما الدليل على عدم نفوذ هذا المقدار من السلطنة مع إنه طالما يكون عوامل خارجية تقتضي إجراء المعاملة نظير إكراه الغير عليها مع صحتها عندهم؟ نعم يمكن أن نرجع ما ذكره (ره) إلى أن المعاملة مع الإكراه وإن كان تشملها أدلتها لكنها تكون صادرة من المكرِه لا من المكرَه فإن الأعمال الصادرة بالإكراه تنسب للمكرِه. والمكرَه بمنزلة الآلة كما
ذكرناه في المبحث المتقدم في الضمانات فلا يكون المكرَه هو المطّلق ولا هو البائع وإنما البائع والمطّلِق هو المكرِه ولعل هذا هو الوجه في ذكرهم شرطية الإختيار للمعاملة دون الرضا فإن مع الإكراه لا يكون العمل مختاراً إختياراً إستقلالياً للمكرَه وإنما هو منسوب للمكرِه وإختياره يرجع إليه. ولا يخفى عليك ان هذا الوجه إنما يتم لو قلنا أن الإسناد حقيقي للمكرِه ومجازي للمكرَه وهو أول الكلام فإن المكرَه قد صدر عنه الفعل بإختياره وإستقلال عقله الحاكم بوجوب دفع ضرر غيره عنه نظير من يختار قطع بعض أعضائه لدفع ضرره عنه وإلا لكانت أفعال العباد الواجبة مستندة إلى الله تعالى لأنها تصدر منهم لدفع العقاب الذي وعد به على المخالفة.
الجهة الثالثة في أن الرضا الرافع للإكراه هل هو شرط للمعاملات إذا كان مقارناً أو هو شرط سواء كان لاحقاً أو مقارناً فلو لحق الرضا في صورة الإكراه صحت المعاملة؟ ظاهر الأصحاب التفصيل بين العقود والإيقاعات فإن المشهور بين المتأخرين أن الرضا إذا تعقب العقود كالبيع والإجارة والصلح ونحوها صح العقد الصادر عن إكراه. وإن الإيقاعات كالشفعة والطلاق والظهار واللعان والأيلاء والنذر والعهد واليمين والعتق والإقرار ونحو ذلك لا تكون مراعاة بحصول التراضي بل متى ما وقع شيء منها بإكراه بطل ولا ينفع الرضا به بعد ذلك كما لا يصح فضولياً وإن لحقته الإجازة فإن كان ذلك لإجماع قام في ذلك فلا بحث فيه ولكن لا
إجماع لدينا إلا ما يظهر من كلمات بعضهم وهو ليس بحجة كيف والمحكي عن الخلاف دعوى الإجماع على فساد عقد المكرًه حتى لو تعقبه الرضا، ومخالفه صاحب الرياض ومجمع الفائدة والكفاية في ذلك وإن كان على القاعدة فيمكن البحث فيها بأن عمومات الإيقاعات كعمومات العقود إن كانت شاملة للمكرَه عليه الذي تعقب فيه الرضا فلا وجه لبطلان الإيقاع فإن الطلاق أو العتق على سبيل الإكراه إذا لحقه رضا فهو ايضاً عتق وطلاق داخل في العموم فينبغي الصحة. وإن لم تكن شاملة فلوجه في المكرَه البطلان سواء كان في عقد أو إيقاع فلا وجه للفرق والتفصيل، نعم فيما كان مشروطاً بنية التقرب كما في الوقف والعتق فالوجه فيه البطلان إذا وقع مع إكراه لفوات الشرط وهو مقارنة النية وأما فيما عداه فلا وجه للتفصيل بين البطلان في الإيقاع والصحة في العقد بل أما البطلان في الجميع أو الصحة في الجميع.
وكيف كان فالوجه في العقود أن لحوق الرضا كاف في الصحة ولا يشترط مقارنة الإختيار وذلك للإجماع المستظهر من كلمات جماعة من الأصحاب بل عن الرياض تبعاً للحدائق أنه عليه إتفاق الأصحاب وقد تقدم الكلام فيه وللدليل على ذلك وهو مبني على مقدمتين:
(إحداهما): إن عموم أدلة العقود شاملة لعقد المكرَه ودعوى إنصرافه إلى العقود المتعارفة وهي ما كانت مقارنة للرضا غير مسلمة
لصدق العقد عرفاً على المجرد عن الرضا فإنه يقال ما كان راضياً بالمعاملة وقد باع عن كراهةٍ بلا تجوزفي الصدق وهي إمارة الحقيقة. مع أن بيع المكرَه وسائر معاملاته من الأمور المتعارفة بحسب النوع فهي من أفراد العقود المتعارفة وكفى شاهداً على ذلك هو إدراج الأصحاب عقود المكرَه تحت الأدلة وفهمهم في موضوعات الألفاظ يورث الظن بالمراد.
(الثانية): إن ما دل على إعتبار الرضا في العقد عند الشارع من عدم حلية مال المسلم إلا عن طيب نفسه ومن عدم صحة التجارة إلا عن تراضي ونحو ذلك فهو إنما يقتضي كون العاقد راضياً بمضمون العقد فيكون مضمون أدلة الوفاء بالعقود مقيد بدليل خارجي بالرضاء بمضمونها وفي صورة تعقب الرضا يتحقق مضمون الرضا فيكون العقد متحقق مع شرطه. وأما إشتراط مقارنة الرضا للعقد فلا دليل عليه بل لعل الدليل قد قام على عدمه فإن الظاهر أن ما دل على صحة الفضولي يدل على صحة المكرَه عليه بالأولوية نظراً إلى أن رضاء المالك متأخر في المقامين ويزيد الفضولي في البعد عن الصحة بصدور العقد فيه عن غير من له الولاية والسلطنة على المعقود عليه ودعوى أن الفضولي فيه الرضا من اول العقد فلذا لو أُخبِر به في حينه لأجازه وإلا لبطل العقد إجماعاً ومن هنا ذهب المشهور إلى الإجازة في الفضولي كاشفه لا ناقله وهذا بخلاف بيع المكرَه فإنه لا رضاء فيه أو العقد ويؤيد ذلك ما اتفقوا عليه من عدم
العبرة برضاء الهازل والصبي ونحوهما ولذا ذهب جامع المقاصد ومجمع الفائدة والكفاية الى فساد العقد وإن تعقب بالرضاء فاسدةٌ فإن الفضولي أيضاً لا رضاء فيه في أول العقد لعدم إلتفات المالك إليه والرضا أمر وجودي نفسي يستدعي الإلتفات إلى المرضي عنه والمالك لم يكن ملتفتاً لهذا البيع وأما عدم العبرة برضاء الهازل والصبي بعد البلوغ وإرتفاع الهزل فمن جهة أن ما صدر من الصبي والهازل ليس بعقد لعدم قصدهما للمعنى وما يقال إن ظاهر قوله تعالى: [إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ] يدل على إعتبار مقارنة الرضا لأن كلمة المجاوزة وهي (عن) دالة عن كون التجارة ناشئة عن التراضي فيكون صورة طريان التراضي بعد العقد داخلة في الأكل بالباطل ويثبت في سائر العقود لو لم يكن داخلًا تحت التجارة بعدم القول بالفصل مدفوع:
أولًا: بأنا لا نسلم أن التجارة معناها العقد حتى يلزم إعتبار كون العقد صادراً بعد الرضا بل معناها الكسب والنقل والإنتقال والتمليك والتملك كما ذكره المرحوم صاحب العناوين وتبعه النائني (ره) فيدل على إعتبار كون الملك مع الرضا وفي ما نحن فيه أيضاً لا ملك من دون الرضا ولذا لو لم يرضَ كشف عن البطلان ولو رضي صح العقد وحصل الملك عن التراضي.
وثانياً: سلمنا أن المراد بالتجارة العقد لكن لا نسلم أن (عن) تدل على وقوع التجارة مقارنة للرضاء. فإنه لو وقع الرضاء من زيد
بعد مجيئه فإنه يصح أن يقال إن مجيئه قد وقع عن الرضا به وهكذا سائر الأعمال لو وقعت من دون الرضا ثم تعقبها الرضا فإنه يصدق بعد ذلك أن العمل تحقق عن الرضا به فإن (عن) تستعمل لأدنى ملابسة وارتباط ويرشدك إلى ذلك أنه بعد الرضا المتأخر يصدق عرفاً أنه لم يأكل المال بالباطل وكان أكله له بتجارة عن تراض.
ودعوى أن حديث الرفع يشمل عقد المكرًه في حينه فخروجه عنه بالرضا بعد مدة غير ممكن عقلًا لإستحالة تغير ما مضى عما وقع عليه وإنقلابه عنه مع عدم الدليل على التغير والإنقلاب شرعاً فيكون التقييد من غير دليل فاسدة فإن حديث الرفع سواء قلنا إنه حاكم أو مقيد لإطلاقات أدلة البيع بغير المكرَه عليه ظاهر في كون عدم ترتب الأثر ما دام الإكراه ومع تقب الرضا لم يكن البيع المكرَه عليه فلا يشمله حديث الرفع فيدخل في إطلاقات أدلة البيع وهذا نظير أن يكون زيد العالم فاسقاً فكان خارجاً عن وجوب إكرام العلماء بواسطة النهي عن إكرام الفاسق ثم بعد هذا صار عادلًا فإنه يدخل في عمومات وجوب إكرام العلماء وإن أبيت عن ذلك مستنداً إلى ما تقرر في محله أنه إذا ارتفع عن الفرد المخصص وشك في أن حكمه حكم العام أو حكم المخصص يستصحب حكم المخصص فههنا نستصحب عدم صحة المعاملة وإن ارتفع الإكراه لأنه من باب استصحاب عدم المخصص فهو فاسد لأن ذلك إنما هو فيما علم حكم الفرد وفيما نحن فيه لم يعلم أن المعاملة فاسدة لأن الرضا كاشف لا ناقل فالمعاملة من أصلها وإبتدائها تكون صحيحة بالرضا
اللاحق بها. ألا ترى أن المولى لو صرّح وقال إن هذا البيع مكرَه عليه لا يترتب عليه الأثر فإذا رضى به صاحبه فرتب عليه الأثر، فهل في ذلك إستحالة عقلية؟ وحديث الرفع لا يدل إلا على رفع تأثير البيع المكرَه عليه ما دام مكرهاً عليه فقط بل أن حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وهو يحصل برفع الإلزام لا برفع قابلية العقد للتأثير فإن المنة أن يبقى العقد بيد العاقد إن شاء ابطله وإن شاء امضاه ولو قيل إن حديث الرفع الدال على رفع الأحكام التكليفية والوضعية للإكراه فإنه بإطلاقه يقتضي رفع صحة العقد المكرَهعليه حتى لو تعقبه الرضا. قلنا إن الحكم لا يعقل ان يشمل ضد موضوعه فإذا قلنا يحرم لبس الثوب الأسود فلا يشمل الأبيض وفيما نحن فيه دل حديث الرفع على رفع الأثر عن المكرًه عليه فلا يعقل أن يشمل غير المكرَه عليه والذي تحقق الرضا عنه فتكون المعاملة بعد تعقب الرضا عنها غير مشمولة لحديث الرفع وعند ذا تشملها عمومات المعاملات بلا حاكم عليها وبلا مقيد ولا مخصص ولعل إلى هذا يشير ما ذكره بأن الحديث إنما يدل على ان العقد المكرَه عليه لا يكون المكرَه ملزماً بالجري عليه لأن معنى الرفع هو ذلك فله أن يرضَ به ولا يجري على مقتضاه وله أن يرضَ به ويجري على مقتضاه وهو الذي يقتضيه الإمتنان الذي ورد في مقامه الحديث المذكور وإن شئت قلت بأن حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وهو يحصل بنفي الإلزام عن المكرَه. وأما إخراج العقد عن قابليته للتأثير مطلقاً فلا إمتنان فيه أصلًا فإن الإمتنان على المكرًه أن يوكل أمر العقد إليه في الإمضاء