بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 54

إجماع لدينا إلا ما يظهر من كلمات بعضهم وهو ليس بحجة كيف والمحكي عن الخلاف دعوى الإجماع على فساد عقد المكرًه حتى لو تعقبه الرضا، ومخالفه صاحب الرياض ومجمع الفائدة والكفاية في ذلك وإن كان على القاعدة فيمكن البحث فيها بأن عمومات الإيقاعات كعمومات العقود إن كانت شاملة للمكرَه عليه الذي تعقب فيه الرضا فلا وجه لبطلان الإيقاع فإن الطلاق أو العتق على سبيل الإكراه إذا لحقه رضا فهو ايضاً عتق وطلاق داخل في العموم فينبغي الصحة. وإن لم تكن شاملة فلوجه في المكرَه البطلان سواء كان في عقد أو إيقاع فلا وجه للفرق والتفصيل، نعم فيما كان مشروطاً بنية التقرب كما في الوقف والعتق فالوجه فيه البطلان إذا وقع مع إكراه لفوات الشرط وهو مقارنة النية وأما فيما عداه فلا وجه للتفصيل بين البطلان في الإيقاع والصحة في العقد بل أما البطلان في الجميع أو الصحة في الجميع.

وكيف كان فالوجه في العقود أن لحوق الرضا كاف في الصحة ولا يشترط مقارنة الإختيار وذلك للإجماع المستظهر من كلمات جماعة من الأصحاب بل عن الرياض تبعاً للحدائق أنه عليه إتفاق الأصحاب وقد تقدم الكلام فيه وللدليل على ذلك وهو مبني على مقدمتين:

(إحداهما): إن عموم أدلة العقود شاملة لعقد المكرَه ودعوى إنصرافه إلى العقود المتعارفة وهي ما كانت مقارنة للرضا غير مسلمة


صفحه 55

لصدق العقد عرفاً على المجرد عن الرضا فإنه يقال ما كان راضياً بالمعاملة وقد باع عن كراهةٍ بلا تجوزفي الصدق وهي إمارة الحقيقة. مع أن بيع المكرَه وسائر معاملاته من الأمور المتعارفة بحسب النوع فهي من أفراد العقود المتعارفة وكفى شاهداً على ذلك هو إدراج الأصحاب عقود المكرَه تحت الأدلة وفهمهم في موضوعات الألفاظ يورث الظن بالمراد.

(الثانية): إن ما دل على إعتبار الرضا في العقد عند الشارع من عدم حلية مال المسلم إلا عن طيب نفسه ومن عدم صحة التجارة إلا عن تراضي ونحو ذلك فهو إنما يقتضي كون العاقد راضياً بمضمون العقد فيكون مضمون أدلة الوفاء بالعقود مقيد بدليل خارجي بالرضاء بمضمونها وفي صورة تعقب الرضا يتحقق مضمون الرضا فيكون العقد متحقق مع شرطه. وأما إشتراط مقارنة الرضا للعقد فلا دليل عليه بل لعل الدليل قد قام على عدمه فإن الظاهر أن ما دل على صحة الفضولي يدل على صحة المكرَه عليه بالأولوية نظراً إلى أن رضاء المالك متأخر في المقامين ويزيد الفضولي في البعد عن الصحة بصدور العقد فيه عن غير من له الولاية والسلطنة على المعقود عليه ودعوى أن الفضولي فيه الرضا من اول العقد فلذا لو أُخبِر به في حينه لأجازه وإلا لبطل العقد إجماعاً ومن هنا ذهب المشهور إلى الإجازة في الفضولي كاشفه لا ناقله وهذا بخلاف بيع المكرَه فإنه لا رضاء فيه أو العقد ويؤيد ذلك ما اتفقوا عليه من عدم‌


صفحه 56

العبرة برضاء الهازل والصبي ونحوهما ولذا ذهب جامع المقاصد ومجمع الفائدة والكفاية الى فساد العقد وإن تعقب بالرضاء فاسدةٌ فإن الفضولي أيضاً لا رضاء فيه في أول العقد لعدم إلتفات المالك إليه والرضا أمر وجودي نفسي يستدعي الإلتفات إلى المرضي عنه والمالك لم يكن ملتفتاً لهذا البيع وأما عدم العبرة برضاء الهازل والصبي بعد البلوغ وإرتفاع الهزل فمن جهة أن ما صدر من الصبي والهازل ليس بعقد لعدم قصدهما للمعنى وما يقال إن ظاهر قوله تعالى: [إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‌] يدل على إعتبار مقارنة الرضا لأن كلمة المجاوزة وهي (عن) دالة عن كون التجارة ناشئة عن التراضي فيكون صورة طريان التراضي بعد العقد داخلة في الأكل بالباطل ويثبت في سائر العقود لو لم يكن داخلًا تحت التجارة بعدم القول بالفصل مدفوع:

أولًا: بأنا لا نسلم أن التجارة معناها العقد حتى يلزم إعتبار كون العقد صادراً بعد الرضا بل معناها الكسب والنقل والإنتقال والتمليك والتملك كما ذكره المرحوم صاحب العناوين وتبعه النائني (ره) فيدل على إعتبار كون الملك مع الرضا وفي ما نحن فيه أيضاً لا ملك من دون الرضا ولذا لو لم يرضَ كشف عن البطلان ولو رضي صح العقد وحصل الملك عن التراضي.

وثانياً: سلمنا أن المراد بالتجارة العقد لكن لا نسلم أن (عن) تدل على وقوع التجارة مقارنة للرضاء. فإنه لو وقع الرضاء من زيد


صفحه 57

بعد مجيئه فإنه يصح أن يقال إن مجيئه قد وقع عن الرضا به وهكذا سائر الأعمال لو وقعت من دون الرضا ثم تعقبها الرضا فإنه يصدق بعد ذلك أن العمل تحقق عن الرضا به فإن (عن) تستعمل لأدنى ملابسة وارتباط ويرشدك إلى ذلك أنه بعد الرضا المتأخر يصدق عرفاً أنه لم يأكل المال بالباطل وكان أكله له بتجارة عن تراض.

ودعوى أن حديث الرفع يشمل عقد المكرًه في حينه فخروجه عنه بالرضا بعد مدة غير ممكن عقلًا لإستحالة تغير ما مضى عما وقع عليه وإنقلابه عنه مع عدم الدليل على التغير والإنقلاب شرعاً فيكون التقييد من غير دليل فاسدة فإن حديث الرفع سواء قلنا إنه حاكم أو مقيد لإطلاقات أدلة البيع بغير المكرَه عليه ظاهر في كون عدم ترتب الأثر ما دام الإكراه ومع تقب الرضا لم يكن البيع المكرَه عليه فلا يشمله حديث الرفع فيدخل في إطلاقات أدلة البيع وهذا نظير أن يكون زيد العالم فاسقاً فكان خارجاً عن وجوب إكرام العلماء بواسطة النهي عن إكرام الفاسق ثم بعد هذا صار عادلًا فإنه يدخل في عمومات وجوب إكرام العلماء وإن أبيت عن ذلك مستنداً إلى ما تقرر في محله أنه إذا ارتفع عن الفرد المخصص وشك في أن حكمه حكم العام أو حكم المخصص يستصحب حكم المخصص فههنا نستصحب عدم صحة المعاملة وإن ارتفع الإكراه لأنه من باب استصحاب عدم المخصص فهو فاسد لأن ذلك إنما هو فيما علم حكم الفرد وفيما نحن فيه لم يعلم أن المعاملة فاسدة لأن الرضا كاشف لا ناقل فالمعاملة من أصلها وإبتدائها تكون صحيحة بالرضا


صفحه 58

اللاحق بها. ألا ترى أن المولى لو صرّح وقال إن هذا البيع مكرَه عليه لا يترتب عليه الأثر فإذا رضى به صاحبه فرتب عليه الأثر، فهل في ذلك إستحالة عقلية؟ وحديث الرفع لا يدل إلا على رفع تأثير البيع المكرَه عليه ما دام مكرهاً عليه فقط بل أن حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وهو يحصل برفع الإلزام لا برفع قابلية العقد للتأثير فإن المنة أن يبقى العقد بيد العاقد إن شاء ابطله وإن شاء امضاه ولو قيل إن حديث الرفع الدال على رفع الأحكام التكليفية والوضعية للإكراه فإنه بإطلاقه يقتضي رفع صحة العقد المكرَهعليه حتى لو تعقبه الرضا. قلنا إن الحكم لا يعقل ان يشمل ضد موضوعه فإذا قلنا يحرم لبس الثوب الأسود فلا يشمل الأبيض وفيما نحن فيه دل حديث الرفع على رفع الأثر عن المكرًه عليه فلا يعقل أن يشمل غير المكرَه عليه والذي تحقق الرضا عنه فتكون المعاملة بعد تعقب الرضا عنها غير مشمولة لحديث الرفع وعند ذا تشملها عمومات المعاملات بلا حاكم عليها وبلا مقيد ولا مخصص ولعل إلى هذا يشير ما ذكره بأن الحديث إنما يدل على ان العقد المكرَه عليه لا يكون المكرَه ملزماً بالجري عليه لأن معنى الرفع هو ذلك فله أن يرضَ به ولا يجري على مقتضاه وله أن يرضَ به ويجري على مقتضاه وهو الذي يقتضيه الإمتنان الذي ورد في مقامه الحديث المذكور وإن شئت قلت بأن حديث الرفع وارد في مقام الإمتنان وهو يحصل بنفي الإلزام عن المكرَه. وأما إخراج العقد عن قابليته للتأثير مطلقاً فلا إمتنان فيه أصلًا فإن الإمتنان على المكرًه أن يوكل أمر العقد إليه في الإمضاء


صفحه 59

والإبطال وإن شئت قلت أن الرفع ظاهر في رفع الأمر الثقيل على المكَلف فحديث الرفع لا يرفع إلا ما فيه الثقل عن المكرًه وهو ما كان عليه لاما كان له وفيما نحن فيه كان لعقد المكرَه أثران:

أحدهما: إلزامه بعقده بمقتضى عموم أدلة المعاملة.

والثاني‌: وقوف عقده على رضاه بمقتضى أدلة الطيب.

والأثر الأول كان عليه فيرتفع بحديث الرفع دون الثاني لأنه كان له فلا يرتفع بالحديث المذكور. ولو قيل إن الروايات المتقدمة دالة على حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه وهي تقتضي مقارنة الرضا؟

قلنا: لا إقتضاء فيها لذلك بل هي شاملة للرضا المقارن والمتأخر فلا وجه لتخصيصها بالرضا المقارن. ولو قيل أن الرضا مأخوذ في مفهوم العقد سلمنا لكن الإجماع والعقد قد قاما على اعتبار الرضا بالمعاملة، أما الإجماع فواضح وأما العقل فلأن أخذ المال من صاحبه من دون رضاه ظلم وهو قبيح عقلًا؟

قلنا: قد عرفت غير مرة وستعرف أيضاً أن الرضا ليس مأخوذاً في مفهوم العقد فإن العقد يصدق على العقد مع عدم الرضا حقيقةً لغةً وعرفاً ولذا يصدق على عقد الفضولي قبل رضا المالك به أنه عقد حقيقة وكذا يصدق على عقد المكرَه بحق أنه عقد حقيقة لغةً وعرفاً مع أنه لا رضا فيه من المالك وأما العقل فلأنه لا ظلم إذا


صفحه 60

تعقب العقد الرضا به وأما الإجماع فهو غير ثابت كما عرفت من مخالفة جملة من العلماء كصاحب الكفاية والرياض ومجمع الفائدة بل وقد حكي عن الخلاف دعوى الإجماع على فساد عقد المكرَه مضافاً لاحتمال استناده إلى تلك الأدلة الدالة على اعتبار الرضا بالمعاملة. والغريب من السيد اليزدي (ره) ومن بعض أساتذة العصر أنه أجاب عن الإجماع بأن القدر المتيقن هو إعتبار الرضا في صحة العقد أعم من المقارن واللاحق ووجه الغرابة أنه على هذا يكون القدر المتيقن منه هو الرضا المقارن فالأولى في الجواب ما ذكرناه. ولو قيل إن العقود تابعة للقصود وهنا لا قصد نظير عقد الهازل والمجنون فيخرج العقد عن قابلية التأثير مطلقاً حتى لو قارنه الرضا لأن المكرَه لم يقصد المعنى وإنما يقصد اللفظ كالهازل فعقده كلا عقد نظير ما قيل في بيع التلجئه وهو أن يخاف أن يأخذ الظالم ملكه فيواطي‌ء رجلًا على إظهار شرائه منه ولا يريد بيعاً حقيقياً؟

قلنا: إن لكلامنا هنا بعد فرض جامعية العقد للشروط ما عدا الرضا فكلامنا في عقد المكرَه القاصد لإنشاء المعاملة ولكنه عن إكراه، والحاصل أن الرضا والإكراه أمران مغايران لقصد اللفظ والمعنى والهازل قاصد اللفظ لا لأجل التمليك وترتيب الأثر فهو غير قاصد للمعنى فلا يصدق عليه أنه عقد أصلًا وأما المكره فهو قاصد اللفظ وقاصد للمعنى وهو التمليك والأثر ولكنه لم يوجد عنده الرضا بذلك فإن من يبيع ماله لخوف قاصداً للبيع وحصول المعاوضة قطعاً


صفحه 61

لكنه لا عن رضاه بل عن خوف وإكراه ويصير بالحقيقة الإكراه داعياً إلى ذلك لأنه غير قاصد للتمليك ويؤيد ذلك حكمهم بصحة عقد من أكره بحق فإن هذا لا يتم لو كان الإكراه موجباً لعدم قصد المعنى ضرورة أنه ليس بعقد وإن شئت قلت إن المكرَه القاصد للفظ ومدلوله هو محل الكلام وأما المكره الذي قد جرد نفسه عن قصد المعنى على وجه لم يصدر منه إلا اللفظ الصرف فهو خارج عن محل الكلام وعقده باطل وإن تعقبه الرضا، فما أورده بعضهم من الإيراد بعدم قصد المعنى كالهازل لا وجه له للفرق بصدق العقد في المكرًه عرفاً دون الهازل وبكون المكرَه قاصداً للمعاوضة وأثر العقد دون الهازل. ومن هنا يظهر لك النظر في كلام الشهيد الأول (ره) في الدروس والشهيد الثاني في الروضة حيث ذهبا إلى أن المكرَه قاصد للفظ دون المعنى وأن الرضا منه كاف في صحة العقد ووجه النظر:

أولًا: إن كلامنا في المكرَه القاصد للمعنى.

وثانياً: إنه إذا لم يقصد المعنى لم يكن العقد متحققاً فيكون نظير الهازل فلا ينفع تعقب الرضا في صحة المعاملة.

وما يقال إن هذا العقد كان قبل حصول الرضا فاسداً فيستصحب الفساد حتى يقوم دليل على الصحة مدفوع. أولًا بمنع الفساد بل هو في الواقع أما صحيح أو فاسد والرضا وعدمه يكشف عن ذلك فليس هنا فساد في الواقع حتى يستصحب فإن طريان الرضا يوجب الشك في الصحة من اول الأمر وهو ما يقوله‌