المكرَه عليه وبين المأتي به عموم وخصوص حتى نقول بأنه أحد أفراد المكرَه عليه بل بينهما تباين بالذات أو القيد أو بالخصوصية الإعتبارية، ولكن بعض أساتذة العصر ذكر أن من أكره على بيع داره فباع كتابه لإحتمال أن يقنع المكرِه بذلك ويرفع يده عن بيع داره فإن بيع الكتاب يكون فاسداً لأنه بغير طيب النفس. ولا يخفى عليك ما فيه فإن بيع الكتاب لم يكن عن إكراه لما عرفت من ان حقيقة الإكراه هو حمل الغير على الفعل مع توعيده بالضرر وفيما نحن فيه لم يوعد بالضرر على بيع الكتاب ولم يحمله الغير عليه. ودعوى عدم طيب النفس ببيعه مدفوعة بأن نفسه قد طابت ببيعه مراعاة للمصلحة وهو دفع شر الغير نظير من يبيع كتابه ليدفع ثمنه للظالم الذي يكرهه على دفع مقدار من المال.
وأما الصورة الثالثة: ما إذا كانت المعاملة أزيد مما أكره عليه وهي تتصور على وجوه:
منها أنه لو أكره على بيع شيء واحد لا بشرط الإنفراد بل بلفظ مطلق فباعه منضماً إلى الآخر كما لو أكرهه على بيع المصراع الأيمن من باب دار فباع المصراع الآخر معه لعدم استفادته به أو لعدم شراء المشتري له من دونه أو نحو ذلك عد إكراهاً في الجزء المكرَه عليه لأن ضمه شيئاً آخر له لا ينافي كونه مكرهاً عليه فيكون البيع بالنسبة إليه فاسداً. وأما ما ضمه إليه فبيعه يكون صحيحاً لإنتفاء الإكراه بالنسبة إليه لأن الظالم لم يحمله عليه.
إن قلت: لولا الإكراه على بيع ذلك الشيء لما ضمه إليه فالإكراه هو الداعي لبيعهما معاً.
قلنا: لا ننكر ذلك ولكن الداعويه إنما كانت لكراهة وجود الضميمة بعد بيع المكرَه عليه والكراهة غير الإكراه فإنها عبارة عن البغض فهو بعد أن أكرهه على بيع الشيء بغض وجود ما ضمه إليه فباعه معه أو أن المشتري لم يشترِ الشيء إلا بعد ضم تلك الضميمة إليه أو نحو ذلك وإلا فهو لم يُكرَه على بيع الضميمة لأنه لم يحمله غيره على بيعها ولم يوعِده بالضرر على عدم بيعها فأدلة البيع تشملها. والإكراه ليس بموجود بالنسبة إليها وكان عندها طيب النفس ببيعها لبغضه لوجودها عنده بعد بيع ما أكره عليه نظير من اكره على بيع فرسه فكره البقاء في داره فباعها بعد بيع فرسه ونحو ذلك.
ومنها ما لو أكرهه على أحد الشيئين أو أحد الأشياء تخييراً فباعها جميعاً فإن كان قد باع تدريجاً فلا ريب في كون السابق منهما هو الذي تحقق المكرَه عليه في ضمنه فهو فاسد، وأما الثاني فلا إكراه فيه فبيعه صحيح. ودعوى أنه يُرجَع للبائع في استيضاح المكرَه عليه منهما مدفوعة بأنه عند بيع الأول لم يبق للإكراه عين ولا أثر لأن الإكراه قد ارتفع بالأول منهما ارتفاعاً واقعياً وإن باعهما دفعه واحدة قيل أنه لا يصح البيع فيهما معاً لوجهين:
(أحدهما): إن الإكراه على أحدهما كان هو الباعث على
بيعهما فكان بيعهما ناشئاً عن الإكراه لا عن طيب النفس.
وفيه ما لا يخفى فإن بيع أحدهما كان ناشئاً عن الإكراه دون الآخر لأنه لم يُوعَد عليه بالضرر وإنما كان موعوداً على أحدهما فلابد بد أن يكون منشأ بيعهما معاً لغرض آخر كعدم استفادته بالآخر مع بيع أحدهما أو عدم وجود المشتري لأحدهما دون الآخر أو إرادته الإرتحال من هذا المكان بعد إكراهه على بيع أحدهما أو نحو ذلك وإلا لو كان الإكراه هو المنشأ فقط لباع أحدهما فقط لأنه لا يعقل أن يدعو الشيء إلى اكثر مما يقتضيه.
(ثانيها): إن البيع باطل لأن المكرَه عليه هو عنوان أحدهما وهو قابل للإنطباق على كل واحد منهما في الواقع فالبيع الفاسد منهما غير معين واقعاً وجعله أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجح فتعين بطلانهما معاً ولا أحدهما المردد بلا عنوان لأنه غير معقول لاستحالة ملك المردد.
ولا يخفى عليك ما فيه من أن بيع العنوان الكلي المردد صحيح ألا ترى أنه يصح بيع حفنة من هذه الصبرة من الطعام وفيما نحن فيه كان الأمر كذلك.
وقيل بصحة البيع في الجميع كما هو رأي الشيخ الأنصاري (ره) والمحكي عن المرحوم النائني لأن البيع لهما معاً لم تكن عن إرادة المكرِه وإنما هو بإرادة مستقلة لأن ما أكره عليه لم يقع في الخارج وما وقع لم يكره عليه.
والحاصل أن إرادة المجموع هي التي كانت منشأ للبيع وليست منبعثة عن إرادة المكرِه ضرورة أن المكرِه ما أراد إلا أحدهما ولم يرد الكل ولم يتوعد عليه فلا بد من أن يكون لها باعث آخر وليس هنا إرادتين مستقلتين أحدهما متعلقة بما أكره عليه والأخرى متعلقة بما يقارنه بل المجموع متعلق بإرادة واحد منبعثة عن غرض خاص.
وفيه ما لا يخفى عليك فإن بيع أحدها لاريب في أنه قد كان عن إكراه المكرِه قد أكرهه على بيع أحدهما لا بشرط وهو قد باعهما من جهة إكراه المكرِه فكان ما إكره عليه منطبقاً على أحدهما إلا أنه قد ضم إليه في البيع الشيء لآخر، نعم لو كان المكَره عليه أحدهما بشرط لا تم ما ذكر والحاصل أن ما نحن فيه نظير من أكره على بيع شيء معين فباعه مع شيء آخر فإن الإكراه لا يزول بالضميمة إليه فقوله (إرادة الكل غير منبعثة عن إرادة المكرِه) مسلم لكن إرادة الكل ترجع إلى إرادتين غير متنافيتين أحدهما كانت منبعثة عن إرادة المكرِه والأخرى منبعثة عن غرض خاص كاستفادة المال أو قطع العلاقة نظير من يكرم زيداً درهمين أحدهما لأنه عالم والآخر لأنه هاشمي قوله: (ضرورة أنه ما أراد إلا أحدهما ولم يرد الكل) لا يخفى عليك أن المكرِه لم يرد أحدهما بشرط لا وإنما أراده لا بشرط وما ذكره (ره) إنما يتم لو أراده بشرط لا قوله (ليس ههنا إرادتين مستقلتين) قد عرفت وجودها وأي مانع منه إذا كانا غير متنافيين وهل أعمالنا المتصلة إلا عبارة عن إرادات مستقلة منضم بعضها إلى بعض.
والأولى أن يقال إن البائع لما كان بيعه لأحدهما عن طيب نفسه ومن غير إكراه وكان عنوان أحدهما ينطبق على كل واحد منهما فكان كل منهما يطيب نفس البائع ببيعه وعدم إكراهه له وحيث أن ذلك لم يكن بشرط لا وإلا لما ضمه للآخر فكان كل منهما بيعه عن طيب نفس وعن عدم إكراه سواء كان منظماً للآخر أو منفرداً عنه فبيعه لهما يكشف عن طيب نفسه ببيعهما وعدم الإكراه فيه فالغرض الذي حدث في نفسه لبيعهما أوجب تبدل الحال.
وقيل بصحة البيع في أحدهما وفساده في الآخر ويعين بالقرعة الفاسد من الصحيح وهو الذي احتمله صاحب العناوين (ره).
وردّ هذا الإحتمال المحقق الأصفهاني بأن القرعة إنما يرجع إليها فيما إذا كان المطلوب متعيناً في الواقع ومجهول لدينا وفيما نحن فيه المكره عليه لم يكن متعيناً في الواقع حتى يعين بالقرعة.
وأجاب عن ذلك بعض أساتذة العصر بعد أن إختار الرجوع في المقام الى القرعة بقوله: إن مورد القرعة غير منحصر فيما ذكر بل هي تجري في كل أمر مشكل أو مشتبه لإطلاق أدلتها ومن هنا أطبق الفقهاء على الرجوع إلى القرعة فيما لو طلق شخص أحد زوجاته من غير تعيين مع أن المطلقة لا تعيين لها لا واقعاً ولا ظاهراً.
أقول: الظاهر أن حجية القرعة ليس من باب الطريقية للواقع والكاشفية عنه وإلا لكان الحق ما ذكره المحقق الأصفهاني (ره) فإن
حجيتها من باب الإمضاء لبناء العقلاء وهم قد يعينون الواقع بها كما في تعيين الكفيل لمريم (ع) بها، ولكن حجية القرعة بنحو العموم لهذا المورد محل تأمل فإنها لكثرة تخصيص أدلتها أصبح عمومها موهون فلا يتمسك به في مورد إلا إذا قوي عمومها بالنسبة إليه كأن عمل به المشهور في هذا المورد أو تأكد بخبر ولو ضعيف وفيما لم يحصل ما يقوي عمومها بالنسبة إليه. وقيل يخير المكرَه في فسخ ايهما شاء بإعتبار أن أمر البيع لهما كان بيده، وفيه أنه كان الأمر بيده قبل البيع أما بعده فهو قد خرج عنه وصار أحدهما يرجع للمشتري والحاصل أن كلامنا بعد فرض صحة بيع أحدهما، ولا ريب في أنه بعد البيع رجع للمشتري فلا وجه لتعيين البائع له بل ولا المشتري بعد عدم تعيينه واقعاً وجعل أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجح.
الصورة الرابعة: ما إذا كانت المعاملة المأتي بها أنقص من المكرَه عليها كما لو اكرهه على بيع العبد فباع نصفه وكما إذا أكرهه على بيع الدار فباع ربعها فإن كان الإكراه على البيع ولو كان تدريجياً كان البيع لنصفها باطلًا لأنه مما ينطبق عليه المكرَه عليه وإن كان بشرط الكمال والتمام فالبيع صحيح لأن ما باعه ليس بمكرَه عليه حيث ان المكرَه عليه كان الجزء بشرط شيء وهو الإنضمام إلى باقي الأجزاء وهو لا ينطبق على المبيع فهو نظير من يكره شرب الماء الحار فيشربه بارداً وقد تقدم في الصورة الثانية ما ينفعك في المقام.
ثاني الفروع فيما لو أكره على أحد الشيئين:
أنه لو اكرهه على أحد الشيئين فإن كان أحدهما متقدماً على الآخر وجوداً كأن يكرهه على إفطار اليوم أو الغد فيتعين المتأخر منهما وهو الغد في المثال المذكور لأن الأسبق لم يكن إكراه عليه فعلًا لإمكان التخلص عنه في الحال. ولا فرق في ذلك بين المعاملات والتكاليف الشرعية وأما لو كان وجودهما في عرض واحد فإن كانا متساويين كإعطاء احد الدينارين فدفع احدهما معيناً فربما يتخيل أن ذلك لا يعد إكراهاً لأن المكرِه ما أراد الخصوصية وهو ليس كذلك لأن مدار الإكراه على صدور الفعل من دون رضاه. ولا ريب في أن دفع هذا الدينار ليس من جهة أنه دينار خاص بل من جهة أنه أحد الأمرين المطلوب منه إكراهاً والخصوصية ملغاة في نظرهما معاً. والطريق في إتيان الكلي المردد بينهما منحصر في الفرد وأي منهما أتى به يجيء فيه هذا المحظور.
وأما لو كانا متفاوتين فإن كان أحدهما أقل من الآخر بحيث يندرج تحته كإعطاء دينار أو دينارين وبيع مَنّ أو منّين فهذا لا يعد إكراهاً على المنّين عند الإنصاف فلو أتى بالمن فهو مكرَه لدخوله تحت فردي التخيير وأما لو باع المنّين يحتمل أن يعتبر أنه أيضاً مكرَه عليه لأنه أحد الفردين ويحتمل القول بأنه لا إكراه فيه أصلًا إذ لم يتعين عليه ذلك المن كان كافياً فيه والعدول إلى المنين يكشف عن رضاه
ورغبته في ذلك، وبعضهم فصل فجعل البيع بالنسبة إلى أحد المنين فاسداً لأنه عليه وبالنسبة إلى المن الآخر صحيحاً لأنه كان مختاراً فيه.
وأما لو كان أحد الشيئين المكره على أحدهما واجباً والآخر ذا اثر شرعي كما لو اكرهه على دفع نفقة زوجته أو بيع داره أو دية جناية أو طلاق زوجته فارتكاب ذي الأثر الشرعي كبيع الدار أو طلاق الزوجة في المثالين يكون صحيحاً لأنه باختياره لأمكان التخلص منه بارتكاب الواجب الشرعي وتنقيح ذلك وتحقيقه إن الإكراه بالنسبة للواجب الشرعي إكراه على الحق وسيجيء إن شاء الله أن الإكراه على الحق لا يرفع الأثر وأن الإكراه عليه بمنزلة العدم فيصير المكرَه عليه كأنه لا إكراه عليه في ترتب أثره عليه كالإكراه على بيع المحتكر وإذا كان الأمر كذلك فلو جُعِلَ للإكراه على الحق عِدْل بالإكراه على أمر باطل كالمثال المذكور كان الباطل مكرهاً عليه بإكراه لا أثر له لأن الإكراه على القدر الجامع بينهما لا أثر له وإلا لأثر فيما هو الحق وإذا كان الإكراه في الباطل لا أثر له فلو صدر منه صار صحيحاً لأن الإكراه عليه لم يكن يرفع الأثر وهكذا لو أكرهه على فعل محرم أو مباح لا ضرر فيه ولا مشقة كما إذا أكرهه على شرب الخمر أو شرب الماء فإنه أيضاً لا يعد إكراهاً على المحرم لإمكان دفعه بارتكاب الذي لا ضرر فيه ولا مشقة كشرب الماء في المثال المذكور كما أنه يظهر حكم ما إذا أكرهه على أحد الشيئين كان لأحدهما الأثر دون الآخر كما لو أكرهه على المعاملة الصحيحة او الفاسدة كأن أمره أن يبيع داره بيعاً صحيحاً أو فاسداً فإنه لو اختار