بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 77

ومن ذلك يظهر أنه لو أكره على محرمين فإن كانا متساويين في المبغوضية تخير في ارتكاب أي منهما كما لو أكره على شرب أحد إنائي الخمر وإن كان أحدهما أزيد مبغوضية إختار الأقل منهما كما لو أكره على ضرب أحد الشخصين وكان أحدهما عالم ديني والآخر رجل عادي لما عرفت من أن الخصوصية الزائدة لم يكن إكراه عليها ومع الشك في وجود الخصوصية الزائدة لأحدهما يكون مخيراً بينهما لكون كل منهما يخاف من المكرِه ضرره.

وأما إذا أكره على أحد أمرين أحدهما مبغوض والآخر معامله كما إذا أكره على ترك الصلاة أو شرب الخمر أو بيع داره فلا ريب في عدم جواز ارتكابه للأمر المبغوض فلا يجوز له في المثال المذكور أن يترك الصلاة ولا أن يشرب الخمر إذ لا يسوغ فعل المبغوض للشارع مع إمكان التخلص منه بفعل شي‌ء مباح ولا ريب في ان المعاملة أمر مباح فلا يسوغ فعل المحرم مع إمكان التخلص منه بفعلها ولكنه لو ارتكب المعاملة كانت باطلة لكونها مكروهاً عليها لأنه لا مجال للتخلص منها إذ التخلص منها أما أن يكون بإتيان بدلها وهو ممنوع منه شرعاً أو بتركها من دون بدلها وهو معاقب عليه من قبل المكرِه.

ثالث الفروع فيما لو أكره على بيع شي‌ء من ماله وكانت أمواله مختلفة:

لو أكرهه على بيع شي‌ء من ماله وكان هناك أشياء متفاوتة


صفحه 78

لا يندرج الأقل منها تحت الأكثر كثوب قيمته دينارين وعباءة قيمتها دينار فإن باع الأقل فلا شبهة في كونه مكرهاً إلا على ما ذكر من احتمال عدم الإكراه في المخير وقد عرفت فساده وإن باع الأكثر فالظاهر أنه كذلك لأنه شي‌ء أكره على بيعه ولا ترجيح للأفراد المندرجة تحته لفرض أنها متباينة. ودعوى أن الإكراه كان يندفع ببيع الأقل فعدوله إلى الأكثر يكشف عن الرضا بالمعاوضة مدفوعة بأن الأكثر أيضا كان كافياً في إمتثال الأمر فعدوله الى الأقل ناشي‌ء من رضاه إلا أن يعتبر أن الضرورة لما كانت تتقدر بقدرها فارتكاب الزائد كاشف عن عدم مدخلية الإكراه لكن هذا في الصورة السابقة متجه وهنا ليس كذلك لكون الفردان متباينين والتخيير إنما كان للمكرَه (بالفتح) ولعله لا يرى في بيع الأقل مصلحة في نفسه لخصوصية دعت الحاجة بها إلى العين فتدبر.

رابع الفروع فيما لو أكره على النقود وباع شيئاً من مال لدفعها:

أنه لو أكرهه على دراهم أو دنانير كما هو عادة الحكام والسلاطين في الضرائب فباع شيئاً من ماله من أجل دفع ذلك فهل يعد هذا إكراهاً في بيع ذلك الشي‌ء لأنه لم يبع هذا المال إلا من جهة الخوف على نفسه من التلف لو لم يدفع الدنانير ولا يمكن إلا بالبيع ونحوه وهو إحدى الطرق المحصّلة للدينار أو لا يعد إكراهاً مطلقاً؟ لأن الإكراه أمر عرفي ولا يصدق هنا أنه بيع المكرَه. والإكراه على‌


صفحه 79

دفع الدينار لا يستلزم الإكراه على البيع عرفاً، أو يفصّل بين صورة إنحصار المقدمة في بيع ذلك مثلًا فيكون إكراهاً بإعتبار أن الإكراه على الشي‌ء إكراه على مقدمته المنحصرة وبين صورة عدم الإنحصار فلا يكون إكراهاً؟ وجوه وإحتمالات والأقوى انه ليس بإكراه على البيع مطلقاً لأنه قد كان اليع مطلوباً له لدفع الضرر عنه كالبيع لشرء سلاح لدفع الأعداء، ولأن من شرط الإكراه هو الوعد من غيره بالضرر على الترك والبيع فيما نحن فيه لم يوعد الغير على تركه بالضرر ولا نسلم أن الإكراه على ذي المقدمة بإكراه على المقدمة المنحصرة كيف وهي لم يوعد بالضرر على تركها!

خامس الفروع المأخوذ حياءً كالمأخوذ قهراً:

أنه قد اشتهر أن المأخوذ حياءاً كالمأخوذ قهراً وكرهاً والظاهر أن الحياء ليس من باب الإكراه وإن بلغ ما بلغ لأن رضاه الملتمس من المقاصد المعتد بها ولا يرضى الفاعل بذلك إلا لغرض داع له فيه وهذا غير معنى الإكراه ويظهر من المرحوم الهمداني عدّه من الإكراه حيث ذهب إلى أن الإكراه يصدق فيما لو التمسه من لا يسعه مخالفته حياء بحيث لا يكون البائع مستقلا في إرادته، إذ ربما يوجد مرتبة من الحياء ويتحقق مقدار من ألتماس بحيث لا يكون الإنسان متمكناً من ترك الفعل فيوقعه حياءاً ولا يكون عن طيب النفس به. وفيه ما لا يخفى فإنه ليس من الإكراه ما لم يكن عليه توعد بالضرر والخوف منه وأما الصادر حياءاً فهو صادر عن رضا نفساني‌


صفحه 80

لداع وغرض عقلائي كاحترام الشخص أو الأمل في مساعدته له في قضاياه أو نحو ذلك فيكون العمل صادراً عن طيب نفسه.

سادس الفروع التكليف المردد بين المكرَه عليه و غيره:

أنه قد ذكر بعض المحققين من أن التكليف بما هو مردد بين المقدور وغير المقدور تكليف بالمقدور لكون المكلف بهذا الإعتبار متمكناً من الإمتثال بإتيان المقدور. وعليه فيصح التكليف بما هو مردد بين المكره عليه وغيره لإمكانه الإمتثال بإتيان غير المكره عليه. وأما الفرد غير المقدور فليس بخصوصه مكلفاً به والحاصل أن ما هو المكلف به مقدور بإعتبار القدرة على بعض أفراده كما هو الشأن في التكليف بالعام الذي له بعض الأفراد غير المقدورة. ولا يخفى عليك ما فيه فإن هذا التكليف غير صحيح بالنسبة لغير المقدور لأنه قبيح بل لغو يستحيل صدوره من الحكيم.

سابع الفروع الإكراه لشخصين أو أكثر على سبيل الكفاية:

أنه لو أكره شخصان أو أكثر على سبيل الكفاية كان الفعل بالنسبة لكل واحد منهما مكره عليه لو صدر منه ليس بمبغوض للشارع ولا يترتب عليه الأثر الشرعي فلو أكره السلطانُ المتجاورين على بيع أحدهما داره فباع أحدهما داره كان البيع فاسداً نظير ما أكره على سبيل التخيير بين بيع أحد داريه. وذلك لأن الميزان في صدق الإكراه هو إيجاد الفعل خوفاً من الضرر المتوعد عليه من الغير


صفحه 81

وهذا المعنى متحقق في المقام وما ذكرمن الصور لا ترجع إلى عدم الخوف كما في صورة ما إذا علم بأن الآخر يفعله فإنها خارجة عن المقام لأنه بذلك لا يكون عنده خوف من الترك. وأما صورة ما إذا أكره أحد الوكيلين على بيع دار موكلها أو أحد الوليين على بيع مال الصبي أو المجنون فالحق أيضاً لا يصدق الإكراه على من علم منهما بأن الآخر يفعله وإنما يصدق الإكراه إذا لم يعلم بأن الآخر يفعله لوجود الخوف والرهبة من تركه.

ثامن الفروع الوكالة المكره عليها:

أنه لو أكره على توكيل غيره في إيقاع العقد بأن قال له السلطان وكلّ غيرك في البيع عنك فالظاهر فساد الوكالة وصيرورة العقد فضولياً لعدم صحة الوكالة لكونها مكرهاً عليها فتكون بمنزلة العدم ومثله ما إذا أكره الأجنبي غيره على بيع مال شخص آخر كأن السلطان يكره السلطان الدلال على بيع مال زيد أو القصي فإنه يكون البيع فضولياً موقوفاً على إجازة المالك أو الولي. نعم لو أن المالك أكره غيره على قبول الوكالة عن نفسه بأن ألزمه على إيجاد البيع وكالة عنه فأوجده غيره مكرهاً عليه كمن يكره ولده أو زوجته على بيع ما يملكه فأوجد البيع لما يملكه مكرهين على إنشاء الصيغة فالظاهر صحة البيع ولزومه كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (ره) إذ المفروض استجماع المعاملة لسائر الشرائط حتى الرضا من المالك وإلا لما أكره الوكيل على العقد وإنما المفقود في المقام هو صدور العقد


صفحه 82

من المالك ورضاء العاقد ولا ريب في عدم لزوم صدوره من المالك وإلا لما صحت الوكالة في العقد ولما صح البيع الفضولي وهكذا لاريب في عدم لزوم رضا العاقد وليس دليلًا على اعتباره وإنما الدليل قام على اعتبار رضا المالك لأنه بيده سلطنة المال. والحاصل أن العقد قد حصل وأن الرضا من المالك قد تحقق وإلا لما أكره العاقد مع فرض تمامية باقي الشروط المعتبرة في المعاملة فتكون الصحة هنا أولى من الصحة فيما أكره على البيع ثم تعقبه الرضا لأن الرضا هنا قد تحقق من المالك مقارناً لصدور العقد.

إن قلت إن أدلة الإكراه تجعل العبارة المكره عليها ملغاة بحكم العدم كعبارة المجنون والنائم فلا يكون العقد حينئذ متحققاً كما هو المحكي عن صاحب الجواهر والمسالك؟

قلنا: أدلة الإكراه إنما ترفع الأثر عن فعل المكرَه وقوله (فيما نحن فيه) نقول إن عبارة الوكيل لا أثر لها بالنسبة إليه نفسه لأنه مكرَه على الوكالة فيها وإنما الأثر المتحقق فيما نحن فيه بالنسبة للمكرِه باعتبار أن العقد قد صدر وهو راضٍ بمضمونه فأدلة العقود تشمل هذا العقد لأنه منها وطيب النفس بمضمونه قد كان ممن بيده المال فكانت أركان المعاملة متحققة غاية الأمر أن العقد قد أجراه غيره وهذا لا يضر في صحة المعاملة بعد شمول عمومات العقود لها.

إن قلت: إن من شرط صحة المعاملة هو قصد المعنى من العقد والعاقد فيما نحن فيه لم يعلم قصده للمعنى من العقد لأنه كان‌


صفحه 83

مكرهاً على العقد، وأصالة قصد المعنى من اللفظ في موارد الشك في قصده إنما هي أصل عقلائي فلا يجرونه إلا في مقام إحراز كون المتكلم مختاراً في كلامه لا مكره عليه فلا تنفع في المقام اصالة قصد المعنى من اللفظ في إثبات أن المكرَه على العقد قاصداً لمعناه ومع عدم إحراز القصد للمعنى لا يمكن إثبات صحة المعاملة؟

قلنا: محل كلامنا هو جمع المعاملة لباقي شرائط الصحة مع أن العقلاء يجرون أصالة العقد للمعنى كما يجرون في حق المكرَه أيضاً أصالة الظهور وأصالة الحقيقة مضافاً إلى أن اللفظ بقصد التلفظ به يكون قد قصد معناه فإن وضع اللفظ للمعنى موجب للتلازم بينهما بحيث يلزم من العلم به العلم بالمعنى فقصد اللفظ يترشح منه قصد المعنى نظير قصد كل ملزوم يترشح منه قصد اللازم.

إن قلت: إن من شرط تأثير العقد إنتسابه إلى المالك، ومع الإكراه على إجراء العقد عن المالك لم يكن العقد منتسباً للمالك مع أن حديث الرفع يرفع انتساب العقد إلى المالك لأنه من الآثار؟

قلنا: هو منتسب للمالك لإكراهه الوكيل عليه فإن في إكراه المسبب أقوى من المباشر بل إن رضاءه به كاف في انتسابه إليه فإن المعتبر في العقود هو الإنتساب للمالك بهذا المقدار لذا صح البيع الفضولي والوكالة في العقود وحديث الرفع إنما يرفع الآثار الشرعية وانتساب العقد للمالك أمر واقعي لا شرعي فلا يرفعه حديث الرفع.

إن قلت: إن هذا العقد يكون نافذاً على الوكيل لو كان‌


صفحه 84

صحيحاً لأن المال يصبح للمشتري. وعلى الوكيل المكرَه أن يرتب على هذا المال آثار الملكية للمشتري وهي آثار شرعية فيرفعها حديث الرفع؟

قلنا: ترتّب هذه الآثار الشرعية إنما كان من جهة تحقق المعاملة التامة من مالك المال لا من جهة صدور عقدها من الوكيل المكرَه والإكراه إنما وقع على صدور العقد وليس لصدوره أثر شرعي، نعم لو فرض أن لصدوره أثراً شرعياً كان حديث الرفع يرفعه كما لو حلف أو نذر أن لا يجري عقد بيع فإنه يكون الأثر الشرعي لإجراءه هو الحنث. وهكذا لو كان إجراء العقد محرماً وقت النداء فهو لا حرمة عليه بواسطة الإكراه.

تاسع الفروع إن الإكراه بحق لا يترتب عليه فساد المعاملة:

إن الإكراه الذي ذكرنا أنه مانع من صحة العقد والإيقاع هو غير الإكراه بحق وأما الإكراه بحق كما لو أكرهه الشارع على طلاق زوجته أو بيع ماله وكأكراه الحربي على الإسلام فلا يمنع من صحة المعاملة لأن الشارع قد أمضاه فتكون شرطية الرضا للمعاملة ساقطة عند الشارع بل إن إكراه من له الولاية الشرعية للمولّى عليه ليس من الإكراه في شي‌ء لأنه يكون تنفيذاً لحقه وإعمالًا لسلطنته ولو صرّح المكره في هذا الحال بأني أتلفظ بالصيغة من دون الإنشاء للمعاملة كان من قبيل الممتنع عن المعاملة فلا بد من قيام الحاكم الشرعي‌